كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أزمة الهوية وزحف اللاقيم.. حين تتآكل الروح ينهار الجسد

محمود اسماعيل

سعياً للإضاءة على ما يجري في الأعماق، لأن ما لا يرى لا يعالج.. وما لا يعالج يدمر في صمت ..

نظرة على مشهد المجتمع بعين شاملة من ابن خلدون الذي شخص دورة صعود الدولة وانهيارها، إلى روسو الذي حلم بعقد اجتماعي عادل، إلى علي الوردي الذي رصد التناقض في الروح العربية.. مروراً بأنجلس الذي كشف الجذؤر المادي لكل أزمة....
تخيل أن أن هناك شخصاً وقف في يوم من الأيام أمام مرآته... حدق طويلاً.. ولم يتعرف على من في المرآة... ليس بسبب المرآة.. فهي لا تحتوي أي عيب... وليس بسبب إرهاق أو عيون كليلة.... لكن الصورة الظاهر في المرآة لم تحمل ملامح واضحة.... فكيف سيكون شعور هذا الشخص...؟
هذا ما نعيشه اليوم في مجتمعنا.. وما يعيشه الفرد في داخل هذه المجتمعات هو أزمة هوية عميقة لا ترى بالعين المجردة... لكنها تلمس يومياً من خلال خلال تفاصيل بالحياة اليومية..
هذه الأزمة لم تأتِ بشكلٍ مفاجئ بل زحفت يوماً بعد يوم.. وبشكل بطيء.. كما تزحف رمال الصحراء، فابتلعت ما بناه الأجداد والأباء من قيم وانتماء... وما يزيد واقعنا مأساوية أن الكثيرين مننا لم يشعروا بهذا الزحف إلّا حين غطت الأوحال قاماتنا..
أولاً: لعنة الثراء المقنعة:
في اقتصاد الإنتاج يتعلم الإنسان أن القيمة تصنع بالعرق والإبداع، وأن الكرامة مرتبطة بما تعطي لا بما تأخذ... أما في الاقتصاد الريعي فالمال يأتي من الأرض لا من الجهد، ومن الانتماء القبلي والجغرافي لا من الكفاءة.. وهنا تنشأ الظاهرة التي عبر عنها علي الوردي في كتابه (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي) بقوله:
((إن المجتمع القبلي يكافئ الولاء ويعاقب الكفاءة))
وهو ما يتجلى بوضوح عندما يرى المواطن أن السبيل إلى الثروة يمر عبر المحسوبية لا عبر العمل.
هذا التناقض الاقتصادي وبدل أن يتحول إلى محرك لنمو لتطور المجتمع، ساهم في إنتاج فكر شخصي مشوه يعاني من حالتين متناقضتين، أو يمكن القول شخصية تعاني الفصام فهو يتحدث عن قيم العمل والإنجاز في الخطاب العلني، ويمارس في الخفاء منطق الانتفاع، وحين يستمر هذا التناقض جيلاً بعد جيل يتبدل الضمير الجمعي وتبدأ المجتمعات في فقدان قدرتها على التمييز بين المشروع وغير المشروع...
ويتفاقم خطر الاقتصاد الريعي حيث أنه يفسد الدولة كما يفسد الفرد، فالدولة التي توزع الثروة دون أن تطلب الإنتاج تتحول من دولة مؤسسات إلى دولة مكارم ومن دولة حقوق إلى جهة منح، وهنا تبدأ أزمة الهوية في الدولة ذاتها... وتلتقي هذه الفكرة مع طرح أنجلس في كتابه أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة في أن الدولة ظهرت في لحظة تاريخية محددة حين نشأت الملكية الخاصة وتمركزت الثروة في يد فئة بعينها، فاحتاجت هذه الفئة إلى جهاز يحمي مصالحها ويضفي على سيطرتها الشرعية القانونية، وتصبح تعبير عن تناقض طبقس لم يجد حلاً آخر سواها بدلاً أن تكون تعبيراً عن الإرادة الجمعية التي حلم بها جان جاك روسو.
فحين تسود الملكية الريعية تتكرر آلية أنجلس ذاتها، فئة تملك الثروة لأنها تملك الانتماء الصحيح وليس لأنها منتجة، وجهاز دولة يعزز هذا الواقع بدلاً أن يتجاوزه، لينتهي المجتمع في فجوة اقتصادية كبيرة بين طرفين، مما يعزز ليس فقط الفقر الاقتصادي.. بل الفقر الهوياتي، حيث يشعر أحد الطرفين أن الدولة ليست له بل هي لأصحابها.
ثانياً: معرفة بلا جذور... (ذكاء سطحي)
كان الحرفي يمضي سنوات ليتعلم صنعته، والعالم يمضي عقوداً ليرسخ علمه، كان التعلم رحلة في فهم الذات وسبر أعماقها قبل أن تكون رحلة في صفحات الكتب.. يومها كان الإتقان فضيلة.. وكما قال أفلاطون ((أتقن عملك تحقق أملك ..))
أما اليوم فأصبحت سمة العصر هي السرعة.. وذلك على حساب العمق، وأصبح تقدير الشكل على حساب الجوهر.. وظهرت القدرة الفائقة على استهلاك المعلومات دون هضمها، والقدرة على التحدث عن كل شيء.. دون معرفة أي شيء.. والقدرة على نشر الرأي قبل التفكير فيه... ظهر الذكاء السطحي.. أو كما سماه الفيلسوف الكندي آلان دونو (نظام التفاهة).
هذه الظاهرة لم تنتج جهلاً عادياً، بل أنتنجت الجهل المتحصن بوهم المعرفة، وفي هذا يقول ابن خلدون في مقدمته ((من علوم الإنسان أن العلم الحقيقي لا يحصل إلا بالملكة التي تتحصل بتكرار الأفعال وطول المزاولة)).
إن الإتقان ليس تحصيل معلومات، بل بناء ملكة راسخة، وعصر اليوم هو نقيض ذلك.
ثالثاً: العودة إلى ما قبل الدولة... العصبية القبلية وتآكل هيبة الدولة إن العصبية هي المحرك الخفي للتاريخ البشري، حيث يصفها ابن خلدون أنها قوة تضامن اجتماعي تنشئ الدول حين تكون في خدمتها (وهو ما يتفق مع قوانين التطور المجتمعي الماركسية)، وتدمرها حين تتمرد عليها.
إن المجتمع اليوم يعيش حالة ما قبل الدولة داخل الدولة ذاتها، فالدولة موجودة كهيكل مؤسسي وبقايا نصوص قانونية ودستورية، لكن الولاء الحقيقي لا يزال للعشيرة والطائفة القبيلة، وحين يقع التعارض بين ولاء الدولة وولاء العصبية يختار كثيرون العصبية دون تردد.
يقول على الوردي في وعاظ السلاطين ((إن الإنسان العربي يحمل في نفسه قيمتين متناقضتين في آن واحد، قيم البداوة وقيم المدنية، دون أن يحسم الصراع بينهما، فبظل معلقاً بين عالمين.. لا هو بدوي حقيقي.. ولا هو مدني حقيقي..))
هذا الانقسام يضعف هيبة الدولة لآنها تصبح شكلاً بلا جوهر، تخترق القوانين فيها باسم العصبية، وتستغل مؤسساتها لخدمة الجماعة لا الوطن، وحين تتراكم هذه التجاوزات ينتقل المجتمع فعلياً إلى مرحلة ما قبل الدولة حتى وإن احتفظ بمظهرها مرحلة تسود فيها قوانين القوة والولاء الضيق بدلاً من قوانين الحق والمواطنة.
يبين أنجلس أن (العصبية القبلية كما وصفها ابن خلدون) لم تختفِ حين نشأت الدولة... بل تسربت إليها وشكلت بنيتها من الداخل، أي أن القبيلة لم تمت بل ارتدت ثياب المؤسسة، وهو ما يفسر ظاهرة (ما قبل الدولة داخل الدولة)..
ويقول أنجلس أيضاً أن العائلة هي الوحدة الاقتصادية والسياسية الأولى، حيث تتحول العائلة من رابط عاطفي إلى أداة للتوريث ولتمركز الثروة، وتتحول من حاضنة هوياتية إلى حاجز أما تشكيل هوية أوسع... ويصبح الفرد معروفاً بعائلته لا بمواطنته، وبنسبه لا بكفاءته، وهو ما يعزز الاغتراب الهوياتي. رابعاً: سجن الهوية.. الانتماء العرقي..
حين يشعر الإنسان بأن هويته مهددة يتشبث بأضيق تعريفاتها، وينسحب من الهوية الوطنية إلى الهوية الجغرافية، ومن الجغرافية إلى القبلية، ومن القبلية إلى العائلية، ويصبح الأمان في ضيق لا في اتساع،... وهي المفارقة المؤلمة..
إن الاغتراب الهوياتي ليس أن يفقط الإنسان انتماءه فحسب، بل أن يتحول انتماؤه إلى حاجز بينه وبين الآخرين... وبينه وبين الدولة، وتتحول الهوية من جسر للتواصل إلى سور للعزل.
في كتابه العقد الاجتماعي حلم جان جاك روسو بتجاوز الانتماءات الضيقة، وبناء مجتمع قائم على إرادة عامة تتجاوز المصالح الفردية والقبلية، فيقول ((إن الإنسان يولد حراً، وفي كل مكان هو مكبل بالسلاسل)) وهو يقصد سلاسل الانتماءات المنقولة جينياً والتي تمنع الإنسان من بلوغ إنسانيته الكاملة.
حين يتحول الانتماء العرقي إلى هوية مطلقة تسبق المواطنة وتلغيها .. يصبح الفرد غريباً في وطنه لا ينتمي للدولة لأن ولاءه لعشيرته، ولا ينتمي للعالم لأن هويته العرقية تحول دون ذلك. خامساً: الاغتراب الهوياتي ومفاعيله..
يتجاوز الاغتراب الهوياتي دوائر الفكر والثقافة وينزل إلى أرض الحياة اليومية، لينتج آثاراً ملموسة وموجعة وهي:
1- فقدان الأمن الثقافي:
إن الأمن الثقافي ليس ترفاً فكرياً، بل هو شعور الإنسان بأن له مكاناً في العالم، بأن قيمته ولغته وذاكرته الجمعية تستحق البناء، حين يتآكل هذا الشعور يدخل الناس في حالة دفاعية مزمنة، فيرون في كل جهد تهديد.. وفي كل اختلاف خطر .ينغلقون لأن الانفتاح مرعب.
2- تراجع الانتماء للأرض:
هناك فرق من يسكن الأرض ومن ينتمي إليها، فالانتماء للأرض هو شعور روحي قبل أن يكون قانوني، هو الإحساس بأن الأرض ذامرة .. وليست مجرد عنوان.. حين تتآكل الهوية.. يتحول الوطن إلى فندق.. والمواطن إلى مستأجر.. وحين تنتشر هذه الروح تتراجع روح البناء والتضحية ويسود منطق الاستخراج والرحيل...
سادساً: الأرض تهتز... انهيار المنظومة القيمية:
المنظومة القيمية ليست قائمة من المبادئ تكتب في الكتب والأوراق، إن القيم هي النسيج غير المرئي الذي يربط أفراد المجتمع ببعضهم، الاتفاق الضمني بينهم الناشئ عن الثقافة والعادات والموروث الأخلاقي والذي يميز بين ما هو مقبول، وبين ما هو مرفوض، بين ما يستحق التقدير، وما يستوجب الإدانة.
حين تتآكل المنظومة القيمية لا يحدث انهيار مفاجئ، بل يحدث تآكل بطيء يبدأ بالاستثناءات.. (هذا مقبول ضمن ظروفه الاستثثنائية)، ثم تصبح الاستثناءات هي القاعدة، وتتلاشلى القاعدة الأم، ويحل المدان مكان المقبول.
في مقدمته، يصف ابن خلدون هذه الدورة فيقول ((إن الترف والرفاه ينهكان العصبية ويميتان روح الدولة))، والترف بالمفهوم الخلدوني هو الاستهانة بالقيم الصعبة كالصبر والعدل والمسؤولية، والاستسخهال في كل شيء وهذا ناتج من الترف المادي.
إن المجتمع الذي تنها منظومته القيمية لا يحتاج إلى عدو خارجي ليسقط، فانهيار المنظومة يعطل إنتاج الثقة بين الأفراد، وبلا هذه الثقة لا تقوم مؤسسة ولا تصمد دولة.
إن المجتمعات التي واجهت أزماتها الهوياتية بصراحة وعمق مثل رواندا وألمانيا وجنوب أفريقيا وإسبانيا واليابان وغيرها، كانت دائماً أقدر على تجاوزها من تلك الدول التي أنكرت هذه الأزمات أو قامت على تبسيط وصفها.
إن العودة إلى ما قبل الدولة ليست قدراً محتوم، لكن بالوقوف في وجه هذا الزحف يتطلب شجاعة نادرة، شجاعة إعادة بناء القيم بالممارسة وليس بالخطاب، وشجاعة الحوار الداخلي الصادق بدل التبرئة السهلة، وشجاعة الاعتراف بأن الهوية الحقيقة لا تورث جاهزة، بل تبنى يوماً بيوم في كل قرار وفي كل موقف وفي كل اختبار.
وكما قال روسو ((الإنسان يولد حراً، لكن الحرية الحقيقية – حرية الهوية الراسخة التي تعرف نفسها – تكتسب بالجهد ولا تمنح بالميلاد.
وكما قال أنجلس ((الدولة الحقيقة لا تنشأ إلا حين تتحرر من منطق الملكية الضيق، وتتجاوز التوارث القبلي للسلطة))، وهو ما يلامس جوهر أزمة مجتمعنا الذي يملك شكل الدولة دون أن تبني روحها، لأن بناء روح الدولة يتطلب التخلص من الطبقة المقنعة بالانتماء، ومن الريع المقنع بالحق، ومن العصبية المقنعة بالوطنية. 
الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية