أعاد الوارثون الذين خلفوا ( صلاح الدين) مدينة القدس إلى الصليبيين، كهدية
2026.04.09
يوسف زيدان
استقر هرقل على الكرسى حتى اكل عليه الزمان وشرب وبصق لا سيما بعدما هام بحب ابنة أخته مارتينا فتزوجها وهو خالها فى الزمن المسيحى بمباركة بعض أساقفة السلطة. كان حكم هرقل (المخلّص العسكري) نكبة على مصر، خصوصا بعد ولاية المقوقس الذي قتل وشرَّد عشرات الآلاف من المصريين، حتى جاءهم مخلص آخر على رأس جيش صغير هو أمير الحرب المسلم (عمرو بن العاص) الذي كان قائدًا عسكريا له إسهامات بارزة في حروب الشام، وتولى عملية فتح (غزو، تسليم) مصر للمسلمين. ولما عزله الخليفة عثمان عن حكمها بعدما فتحها، عانى «عمرو» الكثير حتى رجع إلى حكمها في زمن معاوية، لأن الرجل العسكري عمومًا لا يحب أن يترك السلطة إذا وصل إليها.
وبعد قرون جاء إلى مصر جيش يُقال إن قوامه كان مائة ألف جندي، بقيادة جوهر (الصقلبي) فانتزع حكم البلاد الخليفة «المعز» الذي كان بدوره رجلًا عسكريا يقود الجيوش، ثم يقودها من بعده (ويحكم مصر) ابنه (العزيز) فلما صار الحكم الفاطمي غير عسكري في زمن الحاكم بأمر الله، سعى حسين بن جوهر الصقلبي» إلى القيام بالدور المعتاد، فقتله الحاكم بأمر الله. مثلما قتل كثيرين كانوا يطمعون في العرش.
ولما ضعفت الدولة الفاطمية جاءها رجلٌ عسكري من خارج الديار، هو صلاح الدين الأيوبي الذي صار في فترة وجيزة يجمع بين منصبين لم يقدر عليهما غيره. فهو قائد لقوات الحاكم السني نور الدين ووزير في الوقت ذاته للخليفة الفاطمي الشيعي «المخلوع». وفعل صلاح الدين الكثير من الأفعال التي لا أحبها، ولا أحب ذكرها الآن، لأن الناس لا يحبون سماعها على اعتبار أنها سوف تشوش في أذهانهم صورة البطل المخلص، الذي يتوهمون أنه حرَّر القدس!
المهم عقد القائد العسكري (صلاح الدين) معاهدة مع ملك القدس، تسلَّم بموجبها المدينة شريطة الحفاظ على طابعها الديني. فهل تنحى صلاح الدين بعد انتهاء المهمة؟ بالطبع لا، وإنما قام بتوزيع المناصب وتوريث الحكم، وأعاد الوارثون الذين خلفوه مدينة القدس إلى الصليبيين، كهدية. وبقيت الدولة الأيوبية تحكم، حتى تهرأت تمامًا، وجاء المغول يهددون الشام ومصر فقام العسكريون مجددًا بتلبية النداء (الوطني) وخرج قطز وبيبرس لقتال المغول، فانتصروا على مؤخرة جيشهم أو بالأحرى (فلول المغول) في موقعة عين جالوت.
فهل عاد هؤلاء (الأبطال) بعد ذلك لوظائفهم العسكرية، وحماية حدود البلد من الانتهاكات المتكررة؟ بالطبع لا، فقد قتل بيبرس قائده «قطز» وتولى الأمر، ومن بعده تولى مماليك كثيرون على أساس القاعدة العجيبة التي كان قطز قد وضعها، واكتوى بنارها، وهي القاعدة التي أضرت بتاريخ مصر من بعده ضررًا لا آخر له. تقول قاعدة قطز : الحكم لمن غلب.
فلما انتزع العثمانيون حكم مصر من يد المماليك بالقوة العسكرية، ظلت مصر تابعةً لخلافتهم قرونًا أمر من قرون القَرَض (الجَرَد) وأسود من قرون الخروب (الخرنوب) حتى جاء جيش آخر ، فرنسي، قاومه الناس في مصر حتى رحل. ثم بحثوا عن رجل عسكري يقود البلاد، فلم يجدوا إلا محمد علي باشا الذي يصفه كثيرون بأنه «مؤسس مصر الحديثة وأصفه بمؤسس الدولة العلوية العثمانية بمصر.
وبطبيعة الحال، حكم الرجل العسكري حتى مات ثم أورث الحكم لأسرته، فكان ما كان مما يعرفه معظم الناس، حتى جاء الضباط الأحرار (جدا) لتخليص البلاد من الفساد وأذناب الاستعمار وتحرير القدس ومقاومة الإمبريالية.. إلخ، وتعهدوا بأن يتركوا الحكم بعد حين، ولكن، تعاقب العسكريون واحدا تلو الآخر ولم يتزحزح أحد منهم عن الكرسي إلا بالموت (عبد الناصر) أو الاغتيال (السادات) أو الثورة العارمة (مبارك).