الفنان يوسف عبدلكي: السجن قتل فكرة الخوف في قلبي
2025.09.23
أمينة عباس
تحت عنوان "على حواف الظل والنور.. سوريا والفن والحرية" استضاف الصالون الثقافي في مؤسسة تاء مبسوطة مؤخراً حواراً مفتوحاً مع الفنان التشكيلي يوسف عبدلكي مهدت له نائبة رئيس مجلس إدارة المؤسسة باسكال ديب بطرح مجموعة من الأسئلة عليه مع تأكيدها على أن استضافته يعني: "أن نفتح الباب لحديث يتجاوز الفن كونه وصفة جمالية وهو فرصة قيمة للتفاعل مع قامة استثنائية وفنان له تاريخ طويل في النضال والتعبير عن قضايا الناس، وقد تحول اسمه إلى مرادف للصمود والكرامة حيث الانتماء بالنسبة له لم يكن يوماً خياراً بل قدراً والتزاماً، وهو ليس مجرد فنان تشكيلي بل ذاكرة مفتوحة على وجعنا وبصمة لا تمحى من تاريخنا البصري والإنساني، عرف السجن لكنه لم يعرف أبداً التنازل أو المساومة، صارت لوحته شاهدة تعكس قوة الواقع وعمق الروح".
بين السياسة والفن
تنقل عبدلكي في حواره بين السياسة والفن، وهذا ليس غريباً عمن نشأ في عائلة منخرطة بالعمل السياسي بشكل كبير: "منذ أوائل الأربعينيات إلى أواخر الخمسينيات، دخل والدي السجن لأسباب سياسية 12 مرة، وكانت السياسة والعمل العام خبزنا اليومي في البيت، لذلك ليس لي أي فضل بتوجهي السياسي وإنما الفضل يعود لأجواء البيت وللأجواء السياسية التي كانت موجودة آنذاك في سورية، كل ذلك شكّل البذرة الأولى لتكون اهتماماتي أكثر من الفن". يقول عبدلكي في الحوار وهو الذي دخل السجن مرتين، الأولى في عام 1978 والثانية في عام 2013: "من يدخل إلى السجن يصبح له تاريخان: ما قبل السجن وما بعده، والسجن بالنسبة لي قتل فكرة الخوف في قلبي".
وعن مغادرته لسورية عام 2005 يضيف: "عندما غادرتُ دمشق إلى باريس عام 2005 سافرتُ لدراسة الدكتوراه وكانت مجرد محطّة تعليميّة ولم يكن ببالي أن تستمر حياتي هناك، ولكن عندما انتهيت صارت عودتي إلى دمشق صعبة، فمن عاد اعتُقِل وكانت العودة بالنسبة لي هي السجن، وعندما أدركت أن بوادر نهاية النظام قد لاحَت عدت بعد ذلك وكان قراراً ذاتياً".
التقييم الفنّي أهم من التقييم السياسي
ويوضح عبدلكي أن الفنّانين والأدباء، منهم من يستخدم فنّه كمواجهة ومنهم كمواربة، ويجب أن نقبل بهم وباستجابتهم للحياة ودورهم فيها. هناك عشرات آلاف الفنّانين كانوا في مواجهة مع الأنظمة، وهناك من لم يختر هذا الدور لكنّهم ليسوا أقلّ ضميراً، فقد كان لهم هموم لها علاقة بالجماليات والمجتمع وهذا حقهم. فدرجات التعاطي بالشأن العام لا تُعَدّ ولا تُحصَى، دون أن ينكر أن مواقف الفنان السياسية قد تكون أحياناً حاجزاً أمام التقييم الفني له، ولكن ما يجب أن ندركه أن التقييم الفنّي هو أهم من التقييم السياسي.
العين الأخرى
وبغض النظر عن الأوضاع الحالية ومن يحكم البلاد، يؤكد عبدلكي أن عمله النقدي في منتهى الأهميّة، لأن عمل الفنان في الشأن يمثل العين الأخرى للناس والمجتمع، فالفنان هو ضمير الناس، والعمل النقدي بوصلة لتصحيح الأخطاء. ولذلك، ورغم مرور السّنين، لم تتغيّر قناعاته الخاصّة بالعدالة، وإنّ الإنسان له قيمة ويجب احترامه ولا يجوز اضطهاده: "ربما تغيرت أشكال التعبير وما تغير هو مساحة قبول الآخر وإمكانية إيجاد لغة مشتركة مع الآخرين بعيداً عن العنف، مساحة قبول الآخر والاعتقاد بإمكانية الحوار معه صارت أوسع".
العمل الفني ليس مجرد إلهام
يؤمن عبدلكي أن الفنان لا يملك البنادق والدبابات للتغيير ولكن تأثيره عميق وبعيد المدى في أن يغني وجدان الإنسان: "أعتقد أن كل الأحداث الكبيرة في حياة الشعوب تحتاج إلى وقت طويل حتى تدخل في فكر ووجدان الفنان حتى يعبر عنها بصدق، حتى تدخل وجدان الآخرين وتغير نظرتهم للحياة. والعمل الفني ليس عملاً جمالياً وفردياً بل له علاقة بالمجتمع وكل ما يمسه، فلا يوجد موضوع يصلح للعمل الفني وآخر لا يصلح، وإنما المسألة تكمن في كيف نتناول هذا الموضوع، والشحن التعبيري الذي يمنحه الفنان لموضوعه هو الذي يعطي قيمة للعمل الفنّي الذي يرسمه. أنا أهتم بالأشياء التي لا قيمة لها بالحياة ولا أنظر لها كما تبدو، وإنما أعطيها قيمة جمالية من خلال ما ترمز إليه. فالسكين في لوحتي ليست سكين مطبخ وإنما هي رمز للبطش، والعصفور ليس مجرد طائر بل هو رمز للجمال. كما أعمل على لوحتي منذ أربعين سنة من عدة محاور، أولها علاقة العنصر بالفراغ الذي هو جزء أساسي منها، فالكأس ضمن فراغ ضيّق له معنى، والكأس ضمن فراغ واسع يصبح له معنى مختلف".
ويضيف عبدلكي قائلاً: "على الفنان أن يقتنع أن الفن هو عمل يومي وليس مجرد إلهام، لأن العمل اليومي هو الذي يمنح الأمان ويفتح الآفاق، وليس التأمل والاهتمام بفلسفة الفن. فالعمل اليومي هو الذي يطوّر أدوات الفنان وينقله من مرحلة إلى مرحلة، إلى جانب الثقافة الرفيعة التي يجب أن يتمتع بها بكل المجالات، والأهم وجود موهبة حقيقية. ويؤسفني أن الاهتمام موجّه للفنّانين المكرّسين والذين لهم حضور في السوق الفنيّة سواء في سورية أو خارجها، وهذا برأيي يخلق اضطهاداً للشباب، في حين يجب أن يمنحوا فرصاً. من هنا دعا عبدلكي الغاليريات إلى أن تهتم بالأعمال الفنية للشباب لنرى إبداعاتهم الحقيقية، مع إشارته أيضاً إلى أن أي طالب يريد الانتساب لكلية الفنون عليه قبل أن يفكّر برسم اللوحة أن يحسم عشرات الأمور، أهمها أن يدرك أن اللوحة ليست مسألة تقنيّة لتعلّم الرّسم، وإنّما تؤسسها ثقافة رفيعة. مع إشارته إلى أن كليات الفنون ليست مجرد أبنية ولا قاعات درسيّة ولا ديكورات، وإنما عمادها أساتذة حقيقيون يختصرون الوقت بتقديم تجاربهم للطلاب، مع أن معظم كليات الفنون برأيه تقوم على أساتذة لا يفقهون بالفن، ومعظم الطلّاب يعتمدون على أنفسهم في تحصيل المعارف والتكنيك، وبالتالي الفنانون المبدعون لا يصلون إلا بعد معاناة ووقت طويل".
وبيّنت رئيسة مجلس إدارة مؤسسة "تاء مبسوطة" السيدة ديانا جبور أن اللقاءات مع فنانين مثل عبدلكي تساهم في تعزيز دور الفن والثقافة كركيزتين أساسيتين لتحقيق العدالة في المجتمع السوري.