كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حجر الأساس

لؤي سلمان

لم يكن تدشين مشروع مدينة الفيحاء الرياضية في دمشق عام 1972 حدثاً معزولاً، بل جاء ضمن سياق أوسع من إعادة بناء الدولة في عهد حافظ الأسد. فقد امتزجت المشاريع الخدمية برؤية سياسية هدفت إلى تعزيز الشرعية وترسيخ الاستقرار، في مشهدٍ عكس طموحات مرحلةٍ كاملة. وشكّل الاستثمار في البنية التحتية الرياضية آنذاك جزءاً من مشروع أوسع لبناء الدولة الحديثة، ضمن سياسات التحديث التي انتهجتها السلطة، حيث غدت المشاريع الكبرى إحدى أدوات التعبير عن توجهاتها التنموية والسياسية.
وفي هذا الإطار، وُضعت أحجار الأساس تباعاً، وخلال فترات متقاربة، لعدد من المدن الرياضية في دمشق، مثل مدينة الفيحاء، ومدينة الجلاء، ومدينة تشرين، إلى جانب منشآت الاتحاد الرياضي العسكري. ويبدو أن توزيع هذه التسميات لم يكن اعتباطياً، بل حمل دلالات رمزية واضحة؛ إذ حظيت العاصمة بالمنشأة الأكبر والأهم (الفيحاء) ، فيما خُلّدت ذكرى الجلاء في اسم إحدى المدن، لتأتي تسمية “تشرين” منسجمة مع الحدث السياسي الذي أوصل الأسد إلى السلطة.
كنت حينها في الصف السادس في مدرسة العرفان، الواقعة خلف مشفى الطلياني. كانت المدرسة من أفضل المدارس التي عرفتها دمشق حينها، إدارةً وكادراً تعليمياً، ولا تزال عالقة في ذاكرتي نظافة ممراتها ولمعان بلاطها طوال سنواتي الابتدائية.
ضمّ الكادر التدريسي نخبة من المدرسات القديرات، تتقدمهن المديرة الراحلة نجاة البلعة، المعروفة في أوساط مديرية تربية دمشق. أما المدرّس الوحيد من الذكور فكان أستاذ الرياضة محمد الطرابلسي، رجلٌ حازم ذو حضورٍ صارم، وكان يومها على أبواب التقاعد.
في أحد الأيام، جمعنا الأستاذ الطرابلسي وطلب منا الحضور في موعد محدد بلباس الكشافة الكامل: الوشاح، والقبعة، والبنطال القصير، والقميص، والجوارب، مع حذاء جلدي داكن. كانت الكشافة آنذاك لا تزال جزءاً من النشاط المدرسي، قبل أن تُستبدل لاحقاً بمنظمة الطلائع.
عدتُ إلى المنزل حاملاً اللائحة، فقام الأهل بتجهيزها، وأُرسلت مع السائق إلى متجر صفوح الكزبري الواقع في ساحة المزرعة، المشهور والمختص بلوازم الكشافة. وفي اليوم المحدد، حضر طلاب الصف السادس باللباس المطلوب، وجرى تنظيمنا ضمن فرق، بعد تدريبات سابقة على المشي الجماعي والتحية الكشفية.
ركبنا الحافلات، التي نقلتنا إلى منطقة تقاطع شارع جامع الإيمان مع كورنيش المزرعة، حيث كان المشهد مفتوحاً على مساحات لم تكن قد عُمرت بعد كما هي اليوم. هناك، اصطففنا لساعات طويلة بانتظار وصول الرئيس ومرافقيه لوضع حجر الأساس.
وحين حانت اللحظة، دوّت أوامر الأستاذ الطرابلسي، فتحركنا بانضباطٍ في مسيرٍ أقرب إلى العرض العسكري. وعند اقترابنا من المنصة، غلبني فضول الطفولة، فالتفتّ لأرى الرئيس، لأفاجأ بوالدي، وكان يومها برتبة نقيب حديث، يقف خلفه مباشرة. حاولت الخروج من الصف باتجاهه، لكنه أشار إليّ أن أبقى في مكاني، فالتزمت، وعدت إلى موقعي وأنا أشعر بشيء من الزهوّ.
ازدادت نشوتي حين أدرك الأستاذ الطرابلسي موقع والدي، وهو الذي كان لا يتردد في استخدام غصنٍ من شجر الزنزلخت لمعاقبتنا في حصص الرياضة، في مشهدٍ لا يهجر الذاكرة أبداً عندما يلامس الغصن أرجلنا في الايام الباردة.
على مستوى أوسع، يمكن القول إن مرحلة حكم حافظ الأسد اتسمت بطابع فردي وسلطوي واضح، لكنها في الوقت ذاته شهدت جهداً منظماً لبناء مؤسسات الدولة، بإشراف مباشر ومتابعة دقيقة منه، وبدعم من كوادر إدارية وعسكرية متماسكة. وقد أسهم ذلك في ترسيخ قدر كبير من الاستقرار، وفرض حضورٍ لافت للدولة في تلك المرحلة.
غير أن هذه التجربة، على ما حملته من طموح، لم تخلُ من التناقضات؛ إذ سرعان ما بدأت ملامح الخلل بالظهور، سواء من خلال تجاوزات بعض مراكز القوة، أو عبر بروز بوادر فساد في الأوساط السياسية والعسكرية، وهو ما انعكس لاحقاً على مسار الدولة وتطورها.
مكان حجر الأساس في الطريق بين ساحة المؤسسة الاستهلاكية وأوتوستراد ركن الدين والتجارة وكان مغلقاً. وكان نصب الحجر مقابل سور السفارة الروسية التي لم تكن قد شيّدت بعد. ووضع حافظ الأسد الحجر وأغلقه بالاسمنت وبلاطة رخامية فوق الاسمنت.
وكانت المنطقة كلها بساتين، فيها ملعباً لكرة القدم ربما لنادي الوحدة. أيضاً كان مقر فرع سرية المداهمة ٢١٥، وثكنة لمنظمة العاصفة الفلسطينية السورية.
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية
ليلة الخروج من قنوبين.. كيف حمى بربر آغا البطريرك الماروني يوسف حبيش من مخالب الحرب؟