زياد الرحباني.. بالنسبة لبكرا شو؟
2025.08.14
كفاح الزعبي
رحل إذن آخر الفنانين والمعلمين الكبار. رحل زياد وبات الآن ينتمي إلى فعل "كان". أما "الآن" وكل الأفعال بصيغتها المضارعة التي كان يحيا فيها، وكانت تبيح لنا انتظار ظهوره، في لقاء ما، في جملة ما، في موسيقى وأغنية ما، في مسرحية ما، فقد غدت تلك الأفعال مليئة بفراغ من الصعب على أحد آخر أن يملأه. المفارقة أن رحيله، أن الموت، أصبح مؤشرا لا على الغياب بل على الحضور، ويا لحجم هذا الحضور.
كأنما فجأة أنتبه الجميع إلى الفراغ الذي تركه خلفه، وإلى الباب الذي أوصد فجأة وأخبرنا بصريره الخافت أن لا انتظار بعد اليوم، فزياد رحل إلى رحاب "كان". فبكاه ورثاه الجميع، حتى الكارهين له عجزوا عن تفادي حضوره.
رحل الشاعر الذي لم ينحت مفردات أو صورا شعرية من اللغة، ليؤلف أغنية، بل فجّر الشعر في الكلام اليومي المتداول، في الحوارات التي تطفو على السطح. منحه أبعادا ودلالات أخرى شعرية تارة وفكرية تارة أخرى، حينما وضّفه في السياقات الصحيحة. وفي تلك السياقات تهكم وسخر فأضحكنا وأبكانا من مهزلة مؤلمة أسمها الحياة. حيث الحب والوجع والوطن. والوطن هو أيضا وجع.
كان بوسع زياد أن يحيا هذه المهزلة بمتاعب أقل، نائيا بنفسه عن كل الصراعات، شابكا ذراعه بذراع حياة محملة بالوعود، لولا أنه فنان أصيل وفوق ذلك حر بأصاله. أقصد كان فنانا وكان حرا. وأن يكون المرء فنانا أصيلا، فهذا يعني أن يشبك ذراعه بذراع الإنسان، وبذراع الحب والحقيقة والحرية والعدالة، وبذراع الوجع وبذراع الوطن – والوطن أيضا وجع. وأن يكون فوق ذلك حرا بأصالة، فهذا يعني أن يكون بالضرورة شجاعا فلا يسير صامتا. سيرفع صوته بضحكة أو جملة مدوية، بصرخة على هيئة موسيقى أو أغنية أو مسرحية معبرا عن موقف إنساني وجمالي وأخلاقي ثم بالنهاية حتما سياسي، فما الموقف السياسي سوى اختزال مكثف للموقف الأخلاقي من الخير والشر.
مات زياد، وظل الفراغ الذي تركه مليئا بموسيقاه وشعره ومقولاته، ومسرحه، ومواقفه ودروسه كمعلم كبير. يحدق طيفه بنا، كلما نظرنا إلى مساحته، ويطرح علينا السؤال الفلسفي والوجودي ذاته: بالنسبة لبكرا شو؟!