التطرف الديني وسياسة التمكين
2026.03.23
مروان حبش
تشكل القرارات التي تُبنى على منطق القوة وفرض الأمر الواقع أحد أخطر المسارات التي يمكن أن تنزلق إليها المجتمعات والدول، لأنها تُقصي العقلانية التشاركية، وتُهمّش القانون، وتستبدل الحوار بالإكراه. وعندما يقترن هذا المنهج بما يُعرف في أدبيات التطرف بمفاهيم مثل "إدارة التوحش" و"فقه الدم"، فإن الخطر لا يقتصر على الحاضر فحسب، بل يمتد ليهدد البنية الأخلاقية والاجتماعية للأجيال القادمة.
في جوهره، يقوم منطق القوة على فرض الإرادة عبر التفوق المادي أو العسكري أو السلطوي، دون اعتبار للشرعية الأخلاقية أو القانونية. هذا المنهج يُنتج بيئة يغيب فيها التوازن بين السلطة والمسؤولية، وتُصبح فيها القرارات انعكاساً لمصالح ضيقة بدلاً من كونها تعبيراً عن الإرادة العامة. ومع مرور الوقت، يؤدي هذا إلى تآكل الثقة بين الحاكم والمحكوم، ويفتح الباب أمام دورات من العنف المتبادل وعدم الاستقرار.
أما مفهوم "إدارة التوحش" -وهي الفكرة الأساسية في كتاب إدارة التوحش- المنسوب لـ (أبو بكر ناجي)، فهو من أخطر المفاهيم التي ظهرت في سياق الفكر المتطرف، ويقوم على فكرة استغلال حالات الفوضى والانهيار المؤسسي لإعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية أيديولوجية متشددة. لا يرى هذا المفهوم الفوضى كخطر ينبغي احتواؤه، بل كفرصة ينبغي إدارتها وتوجيهها. ويتم ذلك عبر نشر الرعب، وتفكيك مؤسسات الدولة، وإضعاف الروابط الاجتماعية، ثم إعادة بناء "نظام" بديل قائم على السيطرة المطلقة والخضوع القسري. في هذا السياق، يتحول العنف إلى أداة سياسية ممنهجة، وليس مجرد وسيلة طارئة.
في المقابل، يُعد "فقه الدم" وأبرز منظريه المصري (أبو عبدالله المهاجر) تعبيراً عن تأويلات متشددة وخطيرة للنصوص الدينية، حيث يتم توسيع دائرة العنف لتشمل فئات واسعة من المجتمع تحت مبررات تكفيرية أو إقصائية. هذا الفقه لا يكتفي بتبرير العنف بل يُضفي عليه طابعاً دينياً زائفاً، مما يمنحه قوة تأثير أكبر على الأتباع. وبهذا يتحول القتل من جريمة إلى "واجب"، وتُختزل القيم الإنسانية في ثنائية حادة بين "نحن" و"هم".
الخطورة الحقيقية لهذين المفهومين لا تكمن فقط في ممارساتهما المباشرة، بل في قدرتهما على إعادة تشكيل وعي الأفراد والجماعات. فحين يتم تطبيع العنف، وتقديمه كخيار مشروع، تتآكل القيم الأساسية التي يقوم عليها أي مجتمع سليم، مثل التسامح، والتعددية، واحترام الاختلاف. ويُصبح التنوع، الذي يُفترض أن يكون مصدر قوة وغنى، هدفاً للإقصاء والتصفية.
أما "سياسة التمكين" كما وردت في أدبيات بعض الجماعات المتطرفة هي جزء من تصور أيديولوجي يهدف إلى الوصول إلى السلطة وفرض السيطرة عبر مراحل متدرجة، غالباً باستخدام العنف والفوضى.
بحسب هذه الأدبيات، "التمكين" يعني الوصول إلى حالة من السيطرة السياسية والعسكرية على مناطق معينة، تمهيداً لإقامة نظام حكم خاص بهم. ويتم ذلك عبر مراحل، أبرزها:
1-مرحلة إنهاك الدولة (الفوضى)، وذلك باستهداف مؤسسات الدولة لإضعافها. ونشر الفوضى الأمنية والاقتصادية. وخلق فراغ في السلطة.
2-مرحلة "إدارة التوحش" تقوم على إدارة المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة بطريقة عنيفة. واستخدام الترهيب والعنف الشديد لفرض السيطرة.
3- مرحلة التمكين كما يَرِد في أدبيات بعض الجماعات المتطرفة هي جزء من تصور أيديولوجي يهدف إلى الوصول إلى السلطة وفرض السيطرة عبر مراحل متدرجة، غالباً باستخدام العنف والفوضى. وبناء كيان سياسي-عسكري. بعد السيطرة على مناطق معينة، يتم فرض قوانينهم الخاصة. وتجنيد السكان.
إن تبني سياسات قائمة على هذا المنطق يؤدي حتماً إلى مصادرة الحريات العامة والفردية. فحرية التعبير تُقمع بحجة الحفاظ على "النظام"، وحرية الاعتقاد تُضيّق تحت ذريعة "النقاء الفكري"، وحقوق الإنسان تُنتهك باسم "الضرورة". ومع غياب المساءلة، تتحول السلطة إلى أداة قمعية، وتُختزل الدولة في جهاز أمني يهدف إلى السيطرة لا إلى الخدمة.
إضافة إلى ذلك، فإن هذه السياسات تُضعف النسيج الاجتماعي بشكل عميق. إذ تُغذّي مشاعر الخوف والكراهية، وتُعمّق الانقسامات بين مكونات المجتمع. وبدلاً من بناء هوية وطنية جامعة، يتم تفكيك المجتمع إلى جماعات متناحرة، لكل منها تصورها الخاص عن "الحق" و"الشر". وهذا ما يُمهّد لدوامات طويلة من الصراع يصعب الخروج منها.
إن مواجهة هذه الظواهر لا تكون فقط عبر الأدوات الأمنية، بل تتطلب مشروعاً فكرياً وثقافياً متكاملاً يعيد الاعتبار لقيم التعددية، وسيادة القانون، وكرامة الإنسان. كما تتطلب تعزيز التعليم النقدي الذي يُمكّن الأفراد من التمييز بين الخطاب العقلاني والخطاب المتطرف، ويُحصّنهم ضد محاولات الاستقطاب.
إن المجتمعات التي تسمح لمنطق القوة و"إدارة التوحش" و"فقه الدم" بأن يوجّه قراراتها، إنما تُقوّض أسسها بيدها. فالاستقرار الحقيقي لا يُبنى على الخوف، بل على العدالة؛ ولا على الإقصاء، بل على الشراكة؛ ولا على العنف، بل على الحوار. وأي انحراف عن هذه المبادئ هو بداية طريق محفوف بالمخاطر، قد يكون من السهل الدخول فيه، لكن من الصعب جداً الخروج منه.