زياد الرحباني.. لا مفرَّ مِنَ الدموع
2025.07.27
أمينة عباس – فينكس
ضجت الأوساط الفنية والثقافية اللبنانية والعربية، برحيل زياد الرحباني الذي سيشيَّع الساعة الثامنة صباح يوم الاثنين، وكان المصاب الأكبر في رحيله هو لفيروز الأم، حيث كتبت عبر حسابها على "إكس": "أنا الأمُّ الحزينة ومَا مَن يُعزِّيها"، ونشرت صورة لها معه وعلّقت: "دايمًا بالآخر في آخر.. في وقت فراق.. وداعًا"، كما نعته مؤسسات رسمية وشخصيات عامة لبنانية، مشيدة بإرثه الفني وتأثيره العميق في الموسيقى والمسرح. وأجمع الجميع على أن زياد الرحباني لم يكن مجرد فنان، بل كان حالة فكرية وثقافية متكاملة، وأكثر، وضميرًا حيًّا، وصوتًا متمردًا على الظلم، ومرآة صادقة. وبغيابه يفقد لبنان فنانًا مبدعًا استثنائيًا وصوتًا حرًا ظلّ وفيًا لقيم العدالة والكرامة، ملتزمًا عميقًا بقضايا الإنسان والوطن، من على خشبة المسرح، وفي الموسيقى والكلمة، وقال ما لم يجرؤ كثيرون على قوله. وقد لامس آمال اللبنانيين وآلامهم على مدى عقود، لذلك فإن أعماله الكثيرة والمتميزة ستبقى حيّة في ذاكرة اللبنانيين والعرب، تُلهم الأجيال القادمة وتذكّرهم بأن الفن يمكن أن يكون مقاومة، وأن الكلمة يمكن أن تكون موقفًا، وستبقى موسيقاه ومسرحياته النابضة بالذاكرة والحياة، نبراسًا للحرية ونداءً للكرامة الإنسانية.
تسيَّد خبر رحيل زياد الرحباني وسائل التواصل الاجتماعي، وهو الذي لديه مكانة كبيرة في الأوساط السورية، وعبّر السوريون من كل الأوساط والشرائح عن حزنهم الشديد والخسارة الكبرى التي مُني بها الفن والثقافة اللبنانية والعربية، لأنه كان صوتًا حرًا يُسلّط الضوء قولًا وفعلًا ضد الظلم والفقر.
زياد ودمشق
تربط زياد الرحباني بدمشق علاقة قديمة تعود منذ أن كان طفلًا يرافق والدته فيروز في زياراتها لدمشق، وهذا ما تؤكده صورة نُشرت في مجلة "الجندي" السورية (1959)، وفيها يجلس إلى جانب والدته فيروز، وهي تستمع إلى المحامي والناقد الموسيقي نجاة قصاب حسن، وهو يُلقي محاضرة عن فنّ الأخوين رحباني بحضورهما. وعندما كبر، وفي العام 1971، كان زياد بين العازفين حين قدّمت فيروز المسرحية الغنائية "ناس من ورق" في دمشق. وفي العام 1977، حضرت موسيقاه حين قُدِّمت مسرحية "بترا" في دمشق وافتُتحت بمقدمة موسيقية ألّفها زياد. وفي عام 1980، صدر عدد من مجلة «الحياة المسرحية» الفصلية (ترأس تحريرها الكاتب المسرحي سعد الله ونوس)، وتصدر الغلاف أجواء مسرحية «فيلم أميركي طويل»، في حين نشرت المجلة بالصفحات الداخلية ندوة أُقيمت على هامش عرضها بحضور زياد والمشاركين في العمل. وبعد سنوات قليلة، وفي عام 1986، حضر زياد إلى دمشق من خلال موسيقاه في الفيلم السوري "وقائع العام المقبل" للمخرج سمير ذكرى.
حفلته الأولى في دمشق
لم يكن صيف 2008 عاديًا بالنسبة للشعب السوري ودمشق التي كانت تحتفل باختيارها عاصمة للثقافة العربية، وقد كان الحدث الأبرز في هذه الاحتفالية تقديم عدة حفلات موسيقية لزياد احتضنتها قلعة دمشق التاريخية. وحينها جاب شباب دمشق شوارع المدينة حاملين لوحة عملاقة لصورة زياد الرحباني، دعوا الناس إلى توقيعها ترحيبًا بقدومه. وعندما أُعلن عن هذه الحفلات الأربعة في آب/2008، نُفدت 12 ألف تذكرة خلال أيام قليلة، ما دفع المنظمين إلى إضافة ليلة خامسة استثنائية، أمام جمهور لم يشهد مثيلًا له من قبل، بمرافقة فرقة مؤلّفة من عازفين سوريين وأرمن ولبنانيين، قادهم المايسترو كارين دورغاريان، إضافة إلى وجود كورس منشدين سوريين. وفيها غنّى الرحباني مع الجمهور الذي يحفظ معظم أعماله غيبًا "تلفن عياش، عايشة وحدها بلاك، بلا ولا شي"، كما قدّم مجموعة من المقطوعات الموسيقية مع الأوركسترا. وقد شاركت زياد الغناء جوقة مكونة من ست مغنيات سوبرانو سوريات، منهن رشا رزق وليندا بيطار. وتعقيبًا على حفاوة الجمهور به، والتي وصفها "فوق التصور"، أكّد أنه فوجئ أن الجمهور يحفظ كل الأغنيات، حيث لم يكن الجمهور يحتاج إلى أكثر من الجملة الموسيقية الأولى ليبدأ الأغنية ويمضي معها، في حين كان يُصغي باهتمام خلال المقطوعات الهادئة، كما بيّنت السوبرانو السورية منال سمعان التي شاركت في الجوقة: "عادة نغني في دار الأوبرا، وهناك لا نرى جمهورًا بهذا الانفعال".
منيحة
بعد حوالي عام من زيارته الأولى، عاد زياد الرحباني عام 2009 للقاء جمهوره في دمشق من خلال أربع أمسيات أحياها أيضًا في قلعة دمشق الأثرية، وقد حملت عنوان "منيحة.... موسيقى، غناء، وكلام". وافتتح الحفل بمقطوعة موسيقية من "القافلة"، ثم قُدّمت مجموعة من الاسكتشات التي غلبت على الحفل، إلى جانب مجموعة من أغانيه الأكثر شعبية مثل "هيك بتعمل هيك"، و"ولا من يحزنون"، و"الله يساعد"، و"خلص"، بالإضافة إلى مقاطع من مسرحية "نزل السرور"، و"العقل زينة"، كما غنّت رشا رزق "شو هيدا ولو"، وليندا بيطار مقطعًا من "فيلم أمريكي طويل". كما غنّى الكورال أغنية لطيفة التونسية "بنص الجو"، وأغنية فيروز "حبيتك تنسيت النوم"، وطُرحت خلال الحفلات النسخة الأصلية لأسطوانة حفلة عام 2008 التي لاقت نجاحًا.
العبقري والمجنون
كان زياد الرحباني امتدادًا طبيعيًا للعائلة الرحبانية، وُلد في كنف أبوين مشهورين وموهوبين عام 1956، وفي عمر صغير أُدركت موهبته الموسيقية وقدرته على التلحين، ومع هذا كانت أولى أعماله بعيدًا عن الموسيقى من خلال نصوص شعرية أصدرها تحت عنوان "صديقي الله"، والتي كتبها بين عامي 1967 و1968، وفيها يقول:
آملُ أن يكون الوداعُ ساعةَ لا أكون، آملُ أَن تُقتلَ العصافير يومَ أكونُ بعيدًا، آملُ أن يموت الأحبّاء يوم أكون في سَفَر، آملُ كثيرًا، لأنّ العين الدامعة تُبكيني، وكم من شيء أريدُ منه أن أَتدارى، لكنْ لا مفرَّ مِنَ الدموع.
سألوني الناس
في عام 1971 عاد إلى الموسيقى، وكان أول لحن له أغنية "ضلك حبيني يا لوزية"، وفي عمر السابعة عشرة، أي في عام 1973، قدّم أول لحن لوالدته التي كانت تلعب الدور الرئيسي في مسرحية "المحطة" للأخوين رحباني، وفي الوقت الذي كان فيه والده عاصي في المشفى كتب منصور الرحباني كلمات أغنية تعبّر فيها فيروز عن غياب عاصي لتغنيها في المسرحية، تاركًا مهمة تلحينها إلى زياد. فكانت أغنية "سألوني الناس" التي لاقت نجاحًا، ليتابع بعد ذلك تعاونه كملحن وموزّع مع فيروز، فقدم لها الكثير مثل: "أنا عندي حنين، البوسطة، عندي ثقة فيك، بعتلك، ضاق خلقي، سلّملي عليه، حبّوا بعضن، يا جبل الشيخ"، وغيرها. وقد شكّل هذا التعاون مرحلة جديدة في مسيرة فيروز الفنية.
الابن العبقري والمجنون
كتب الصحفي خليل صويلح: "الانقلاب الكبير في مسيرة زياد الرحباني يتجلّى في تعاونه مع السيدة فيروز في مغامرة تبدو للوهلة الأولى عصيّة على التحقّق. فكيف لهذا الصوت البرّي المؤلف من طراوة العشب، المبلّل بالمطر، ورائحة الثلج، و"ذهب أيلول تحت الشبابيك"، أن يشتبك مع كلمات ابنها الآتية من معجم آخر لا يشبهها: "كيفك أنت، عودك رنّان، عا هدير البوسطة"، على سبيل المثال... في لحظة مجنونة وعبقرية تمكّن زياد من سحب فيروز نحو بساطه الشعبي لتغادر سجادة العائلة، وتدخل بثقة إلى الأزقة الخلفية للحياة اليومية بقاموس غرائبي يحمل بصمة الابن العبقري والمجنون مثل الخس والزيتون، من دون أن تحتجّ على هذا التحول الذي يختبر حنجرة فيروز في هذه المنطقة الملتبسة، ساعيًا إلى خلخلة التاريخ الرحباني لها بتاريخ مضاد، بعيدًا من الرومانسية الريفية التي لم تعد موجودة إلا في بطون الكتب، ليؤكد أن فيروز تصلح لكل الأزمنة وكل الأدوار، وأن ما غنمه زياد الرحباني من ميراث العائلة، حوّله بخيمياء سحرية إلى ميراثه الشخصي. هجر ضيعة الرحابنة ومخاتيرها، وحكمائها وطرابيشها، و"لبنان يا أخضر حلو"، مستكشفًا صخب المدينة ومصحاتها وأسرارها، وشوارعها الخلفية من دون مراوغة أو مجازات".
ويختم صويلح قائلًا: "في لحظة لم تعد تشبهه، فهو غريب في الديار، وكل ما حوله ينبئ بالكارثة والهوان والتفاهة. سراج عتمة، ويأس مطبق، كما لم تعد حقنة الفكاهة المرّة التي كان يسرّبها إلى الشرايين تؤثر في الجسد المريض. انسحب من المشهد من دون أن يردّد هذه المرّة: "إيه في أمل" أو "بعدنا طيبين، قولوا الله".
صاحب مدرسة
يُعتبر زياد الرحباني صاحب مدرسة في الموسيقى العربية والمسرح العربي المعاصر، حيث أدخل عناصر الجاز والأنماط الغربية إلى النغمة الشرقية بأسلوب طليعي. وبعيدًا عن فيروز، تعاون مع عدد من النجوم مثل ماجدة الرومي ولطيفة، وكانت ثنائيته مع الراحل جوزيف صقر علامة فارقة، وفي مسرحياته سلّط الضوء على الواقع اللبناني بأسلوب ساخر، وتميّزت بالجرأة والتحليل العميق للمجتمع، حيث قدّم أول أعماله المسرحية "سهرية" في السبعينيات، وتلاها "نزل السرور"، و"بالنسبة لبكرا شو"، و"فيلم أمريكي طويل"، و"شي فاشل"، وكانت أعمالًا مارس فيها النقد السياسي والاجتماعي في ظل الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990).
وسياسيًا، انتمى زياد الرحباني إلى اليسار اللبناني، وانحاز إلى الفقراء والمهمّشين. ورأى في الشيوعيّة موقفًا من العدالة، لا تنظيرًا أكاديميًا، وعبّر عن آرائه السياسية في أغانيه، كما في ألبومي "أنا مش كافر"، و"بما إنو"، وكذلك في كتاباته الصحافية من خلال عموده الثابت في جريدة "الأخبار".