كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ناجي العلي، الحضور الدائم

كانت الريشةُ هي الأحبّ إلى قلبه والأقدر تعبيراً عن مكنون وجدانه الثوريّ، فرسم أكثر مما تحدث، ولا يعرف الناس عنه سوى حقيقتين: رسوماته، واستشهاده، أما ناجي العلي الإنسان البسيط اللاجئ والمبدع فلم يعرفه سوى قلّة، ومنهم حنظلة الذي كان لسان حاله حول الأحداث المختلفة، فأصبح العلي بشخصية حنظلة ضمير الشعب، متمثلاً أديب الثورة الفلسطينية الشهيد غسان كنفاني في رؤيته لما سيكون عليه المستقبل المحفوف بالمصاعب والمخاطر في كل أحياء وأزقّة المخيمات الفلسطينية وفي كل مكان تواجد فيه الفلسطينيون، حيث رسم مشهدية اللاجئين بكل صدق ووضوح، وشدَّد على معاناتهم في مخيمات الشتات، فكانت أيقونات كاريكاتيرية شاهدة على زمن الظلم والاحتلال الذي ليس له حل حسب تعبيراته إلا المقاومة المسلحة وقد ترجمت أولى لوحاته هذا التعبير، حيث رسم خيمة على شكل هرم تخرج منها يدٌ قابضة على شعلة نارية كأنها راية تطالب بالثأر والتصميم على النصر والتي نُشِرت في مجلة “الحرية” (أيلول/١٩٦١) وهو ما جعل غسان كنفاني يكتب عنها: “صديقنا الفنان ناجي العلي لا يجد خيراً من الكاريكاتير ليعبّر عما يرتجف في نفسه، وقد لا يعلم أن الحدة التي تتسم بها خطوطه وأن قسوة اللون الراعبة وأن الانصباب في موضوع معين يدلل على كل ما يجيش في صدره بشكل أكثر من كافٍ وهو يحمل إلينا قصة فلسطين لا ما حدث منها ولكن ما يجب أن يحدث لكي يعود الذين شُرّدوا من ديارهم إلى خير الأرض والوطن”.
تفرَّد ناجي العلي بإبداعه شكلاً مستجداً ومستحدثاً مع كل نتاج بشكل يختلف عن سابقه، حيث كان شكل كل لوحة ومضمونها يختلف عن غيرها بحسب ما يفترضه الموضوع والمعالجة من إبداع يتناسب وروح الواقع، فتختلط الخطوط المرسومة مع المفردات والمعاني مما يشكل حساً عميقاً ومنسجماً يؤثر بشكل مباشر في مستوى التفاعل التبادلي، حيث يربط خطوطه السرية بين المبدع والمتلقي، وكان هذا التفاعل المحسوس واللامرئي هو سرّ حضوره الدائم رغم الغياب وسر انشغال الدارسين ومتذوقي الفن والباحثين بنتاجه مما جعله أيقونة فريدة في نيل إعجاب البسطاء من الناس والنخب من أهل الفن والأدب والثقافة والنقاد، حيث خطَّ لوحة ركائزية في معادلة الفن العربي الثوري (فن الكاريكاتير) وجمع بين أصالة عميقة وشكل حداثوي ومضمون ثوريّ وعمق فني، وبما أن ناجي العلي قد فهم فحوى تداخلات كل ذلك وانصهارها في فهمه النقدي فقد شكَّل ذلك فرادة ليس فقط على اللوحة المنجزة إبداعياً وإنما على احتفائه بالمضمون ورؤيته للمستقبل مما أفرز رؤية فلسفية استشرافية عميقة لم يلحظها الكثيرون من معاصريه، لذلك لم تكن رسوماته خطابات سياسية بقدر ما كانت رسائل فريدة وربما غريبة كما في إحدى لوحاته، حيث تنظر فاطمة بعيون دامعة لزوجها الذي يقرأ الصحيفة التي تتحدث عن اقتتال الأخوة ودور النفط في المعركة: “حاجة تقولي الدم ما بيصير مية.. صار زفت” وفي لوحة أخرى حيث يتنازع طرفان على قطعة من قماش، أحدهما يتمثله بعض الرجال العرب المطبّعين الذين يريدون أن يصنعوا منها علماً أبيض للاستسلام، والطرف المقابل امرأة فلسطينية وحيدة تنازعهم القطعة القماشية لتصنع منها كفناً لأخيها الشهيد، وهذا ما يتجلى حالياً في حرب الإبادة الصهيونية في غزة والتي تتزامن والذكرى 38 لاستشهاد ناجي العلي.

رأى ناجي العلي المراحل القادمة كما هي، وأدرك أن الرفض يشكّل مقدمة لتجاوز المرفوض، وعلى الرغم من تمسكه بعروبته وفلسطينيته إلا أنه كان مختلفاً مع أغلب الأطر السياسية لا لكونه فناناً له خصوصية الرؤية وإنما رفضه للمراوغة والركون والخطاب الانبطاحي والخشبي اللفظي، ومن هنا كانت أعماله مميزة بأشكالها وتعبيراتها دون أن يكون متطرفاً يوماً بقصد الشتيمة لأحد دون الآخر وإنما تقديراته وما استشعره من خطورة الحالة الفلسطينية والعربية جعلتْه يلعنها ويشتمها، وقد كانت الموهبة الاستشرافية لديه بمثابة المدماك في البناء الذهني الذي انعكس فنياً وثورياً على نتاجه، وقد عاش تجربة غنية بهذا الشأن.
نجح العدو في اغتياله ولكن هل نجح في تغييبه؟

منذ رسوماته الأولى وحتى اللحظة الراهنة نشأت أجيال فلسطينية متعاقبة في مدرسة ناجي العلي شاهدوا وعاشوا تجربته المميزة وتشرّبوا روحه النضالية العالية ورددوا معه مقولته “الطريق إلى فلسطين ليست بعيدة ولا قريبة.. إنها مسافة الثورة”. 
مدير تحرير مجلة الهدف الفلسطينية محمد أبوشريفة -دمشق
******
مع ناجي العلي، نناضل ونحتفي بالإعلام والفن وبلاغة الكاريكاتير
أحمد طنيش

ونحن نعد ملفا عن ناجي العلي في MA5TV الثقافية وجدنا أنفسنا بين سيرة ناجي العلي وحنظلة والكاريكاتير، ووجدنا أنفسنا مرغمين إذا أردنا الخوض في سيرة نضال وإبداع ناجي العلي، العودة إلى الأرشيف والوثائق وأهمها إبداعات الكاريكاتير، وأن المدخل الأساسي لمقاربة الرجل هو سيرة الكاريكاتير في مجال الصحافة والإعلام في الوطن العربي على وجه الخصوص، وجدنا أن هناك خطين متوازيين نفتح بهما الملف: الخط الأول؛ اعتبار الكاريكاتير في الصحافة العربية شكلا جماليا، يتموقع في الدرجة الثانية أو الثالثة، ومعظم وسائل الإعلام وظفته تأثيرا بمرجعية الاحتفاء عند الصحافة الدولية، والخط الثاني؛ اكتشاف أن وجود الكاريكاتير في الإعلام العربي يعتبر موردا اقتصاديا وترويجيا وتجاريا يساهم في الدخل المادي للمنابر الإعلامية الجرائد أساسا، سيما وقد خلق الكاريكاتير ضجة وثورة إعلامية مع ميلاد المطبعة وأصبح حديث الخاص والعام وكون جمهورا واسعا (قراء ومتتبعين، وحركات فنية وأدبية)، وقد تأثر الرأي العام بالكاريكاتير، إلى درجة أنه أدرج في التعبير التواصلي، وحمل في التظاهرات الاحتجاجية والتضامنية مع الشعب الفلسطيني على وجه الخصوص، بل أصبح الكاريكاتير إعلاما بديلا يوازي واقع الصحافة الالكترونية اليوم، بالإضافة إلى حضور الكاريكاتير في مناحي متعددة إبداعية وفنية وثقافية، حيث حملت معظم مسرحيات المرحلة عنوان “حنظلة” كما وظفت شخصيته وانتقلت رمزيته إلى الشعر والقصة والرواية وغيرها.
في رجوعنا لتاريخ التجربة، وجدنا أن هناك مجموعة هامة من فناني الكاريكاتير كانت لديهم إشكاليات مادية ومهنية تطورت إلى واقع نفسي واجتماعي؛ إذ كانت بعض المنابر تعتبرهم متعاونين وليسوا صحافة، وكانت أجورهم متدنية بمقارنة مع زملائهم ومن فناني الكاريكاتير في الوطن العربي من عانا من غياب المنبر الحر، الذي يستطيع أن يحمل سخرية الكاريكاتير وانتقاداته المرة؛ فأغلب الصحف والمجلات العربية التي يعمل بها هؤلاء، كانت تضع الخطوط الحمراء، وتزيل الكاريكاتير الذي له جرأة أو مباشرية.

عانى ناجي العلي في هذه المرحلة الأمرين لأن كاريكاتيره كان مثقفا وكاتبا باللغة العربية والأجنبية، وهنا نستحضر أن معظم المنابر التي أشرنا إليها كانت تتبع الأحداث والتطورات شكليا وكانت تواكب ما يروج في الساحة الدولية صوريا، وكانت تُعنى أو يعنيها الجانب الجمالي من الكاريكاتير فقط، الذي يستميل جيب المتلقي ويتم هذا بناء على منحى وتوجهات الخط التحريري للمؤسسة الصحفية والإعلامية، وهي المرحلة التي عانا فيها مبدعي الكاريكاتير من غياب معايير موضوعية لتقييم عملهم/ إبداعهم؛ حيث تقتصر عملية التقييم على خلفية وثقافة وسلطة رئيس التحرير أو سكرتير التحرير، دون وجود معايير فنية مهنية، مع العلم أن للكاريكاتير ديمومة توظيفية، وأحيانا بل في غالب الحالات يعتبر مادة إعلامية متكاملة.
نستنتج عبر هذا الرصد أن الكاريكاتير كانت عليه رقابة مفروضة من جهات مختلفة وخفية، وهي مرحلة مكاتب الرقابة العليا التابعة للحكومة؛ إذ كانت بعض الرسوم الكاريكاتيرية السبب في ملاحقة أصحابها سياسيًّا وقضائيًّا؛ كما حدث مع فنان الكاريكاتير العربي صلاح جاهين، الذي واجه تهمة الإساءة المتعمدة بإحدى رسوماته الكاريكاتيرية ورفعت قضيته إلى المدعي العام الاشتراكي في السبعينيات، ويعتبر البهجوري أول كاريكاتيرست يتعرض للانتقام؛ بعدما صور الأنف الطويل للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، أما ناجي العلي الذي استخدم رسمه كشكل من أشكال التعبير السياسي، فقد تم اعتقاله من قبل أفراد المكتب الثاني (المخابرات اللبنانية) وبسبب الكاريكاتير أغتيل، وكان الانتقام من الفنان المصري بهجت عثمان؛ الذي ضاق به الرئيس المصري الراحل أنور السادات فمنع رسومه وطرده من الصحافة، مع نخبة ممتازة من الصحفيين والكتاب والمعلقين السياسيين في السبعينيات.
هو مدخل يفسر لنا مرحلة ومحطة أواخر الستينيات والسبعينات وبعض من الثمانينيات من القرن الماضي، وكيف كان الكاريكاتير ومبدعه وإبداعه محطة تهمة ومحاكمة، وتتواصل مرحلة الكاريكاتير السياسي إلى اليوم في ظل الثورة التكنولوجية وصولا إلى الذكاء الاصطناعي؛ إذ ساهم الإنترنت في مد الجسور بين فناني الكاريكاتير عبر العالم. وهنا لا يمكن إغفال الدور الذي أدّته مواقع الكاريكاتير الإلكترونية المختصة الأجنبية منها والعربية، على قلتها النسبية، في توفير مساحة معينة لإبداع الكاريكاتير، تبلورت كمنبر للعرض الحر.

لذا جاء الملف (ناجي العلي والكاريكاتير)، في يومين، في مجالين، الأول؛ الاحتفاء بناجي العلي ورصد سيرته وإبداعاته طيلة يومه الجمعة 29 غشت 2025، تم الاحتفاء بالكاريكاتير وتاريخانيته ومبدعيه ورسائله، يومه السبت 30 غشت 2025، هي مبادرة نتمنى أن نحيي بها إرث هذه الرجل والتواصل مع ابنه الإبداعي “حنظلة” الذي نطالبه بديباجة بيان حقيقية واحتجاج في وجه الساكتين والصامتين والمطبعين.

مجلة الهدف

 

مختارات من ذكريات مع فـهــد بــلان.. ح (12 و13)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (10و 11)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (9)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح(8)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (6)
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح (4)
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان- ح (2) و(3)
"أكاديمية دار الثقافة" تطلق اليوم الفيلم الوثائقي "الهدف" في مخيم مار إلياس
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح(1).. مع البدايات
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح(7).. وكانت البداية من حلب الشهباء
فواز الساجر و"ثلاثية نكون أو لا نكون"
مختارات من ذكريات مع فـهــد بــلان.. ح (5): الفهد والاختبار الأول في إذاعة دمشق
9 كتب جديدة ضمن إصدارات الهيئة العربية للمسرح
بعد ختام الدورة "38" للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء التتويج حافز لتطوير التجارب.. والمهرجانات الكبرى تعيش بما تتركه من أثر
محمّلاً بالأسئلة الراهنة صدور العدد 47 من مجلة المسرح العربي