كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أعلام من ذاكرة المسرح السوري

أمينة عباس – فينكس

ضمن سلسلة الفعاليات التي تُقدَّم ضمن "أسبوع المسرح" الذي أطلقته وزارة الثقافة في دمشق والمحافظات السورية، ألقى الكاتب والناقد جوان جان أمس محاضرةً حملت عنوان "أعلام من ذاكرة المسرح السوري" وذلك في المركز الثقافي ببرزة. وفيها أضاء على ستِّ تجارب مسرحية وُلدت وانطلقت في النصف الأول من القرن العشرين وامتدت زمنياً إلى النصف الثاني منه.. وعنون كل تجربة بمصطلح "مشهد" تيمناً بالتقسيم التقليدي المتعارف عليه للأعمال المسرحية.
سعد الدين بقدونس
معجزة حقيقية
تصدَّر المشهد الأول الفنان المسرحي سعد الدين بقدونس (1924-2005)، الذي شارك في عروض المسرح العسكري منذ العام 1946 وبقي وفياً له حتى سنواته الأخيرة. وعاد جان إلى محطات عديدة له سبقت عمله في المسرح العسكري، من خلال عمله في العديد من الفرق وتأسيسه لفرقته التي استقطبت المواهب المسرحية، وكذلك رحلاته الفنية إلى بيروت وتقديمه عروضه المسرحية على خشبات مسارحها: "عمل بقدونس في فترة تُعتبر من أشد فترات المسرح السوري قسوةً، بما حملته من رفض اجتماعي للفن بمفهومه الأوسع كنشاط قادر على تغيير بنى المجتمع ومفاهيمه البالية، وكان عمله في ذلك الوقت أشبه بمعجزة حقيقية ثانية، بعد معجزة رائد المسرح السوري أحمد أبو خليل القباني، في تكريس فن جديد لم يكن معروفاً في بلاد الشام حتى أواسط القرن التاسع عشر."
عمر حجو
"دون كيشوت المسرح السوري"
في المشهد الثاني تناول جان سيرة عمر حجو ووصفه بـ "دون كيشوت المسرح السوري" وهو اللقب الذي يترجم مسيرته المسرحية التي واجهت تحديات وإخفاقات ونجاحات، والتي كان أبرزها تجربته في مسرح الشوك التي لم تستمر سوى لثلاثة عروض. متوقفاً جان كذلك عند تجربة حجو في المسرح الإيمائي وعروضه التي كانت الأولى من نوعها في الوطن العربي، ومشاركته في أعمال فرقة شباب العروبة للآداب والفنون في حلب، وتأسيسه لفرقة المسرح الشعبي التي أخرج لها عدداً من الأعمال الوطنية والاجتماعية، وكان نجاحها سبباً لدعوتها لتقديم عروضها في دمشق. الأمر الذي أتاح لعمر حجو في فترة لاحقة المساهمة في تأسيس المسرح القومي في دمشق في العام 1960.
رفيق سبيعي
لويس التاسع
أطلَّ رفيق سبيعي في المشهد الثالث، وأشار جان إلى أن طفولته ضمن بيئة شعبية ساهمت في تكوين شخصيته الفنية -المسرحية تحديداً- لتتجسد فيما بعد على خشبة المسرح من خلال شخصية أبو صياح التي عُرف بها مسرحياً وسينمائياً وتلفزيونياً. وهو الذي كانت بداياته مع العديد من الفرق المسرحية، أهمها فرقة علي العريس، وهو فنان لبناني أسس فرقته في بداية الأربعينيات وقد استمرت في تقديم أعمالها لمدة عشر سنوات، وشارك سبيعي في عدد كبير من أعمالها. ثم انتقل للعمل مع فرقة المسرح الحر التي كان يديرها الفنان عبد اللطيف فتحي، والتي استمر فيها حتى العام 1959 عندما تم الإعلان عن تأسيس فرقة المسرح القومي التابعة لوزارة الثقافة، والتي التحق بها وشارك في عدد من عروضها. ولعب فيها أدواراً مختلفة، أهمها دور لويس التاسع في مسرحية "أبطال بلدنا" إخراج هاني إبراهيم صنوبر، وأصبح الاسم القاسم المشترك لمعظم أعمال المسرح القومي في مطالع الستينيات، إذ أعطى هذا الدور فكرة قوية عن قدراته المسرحية، فَلَعِبَ أدواراً هامة في عدد من المسرحيات مثل "الإخوة كارامازوف" و "الأشباح": "ابتداءً من النصف الثاني من الستينيات تقلصت مشاركات سبيعي المسرحية، ثم توقف نشاطه نهائياً في المسرح القومي، وباتت مساهماته في عروض القطاع الخاص محدودة، إلى أن شارك في عملين مسرحيين هما: "مات 3 مرات" إعداد دلع الرحبي وتم تقديمه في تسعينيات القرن الماضي، و"شو هالحكي" في مطالع الألفية الثالثة. وفي عام 2006، وفي حفل افتتاح مهرجان دمشق المسرحي الثالث عشر، كُرِّم رفيق سبيعي فتقدم من الجمهور مخاطباً إياه قائلاً: "أحب المسرح وتربطني بخشبته صلة وثيقة، فهو أبو الفنون وأهمها، ويحتاج إلى جهد وتعب، وأنا مع تقدم العمر لا أقوى على الوقوف على خشبته، ورغم ذلك أفكر بين الحين والآخر بالعودة إليه، وما زلت أبحث عن نص يجمع بين الكوميديا والمضمون الجيد" (محاولاً كبح جماح دمعة كادت تفر من عينيه) "أفكر بالعودة إلى المسرح لأنني اشتقت إليه كثيراً". ورحل رفيق سبيعي في العام 2017.
نهاد قلعي
البورجوازي النبيل
في المشهد الرابع تحدث جان عن نهاد قلعي الذي تتلمذ مسرحياً على يد الفنان عبد الوهاب أبو السعود الذي يُعتبر مؤسس المسرح المدرسي في سوريا، وقد شارك في العديد من المسرحيات التي قدمها أبو السعود. وفي الوقت نفسه، أسند إليه الفنان وصفي المالح دوراً في مسرحية بعنوان "مجنون ليلى". وبعد الانتهاء من دراسته، قرر السفر إلى القاهرة لدراسة فن التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية، لكن الظروف حالت دون سفره، فانتسب إلى فرقة نادي استوديو البرق وذلك في العام 1946 ليشارك مباشرة في مسرحية بعنوان "جيشنا السوري". وفي العام 1954، ساهم نهاد قلعي بتأسيس فرقة النادي الشرقي، وكانت أول مسرحية يشارك فيها هي مسرحية "الأستاذ كلينوف" ثم مسرحية "زنوبيا". لتنتقل الفرقة بعدها إلى تقديم عروضها في القاهرة، فقدمت بمشاركته مسرحية "لولا النساء" عام 1957 و "ثمن الحرية" عام 1959. وهو نفس العام الذي كُلِّف فيه قلعي من قبل وزارة الثقافة بتأسيس المسرح القومي بدمشق وإدارته. وكانت أول مسرحية أخرجها قلعي للمسرح القومي هي مسرحية "المزيفون" ثم "ثمن الحرية" و "البورجوازي النبيل". وفي العام 1963 قدم آخر أعماله الإخراجية مسرحية "مدرسة الفضائح". وفي مرحلة تالية لمرحلة المسرح القومي، شارك نهاد قلعي في الأعمال المسرحية التي أخرجها دريد لحام كـ "ضيعة تشرين" و "غربة"، بالإضافة إلى مشاركته في عروض فرقة مسرح الشوك للمخرجين دريد لحام وأسعد فضة. توفي الفنان نهاد قلعي في العام 1993.
ثناء دبسي
فرضت موهبتها الفنية
احتلت المشهد الخامس من المحاضرة الفنانة ثناء دبسي ابنة مدينة حلب. ففي خمسينيات القرن الماضي لم تكن الساحة المسرحية السورية تستقطب وجوهاً نسائية للظهور على خشبة المسرح بما يكفي لأسباب اجتماعية، لكنها فرضت موهبتها الفنية -الغنائية في مدرستها، وانخرطت مع مجموعة من الفنانين الناشئين في فرق رقص السماح ذي السمة التراثية. وفي عقد الخمسينيات، انتسبت إلى أكثر من فرقة فنية آنذاك، وأخذت تشارك في عروضها لتصل بنشاطها الفني إلى القاهرة والمدن المصرية الأخرى في عهد الوحدة بين سوريا ومصر (1958-1961) وصولاً إلى مدينة غزة الفلسطينية: "وعندما انتقلت للإقامة في دمشق، بدأت بأدائها على خشبة المسرح القومي ابتداءً من العام 1961 عندما اضطلعت ببطولة مسرحية "أبطال بلدنا" للمخرج الأردني هاني إبراهيم صنوبر، فلفتت الأنظار إليها وأصبحت خلال فترة وجيزة الممثلة المسرحية الأولى في المسرح القومي. تلتْها مشاركتها في مسرحية "الأشباح" للمخرج صنوبر أيضاً. واستمرت المشاركات المسرحية لها في عقد السبعينيات، وكانت تعتز كثيراً بمشاركتها عام 1977 في مسرحية "الأشجار تموت واقفة" للمخرج علي عقلة عرسان، كما كانت تعتز بمشاركتها في العرضين المسرحيين "أنتيغون" و"زيارة السيدة العجوز" للمخرج عرسان. وفي السبعينيات أيضاً، اتبعت دورة مسرحية تدريبية في فرنسا. لكنها سرعان ما ابتعدت عن المسرح القومي في عقد الثمانينيات، وعادت إليه في التسعينيات من خلال عمل مسرحي بعنوان "تخاريف" للمخرج ماهر صليبي، لتدخل فيما بعد في مرحلة (صمت مسرحي) استمر حتى رحيلها في 20-2-2024. وفي سنواتها الأخيرة، كثيراً ما عبّرت الفنانة ثناء دبسي عن رضاها التام عن مسيرتها المسرحية بنجاحاتها وإخفاقاتها، وكانت تتمنى زيادة الاهتمام أكثر بأرشفة المسرح السوري بهدف حفظ تاريخه وإنجازاته من الضياع."
هاني الروماني
نجماً مسرحياً سرعان ما خبا
في المشهد السادس والأخير، تناول جان مسيرة الفنان هاني الروماني (1939-2010) التي ارتبطت بأكثر من فرقة وتجمّع مسرحي، كفرقة ندوة الفكر والفن التي كانت فعالة في عقد الخمسينيات من القرن العشرين وقدمت العديد من الأعمال العالمية الهامة: "ولا شك أن الحضور القوي والصوت المعبّر اللذين كان يتمتع بهما الروماني كانا من العوامل المؤهلة التي جعلت منه نجماً مسرحياً خلال فترة وجيزة من الزمن، ولكن سرعان ما خبا هذا البريق تأثراً بوهج أضواء التلفزيون التي وجد فيها ملاذه الذي كرَّس له كل الجهد وجلَّ الوقت، إلى أن أصبح واحداً من رموزه.. وأما المسرح فقد بقي طيفاً من ذكريات كُتب لها أن تتجدد في العام 2004، وبالتحديد في الدورة الثالثة من مهرجان مدينة الثورة - الطبقة المسرحي، عندما اختارته إدارة المهرجان عضواً في لجنة تحكيم تلك الدورة. فكانت مناسبة للاطّلاع على تاريخه المسرحي من خلال الندوة التي أقامتها له إدارة المهرجان للالتقاء بالجمهور، والتي امتدت لتشمل كل جوانب عمل الروماني في المسرح. وعلى الرغم من أن تجربته المسرحية كانت غنية في مضمونها وعمقها، إلا أن الفترة الزمنية القصيرة نسبياً التي أمضاها على خشبة المسرح، ومن ثم هجرانه عالم المسرح بشكل نهائي، جعلت اسمه يغيب وينزوي عندما يدور الحديث عن المسرح السوري ورواده ومؤسسيه والمجددين فيه."
 
مختارات من ذكريات مع فـهــد بــلان.. ح (12 و13)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (10و 11)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (9)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح(8)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (6)
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح (4)
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان- ح (2) و(3)
"أكاديمية دار الثقافة" تطلق اليوم الفيلم الوثائقي "الهدف" في مخيم مار إلياس
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح(1).. مع البدايات
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح(7).. وكانت البداية من حلب الشهباء
فواز الساجر و"ثلاثية نكون أو لا نكون"
مختارات من ذكريات مع فـهــد بــلان.. ح (5): الفهد والاختبار الأول في إذاعة دمشق
9 كتب جديدة ضمن إصدارات الهيئة العربية للمسرح
بعد ختام الدورة "38" للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء التتويج حافز لتطوير التجارب.. والمهرجانات الكبرى تعيش بما تتركه من أثر
محمّلاً بالأسئلة الراهنة صدور العدد 47 من مجلة المسرح العربي