كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ابن جزيرة أرواد والعالم.. ابن حزبه والإنسانية!.. شهادة في عبد الله هوشة

موفق نيربية

شهادة حول فقيدنا الرفيق عبدالله هوشة:
( نشرت في كتاب مركز حرمون التكريمي)
ابن جزيرة أرواد والعالم… ابن حزبه والإنسانية!
“ يا صاحبي٬ الحالة عاطلة.. يبدو أنك ستكمل من دوني!”
كان هذا ما قاله لي عبدالله هوشة في آخر اتصال. وقد صدق٬ وتدهور وضعه سريعاً بعدها.. ورحل عنا!
تعرفت إليه في النصف الثاني من السبعينات٬ ولكني لم أقترب كثيراً منه٬ إلا يوم قال لي رياض الترك:” هذا رفيقنا عبدالله٬ ينبغي أن تتعرف إليه وإلى عنوانه في اللاذقية٬ حتى تستطيع الوصول إليه إذا نفّذ النظام حملته قريباً”.. لم تغب عني عيناه الزرقاوان ولا ابتسامته بعد ذلك٬رغم أنني سبقت الجميع إلى السجن آنذاك٬ وبقي عنوانه محفوراً في ذهني جيداً٬ ووصلت إليه بعد سنوات عديدة من دون دليل.
في منتصف الثمانينات خرجت من السجن٬ وعرفت أنه مع مازن عدي يقومان بقسم مهم من مسؤولية الحزب في الداخل٬ ويحفظانه من التشتت والانفراط. وابتدأت بعد ذلك بفترة بمساعدتهما” على الخفيف”٬ وبمشاركة صبحي حديدي بعد أن أصبح ملاحقاً هو الآخر٬ قبل أن يغادر إلى فرنسا في عام ١٩٨٧. ذلك العمل المشترك كان في إطار هيئة لتحرير صحيفة الحزب السرية آنذاك٬ مع بعض التشاور والتعاون في أوضاع الحزب التنظيمية عموماً… في مجال الكتابة والنقد والتدقيق كان معلماً٬ وطويل البال في مناقشاتنا لما نكتبه أنا وصبحي خصوصاً٬ حين كنا ندافع عن نصوصنا بشراسة.
كان ملاحقاً من قبل أجهزة الأسد منذ فترة طويلة٬ لذلك كانت مواعيدنا معقدة وصعبة دائماً خصوصاً في السنوات الأولى من المرحلة المعنية٬ وهو المشرّد في أماكن متعددة من دمشق وضواحيها٬ والأنيق الدقيق في إجراءات التخفي وتضييع الأمن عنه وعن عائلته الصغيرة.
من نشاطاتنا المشتركة آنذاك٬ ما قمنا به في مواجهة اختلاف المواقف بيننا في الحزب وفي صفوف المعارضة الديموقراطية عموماً٬من غزو صدام للكويت ثم حرب الولايات المتحدة على العراق مطلع التسعينات٬ حيث وضعنا ورقة عمل تطرح الأسئلة بعمق وشفافية٬ وتلقينا عشرات الردود والآراء المكتوبة٬ ومنها ما هو من داخل السجن٬تم نشر ثلاثة منها على رأي٬ وثلاثة أخرى على الرأي الآخر. ونشرت كلها في كتاب مع استنتاجات اللجنة المركزية المعتدلة٬ والمعمقة.
سأوجز شهادتي حول رفيقي وصاحبي في أربع محطات وحسب:
- في الثمانينات والتسعينات كان هنالك توافق نادر في الفكر والسياسة والعقلية عموماً ما بين عبدالله هوشة والدكتور جمال الأتاسي٬ ولعب عبدالله دوراً ممتازاً لفترة طويلة في التنسيق ما بيني وبين الدكتور جمال عندما تناوبنا لفترة من الزمن في أواسط التسعينات على كتابة افتتاحية جريدة التجمع الوطني الديموقراطي" الموقف الديموقراطي”٬ الأمر الذي أوجد تناغماً في التقاط جوهر الخط السياسي وآليات تطويره.
لقد لعب التجمع الوطني دوراً مهماً في الحفاظ على وجود المعارضة السورية لنظام ارتكب مجازر من نوع مجزرة حماة ١٩٨٢٬ واعتقل وصفى كوادر الإسلاميين والقوى الديموقراطية عموماً. وكان يلعب في المنطقة الحمراء ويحاول الحفاظ على خط سياسي يدفع باتجاه التغيير الجذري. ولكن قيادة حزب الشعب( والرفيق عبدالله هوشة خصوصاً) التي استمرت تحت الملاحقة لعقدين من الزمن٬ تعرضت للاتهام بما سمّي” تخفيض السقف السياسي للحزب” بعد ربيع عام ١٩٩٨ وخروج رياض الترك- الزعيم التاريخي ورمز المعارضة الصامد- من سجنه٬ وكذلك بالتآمر مع جمال الأتاسي على ذلك٬ والحقيقة أن أي تمعن في ذلك التوافق كان يدل على أن جوهره هو أن الرجل نفسه قد كان من أكثر المعارضين السوريين تناغماً مع الخط السياسي المتمسك بهدف التغيير الجذري للنظام.
كان عبدالله آنذاك منهكاً بعنف من طريقة حياته وهو الرجل الرقيق الشاعر٬ وينتظر الإفراج عن رفاقه حتى يستريح ويأخذ بعض المسافة وفسحة لأنفاسه التي أنهكها التدخين٬ ولكن ما حدث كان ابتداء رحلة عذاب شخصي من نوع” أشد مضاضةً” من تلك التي سببها عنف النظام. لم يفسح له المجال للراحة التي يطلبها٬ ساعده على الاستمرار روح الالتزام الرفيعة لديه٬ ورغبته بألا يستسلم لذلك الهجوم الداخلي.
- تقرر في عام ٢٠٠٣ التحضير لعقد المؤتمر السادس للحزب٬ وتم تشكيل لجنة ثلاثية لتحرير الوثائق كنت واحداً منها مع رياض وعبدالله.. واستمر عمل تلك اللجنة لما يقارب العامين٬( حيث تركز عمل اللجنة في منزلي) كان عبدالله يتنقل بخفة ما بين اللاذقية وحمص ودمشق٬ في حين اضطررت أنا للتوقف عن الكتابة في الصحافة في الفترة المذكورة التي كادت أن تكون ملحمية من عمري وعمر عبدالله.
ناقشنا مطولاً ماذا سنعمل٬ واتفقنا أخيراً على أننا بصدد تحويل الحزب من حزب شيوعي إلى آخر اجتماعي ديموقراطي٬ وأننا سنبدأ بوضع” موضوعات” تحفز النقاش والبحث ما بين الرفاق والأصدقاء والحلفاء٬ ولا ترسم نهجاً “ مذهبياً” جديداً بمقدار ما تجعل الناس تتلمس ما كان رياض الترك يدعوه في السبعينات: النغم”٬ ويعني به روح الخط السياسي. كما اتفقنا على أن ندفع بمشروع الموضوعات للمناقشة العلنية حتى نجعل المشروع أكثر حياةً وحيوية٬ وحتى يكون ذلك أداة استرداد عضوية الحزب أو اكتسابها من النخبة الثقافية- السياسية التي كانت تتلهف لذلك٬- وأكون أنا عندئذ من ضمن تلك الموجة٬ بعد أن كانت هنالك مسافة غائمة ما بيني وبين الحزب من الناحية التنظيمية بعد عام ١٩٩٨من دون استغناء عن” خدماتي”- ومن ثم فتح أبواب الحزب لأولئك قبل انعقاد المؤتمر وتوسيع فضائه وفاعليته والانتهاء من تقوقعه وانغلاقه الذي كان ما يزال ضاغطاً. وبالفعل نُشر أكثر من مائة مساهمة كان الكثير منها عميقاً و” عضوياً” بأشكال مختلفة. هنا أذكر أن أهم مساهمة مباشرة لعبدالله كانت في كتابة المسودة الأولى للموضوعة المتعلقة بالفكر٬ بما تحمله من أهمية لحزب قديم بماركسيته ولينينيته ويريد التحول إلى حزب اجتماعي ديموقراطي. وهذا لا ينتقص من مساهمته ومناقشته بعمق وروح خلاقة لكل الوثائق وليس للموضوعات وحدها. وأهم ما ورد في تلك الموضوعة كان تحويل الماركسية من” مرجعية” إلى إحدى المرجعيات مع فكر التنوير والحداثة وثقافتنا الوطنية الخاصة.
أذكر جيداً هنا أيضاً اهتمامه بمناقشة مشروع النظام الداخلي٬ الذي استفدنا فيه من أنظمة أحزاب أوروبية اجتماعية ديموقراطية٬ لتحويل بنية الحزب القابلة للاستبداد في قيادته إلى أخرى مختلفة تماماً. ذلك النظام الداخلي الذي جرى وضعه جانباً فيما بعد وتنفيذ مادة واحدة منها تشبه مادة فرض حالة الطوارئ في”الدستور” السوري٬ وقد انطلقت منها إجراءات ستالينية وتصفوية جامحة بعد ذلك.
جرى الطلب منا- عبدالله وأنا- قبل نهاية عملنا( وأترك الفاعل” مجهولاً” ) أن ندع مسألة” فتح” الحزب قبل المؤتمر لصعوبة تنفيذ ذلك” بسبب بقايا عقلية تقليدية لدى بعض الرفاق”.. أن ندعها لمؤتمر استثنائي لاحق لذلك العادي. وحين تساءلنا عن المدة ما بين المؤتمرين وهل هي ستة أشهر مثلاً٬ جاءنا رد مبتسم يقول” ربما تصل إلى سنة”.. ولم تنته تلك السنة بعد٬ منذ أول أيار ٢٠٠٣.
- وشيء آخر متعلق بالمؤتمر السادس لا بدّ من ذكره. فقد تملكت الأمين الأول فكرة التخلي رسمياً عن قيادة الحزب وأمانته الأولى٬ ولم يكن هنالك من مرشح مقنع وبدهي بدلاً منه إلا عبدالله هوشة.. وطلب مني إقناع عبدالله بذلك٬ ومارست ضغوطاً كبيرة- فليسامحني الله وعبدالله في أبديته- عليه حتى قَبِل٬ بشروط” تعاقدية” من أهمها بقاؤنا- نحن الاثنين الآخرين- إلى جانبه لدعمه بشكل إيجابي٬ والتوقف عن التهجم المستمر عليه بشكل لا يؤدي إلا إلى الشلل٬ حتى لدى الناس العاديين٬ فكيف بمن هو مرهف الحسّ من نوع عبدالله هوشة ونمطه؟!.
ولم ينفذ ذلك الاتفاق أيضاً نهائياً٬ بل ابتدأ التهجم عليه مباشرة٬ قبل الخروج من البيت الذي انعقد فيه المؤتمر في حمص عند أحد أصدقائنا المقربين.. لتبدأ رحلة معاناة جديدة٬ تشتدّ بشكل دوري٬ فيحاول الاستقالة٬ فنمنعه عنها بما لدينا من دالّة عليه٬ حتى استحال عليه الاستمرار في ظل نهج ذي جبروت في سياساته وعقليته التنظيمية٬ فاستقال ولزم اللاذقية٬ من دون أن يتخلّى بالطبع لا عن عضويته بالحزب ولا عن دوره السياسي الذي تفرغ لأدائه بشكل مركّز بعد ذلك— مع مقدار أقل من الصداع نسبياً-. وحين طلبنا- رياض سيف وأنا- انضمامه٬ ما دام لديه الوقت لذلك٬( مع شخص آخر من الحزب)٬ إلى المشتغلين في إعلان دمشق الذي ابتدأ في أوائل ٢٠٠٧ بالتحضير لانعقاد مجلسه الوطني- وكنت رئيساً للجنة المكلفة بذلك والتي تضم عدداً من الأشخاص إضافةً إلى أعضاء ما كان يُسمّى مكتب أمانته-٬تم رفض ذلك بعنف٬ مع اتهامات لن أكررها هنا. حدث هذا بعد أن شاورناه حول اقتراح جانبي- مني ومن رياض سيف- بأن نرشحه رئيساً لذلك المجلس الوطني٬ ورفض وهو في المشفى آنذاك كما أذكر٬ في هجمة السرطان الأولى على رئتيه اتي انتصر عليها الطب وإرادته٬ في حين لم يستطع ذلك في الهجمة الأخيرة على الرئة الأخرى.
- انتعشت آمال وحيوية عبدالله إلى عنان السماء مع اندلاع ثورة السوريين٬ وأذكر جيداً فتحه لخط الهاتف معي من مظاهرة الصليبة وحوار المتظاهرين مع ممثل السلطة آنذاك محافظ اللاذقية رياض حجاب٬ كما أذكر هاتفه الليلي من شقته التي يتابع منها ميدانياً٬ فوق ساحة العلبي يوم مجزرة معتصميها.
لم ينقطع انخراطه بالعمل السياسي بشكل عضوي٬ يساهم بطريقته في حراك شعبه٬ كما لم يغب عن حزبه أيضاً. وقد طلب- هو بالذات- مني مباشرةً حين أزف الوقت٬ المشاركة في دعم" الهيئة المؤقتة” عند تشكيلها٬ وقال لي بعد أن أشرت إلى انتمائي- آنذاك- إلى تيار مواطنة وتعارض الأمرين تنظيمياً٬ إننا نستطيع أن نكون معاً”مستشارين” للهيئة ونمارس كل ما نستطيعه من خلال ذلك. وفعل٬ وفعلت.
كانت حماسته شديدة في اتصاله في الصيف الأخير٬ يوم اجتماع كادر الحزب الموسع الذي تمركز في ألمانيا وجمع رفاقاً من سوريا ومن أنحاء العالم. ويومها تقدم يملاحظات جذرية تؤكد على أهمية القطع مع النهجين التنظيمي والسياسي الذي أوصل الحزب إلى حيث وصل٬ من حيث حصته من الحال التي وصلت إليها المعارضة السورية والثورة أيضاً. إلا أنه لم يستطع المساهمة الفعالة أبداً في عمل لجنة السياسات والعلاقات العامة التي كان عضواً فيها٬ لوفاة دعد٬ رفيقة دربه الحبيبة٬ ثم تسارع مرضه….
وهناك الكثير مما يمكن أن يقال٬ وينبغي أن يٌقال.. قريباً.
كانت لأرواد- مسقط رأسه وموقع نشأته- مكانة في قلبه لاتزاحمها عليها الأمكنة الأخرى٬ وقد شارك بتأسيس زاوية في قلوبنا لتلك الجزيرة السورية الرائعة أيضاً٬ نحتفظ فيها به حياً٬
يعالج معنا أوضاعنا وما نقوم به!
١٣/١/٢٠١٩