قتلة تروتسكي في صفوف الثورة السورية
2026.04.12
خالد قنوت
11 نيسان 2014
الحادثة المعروفة لمقتل أحد أهم مفكري و استراتيجيي الثورة الروسية البلشفية تروتسكي تثير حتى اليوم الكثير من التساؤلات والتحليلات، فإذا كان لينين هو الروح الدافعة لأكبر ثورة بشرية في التاريخ المعاصر، فإن تروتسكي كان عقلها المدبر ومخططها الاستراتيجي وخصم ستالين والستالينية، اللدود.
في سرد سريع للحادثة، فقد أعتبر ستالين الزعيم الجديد للاتحاد السوفيتي بعد وفاة لينين، تروتسكي أحد ألد أعداء الثورة البلشفية بعد أن كان تروتسكي أحد أهم قادتها و وزير خارجية الاتحاد السوفيتي ثم قائد الجيش الأحمر الذي قضى على المناشفة وجيشه الأبيض المدعوم من بريطانيا والذي ظل يطوف بالقطار على جبهات القتال لمدة ثلاث سنوات داعماً جنوده ومحرضاً لهم للقتال والصمود.
بعد رحلة النفي و الملاحقات ومحاولات الاغتيال، حل به المقام في بيت محصن في المكسيك بعد أن شكل ستالين محاكم التطهير وحكم على تروتسكي بالاعدام لاتهامه ستالين بدس السم للينين ونقد استبداده وتسلطه وانحرافاته.
اغتيل تروتسكي على يد صديقه الاسباني رامون مركاندر سنة 1940، الذي انتقل إلى نيويورك سنة 1939 وكان يحمل جواز سفر كندي، تعرف على إحدى الناشطات القريبات من تروتسكي واستطاع أن يكسب ثقة واستحسان تروتسكي له لكونه مخلصاً لعقيدته وأفكاره. في 20 آب 1940 وصل رامون إلى بيت تروتسكي لمناقشة مقالة له، ولكن وبغفلة من تروتسكي أخرج بلطة وضربه على رأسه اخترقت جمجمته بسبع سنتيمترات، أمسك به تروتسكي وصرخ مما أدى لاعتقال راموند ووفاة تروتسكي لاحقاً. برر مركاندر جريمته بأنها أرتكبت بمثابة انتقام من تروتسكي لانحرافه عن عقيدته الأولية المتمثلة بستالين.
اعتبر الشيوعي الاسباني رامون بطل الاتحاد السوفيتي وقلده ستالين وسام لينين وميدالية النجمة الحمراء.
هذه الحادثة لم تتوقف عند الاغتيال السياسي الذي يعتبر بكل المقاييس الانسانية جريمة نكراء، بل كان محور نقاشها هو شخصية رامون مركاندر وتحليل هذه العقلية الاقصائية التصفوية لكل من يختلف فكرياً حتى وإن كانا بنفس الحزب أو التنظيم السياسي.
في إسقاط على واقعنا الحالي في سورية وبعد ثلاثة سنوات تمر بها سورية نتيجة قيام أعظم فعل ثوري قام به السوريين بتاريخهم, عام 2011 في طلب الحرية والكرامة وإسقاط نظام الاستبداد الأسدي واجهزته الأمنية، لا يمكن لأي متابع سياسي لما وصلنا إليه بين صفوف الثوار ومن يدعمون الثورة إلا ويتأسف على مآلات وصلنا إليها من تشرزم وتباينات واختلافات فكرية وعقائدية ومنهجية، حتى صار خطاب التخوين والتشكيك سلاح الجميع وبأضعف الايمان لغة التسخيف والتحقير.
عند كل زاوية يمكن أن نرى رامون السوري على استعداد دائم وتأهب ليس لاقصاء الآخر المختلف وإنما تصفيته لو استطاع سياسياً، وقد يصل بالبعض جسدياً كما يحدث على أرض الواقع بين من يفترض أنهم في خندق واحد في معركة اسقاط النظام، مقدمين خدماتهم المجانية للنظام في حربه على الشعب السوري وملاقين له في منتصف الطريق في تقصد القضاء على الثوار والناشطين.
رامون السوري قد يكون اسلامياً يكفر كل من لا يطالب بدولة اسلامية وعليه يقام الحد ومن كان قد حمل السلاح ومن دخل سورية بحجة حمايته للشعب أعتبر بعد أن تمكن من الأرض، أن كلمة شعب مخالفة لشريعته وكفراً موصوفاً، فكيف بمن يتحدث بالديمقراطية والحرية والعلمانية وغيرها.
رامون السوري قد يكون يسارياً يدعي حرية التفكير والديمقراطية، ولكنه لن يتوانى عن اخراج بلطته وضرب أي فكر لا يوافق عقيدته رافضاً أي تعاون أو تنسيق مع الآخرين في معركة مصيرية مازال سيد القتل والموت يتربع على عرشه.
رامون سورياً كان مسلماً، سنياً، شيعياً، علوياً، درزياً أم مسيحياً أم كردياً أم ارمنياً، يحمل سلاحه الأكثر حدة ودمويةً على الآخر السوري أكثر مما لأعدائه الحقيقيين.
رامون السوري قد يكون في نفس التكوين السياسي ولكنه لا يتقبل حراً ينتقد من أجل الأفضل منعاً لقيام مشاريع الستالينية المتأصلة في ضمير اليساريين السوريين، فعبادة الفرد لم تستأصلها منه ثورة عظيمة قامت على إسقاط أي استبداد.
السؤال المطروح الآن، هل وصل السوريين في هذه اللحظة لحالة من النضوج تهيؤهم للانخراط بتجارب قيام احزاب سياسية، بعد عقود المصادرة السياسية وبعد ثلاث سنوات ثورة لم تتبلور وطنياً بشكل بشكل استمراراً لأهدافها الأولى؟
هل من أولى مهام أي تجارب حزبية على اختلاف فكرها وعقيدتها أن تبني هياكلها التنظيمية بشكل يمنع ظهور الستالينية أو الحجاجية من جديد؟ أم عليها التركيز على بناء شباب سوري غير متعصب لفكر أو عقيدة وإنما للوطن ولحرية الانسان الفرد و حق الاختلاف؟ أم على أي حزب أن يمنع أصحاب نطريات التصفية ومحاكم التطهير من التغلغل و الانتشار بين صفوفها؟
أسئلة اساسية لكل السوريين الذين يحلمون ويطمحون لقيام أحزاب سياسية وعليهم توجيهها لأنفسهم والاجابة عليها قبل البدء بمشوار المليون ميل مع حقهم الكامل بالمحاولة ولكن شرط أن لا يعيدوا تجريب المجرب أم أن السياسة كالحب لا يقتنع أصحابها إلا بتجاربهم الشخصية؟
أعتقد، أن سورية والسوريين في اشد الحاجة لقيام تجارب تعيدها لممارسة السياسة استكمالاً لمسيرة خمسينات القرن الماضي التي اغتصبها حزب البعث ولكني أشدد على أن لا تقوم هذه التجارب على اساس قيام الأسد أو ستالين من جديد وأن تسقط من صفوفها أي رامون آخر يبرر استعمل البلطات على الرؤوس بدل حوار العقول.