في يوم المسرح العالمي.. حوار مع الناقد والباحث المغربي أحمد بلخيري
2026.03.27
في يوم المسرح العالمي الناقد والباحث المغربي أحمد بلخيري: النقد المسرحي العربي يطغى عليه الجانب النظري
أمينة عباس- فينكس
يُعد أحمد بلخيري من ألمع المنشغلين في البحث والنقد المسرحي في المغرب والوطن العربي، وفي رصيده عدد كبير من الإصدارات المهمة في هذا المجال، كان أحدثها "سحر العلامات في النص الدرامي"، والذي سيتبعه لاحقًا -كما أعلن- كتاب آخر هو "سحر العلامات في العرض المسرحي". والغاية من الكتابين، معرفة أسرار البنية الدرامية وأسرار العرض المسرحي كما جاء في حوارنا الطويل معه والذي ننشر منه هذا الجزء.
*ما أكثر الخطاب عن النقد المسرحي عند العرب وما أقل ممارسته؟ هذا ما دونته على صفحتك في الفيسبوك مؤخرًا. ما سبب هذه الفجوة بين التنظير والتطبيق المسرحي برأيك؟
**كان الهدف مما دونته هو تسجيل ملاحظة مفادها أن النقد المسرحي العربي يطغى فيه الجانب النظري أكثر من الجانب التطبيقي. يكفي أن نقارن عدد الكتب والدراسات التي اشتغلت على نصوص درامية، أو عروض مسرحية، أو السينوغرافيا في عدد من العروض المسرحية، أو الإضاءة المسرحية في عرض مسرحي أو عروض مسرحية، أو الزي أو الملابس المسرحية في عروض مسرحية معينة، مع عدد الكتب والدراسات التي تناولت هذه الظاهرة المسرحية أو تلك نظريًا، أو أرخت للمسرح. وهذه المقارنة تؤكد أن الكلام النظري كثير، وبالمقابل التحليل التطبيقي قليل، وأعتقد أن سبب هذه الفجوة هو أن التحليل التطبيقي ليس سهلاً، ففيه تُختبر أدوات التحليل اختبارًا حقيقيًا على المستوى المفهومي النظري وعلى المستوى الإجرائي التطبيقي. ويمكن مراقبة عمليًا كيفية تمثل المصطلح المسرحي وكيفية التطبيق بالرجوع إلى موضوع التحليل. أما الكلام النظري، لا سيما ذلك الذي يقتصر على الدفاع عن هذا التوجه المسرحي أو ذاك والمنافحة عنه، أو هذا الكاتب الدرامي أو المخرج المسرحي أو ذاك، لا يضيف شيئًا ذا قيمة علمية، إنه يقدم وجهة نظر صاحبه فقط. وفي المغرب الكلام النظري الذي من هذا النوع الأخير موجود منذ عقود من الزمن. "ولا بد من القول أيضًا إن مهمة الناقد الغربلة. لكنها ليست غربلة الناس، بل غربلة ما يدونه قسم من الناس من أفكار وشعور وميول. وما يدونه الناس من الأفكار والشعور والميول هو ما تعودنا أن ندعوه أدبًا. فمهنة الناقد، إذن، هي غربلة الآثار الأدبية، لا غربلة أصحابها" كما قال ميخائيل نعيمة في كتابه "الغربال" في بداية عشرينيات القرن العشرين. ولو طبقنا هذه القاعدة المنهجية على جزء من النقد المسرحي المغربي، وسواه، الذي ينطلق من الأشخاص وليس من "الآثار"، كيف ستكون النتيجة؟
*وماذا عن واقع البحث العلمي المسرحي العربي، وقد كنت عضوًا في بعض لجانه؟ ما أكبر مَطَبّ يقع فيه الباحثون برأيك؟
**لا يمكن تقديم حكم عام في هذا الإطار. السبب في ذلك هو أن هناك أبحاثًا وكتبًا ومقالات يبدو جليًا من خلالها اعتماد أصحابها على منهج معين في الكتابة النقدية مع التقيد بضوابط البحث الأكاديمي. وفي ذخيرة البحث المسرحي العربي اليوم، ومنه المغربي، أبحاث وكتب هي في الحقيقة، إضافات نوعية. ولولا خشية إثارة نوع من الحساسية لذكرت هنا عددًا من عناوين كتب تتعلق، في مجملها، بالظاهرة المسرحية برمتها: التاريخ، الدراماتورجيا، التمثيل، الغناء، الموسيقى، الإلقاء، الإضاءة، السينوغرافيا إلخ. هذا علاوة على كتب تحيل ابتداء من عناوينها إلى منهج معين في الدراسة والتحليل في المتن. وبالمقابل، توجد كتب يبدو لي أنها تفتقر إلى ضوابط البحث الأكاديمي والاجتهاد. إن البحث العلمي ليس هو عملية تجميع من هناك وهناك، يقتصر دور "الباحث" فيه على الربط بينها. إن عملية من هذا النوع تُفقد البحث أهم ما هو مطلوب منه وهو الإضافة النوعية والاجتهاد الشخصي. وأود أن أذكر أيضًا وبكل صدق أنني لم أجد في أي كتاب نقدي فرنسي اطلعت عليه، مثل كتب باتريس بافيس، أي ربط بين البحث المسرحي ومؤسسة تعليمية، حيث إن البحث المسرحي يستمد قيمته المعرفية والمنهجية من ذاته لا من المؤسسة التعليمية ولو كانت الجامعة نفسها. وقد وجدت هذا الربط عندنا في المغرب فقط، في النقد المسرحي دون غيره، ضمن خلط مقصود بين التدريس والكتابة النقدية. وقد لاحظت أن الذين يختبئون وراء نعت ينعتون به البحث المسرحي تفتقر كتاباتهم النقدية إلى أسس البحث الأكاديمي. وقد كشفت عن ذلك في كتابي "في المسرح مراجعة مفاهيم وأحكام"، وكذلك في كتابي "قراءات في المسرح" بالأدلة النصية. إنهم يختبئون وراء النعت لإضفاء هالة على الذات وتضخيمها رغم الأخطاء المعرفية غير المقبولة، ورغم الأخطاء غير المقبولة أيضًا في فهم المصطلحات..
*من خلال كتابك "المسرح المغربي تطور وتاريخ" ما هي المراحل المفصلية في تاريخ هذا المسرح؟
**يمكن تقسيم المراحل المفصلية للمسرح المغربي إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول يتعلق بمرحلة الاستعمار؛ والقسم الثاني يتعلق بمسرح الهواة الذي بدأ مباشرة باستقلال المغرب والذي عرف أوجه في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين؛ والقسم الثالث بدأ مع تأسيس "المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي". يمكن القول إن كل مرحلة هي استجابة لظروفها ومحكومة بها. أنا لم أشاهد عروض مرحلة الاستعمار وعروض نحو ربع قرن من بداية الاستقلال، ولكن قرأت عنها، خلافًا لما بعد ذلك حيث كانت المشاهدة والقراءة معًا قدر المستطاع. وأخذًا بعين الاعتبار ما سجله بعض الباحثين عن عروض المرحلة الأولى، اعتمادًا على وثائق مكتوبة وليس عن طريق المشاهدة المباشرة، فقد عرف المسرح المغربي تطورًا مهمًا جدًا من حيث التقنيات المسرحية، ومنها تقنيات التمثيل نفسه، لا سيما في المرحلة الأخيرة. وهذا ليس غريبًا لأن المعهد المذكور يقدم تكوينًا أكاديميًا في التمثيل والسينوغرافيا، وهو منفتح على تاريخ المسرح وعلوم أخرى. وقد انعكس هذا إيجابًا على المسرح المغربي اليوم. والدليل على ذلك هو المكانة المعتبرة التي يحظى بها هذا المسرح على الصعيد العربي اليوم، التي تتجلى من خلال الجوائز والمشاركة في مهرجانات مسرحية عربية. ذلك أنه حتى المشاركة في حد ذاتها يمكن اتخاذها معيارًا في هذا المجال.
*لكن إذا قارنا بين مسرح الهواة والمسرح الاحترافي اليوم ما هي الاختلافات الأساسية التي يمكن تسجيلها؟
**هناك خمسة اختلافات: الأول هو أن مسرح الهواة كان أكثر جرأة في طرح القضايا السياسية بالمقارنة مع المسرح الاحترافي اليوم. والثاني هو أن هذا المسرح الأخير أكثر إتقانًا للفن المسرحي من مسرح الهواة، وهذا لا يعني انعدام أو قلة إبداعية مسرح الهواة، فقد كانت فيه إشراقات فنية تميزت بإبداعيتها وتميزها الفني حتى عن بعض العروض المسرحية الاحترافية اليوم. أما الاختلاف الثالث فهو أن المسرح الاحترافي يحظى بدعم مالي من قبل وزارة الثقافة المغربية أكبر. والاختلاف الرابع هو أن مسرح الهواة كان مكونًا من هواة، أما المسرح الاحترافي فهو، في عموده الفقري، مكون من مسرحيين محترفين. أما الاختلاف الأخير فهو أنه في مسرح الهواة كانت التسمية هي "الجمعية المسرحية"، أما مع المسرح الاحترافي فقد صار الاسم هو "الفرقة المسرحية"."
أحمد بلخيري
وُلد أحمد بلخيري عام 1960م، تخرج من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بظهر المهراز بفاس عام 1983م، وحصل على دبلوم كلية علوم التربية بالرباط سنة 1984م، ودبلوم الدراسات العليا 1996-دكتوراه السلك الثالث، ومن مؤلفاته نذكر: دراسات في المسرح، معجم المصطلحات المسرحية، المصطلح المسرحي عند العرب، الوجه والقناع في المسرح، نحو تحليل دراماتورجي، سيميائيات المسرح، في المسرح: مراجعة مفاهيم وأحكام، المسرح المغربي: تطور وتاريخ.