كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أربعة وجوه للمرأة في السينما المصرية

علي بدر

السينما ليست مجرد شاشة وظلال، بل هي حقل من التناقضات، مرايا تعكس وجوهنا الخفية، اختلاجات أرواحنا، وهواجسنا الأكثر تعقيدًا. وإذا كانت السينما المصرية قد احتضنت نساءً كثيرات، فإنها اختزلت جوهر الأنوثة المصرية في أربع أيقونات: فاتن حمامة، هند رستم، سعاد حسني، وشادية. لكن ما يجمعهن هو ذاته ما يفرقهن، وما يوحدهن هو ذاته ما يجعل كل واحدة منهن عالمًا قائمًا بذاته. إنهن أربعة أقدار، أربعة مذاهب في الوجود، أربعة ألوان للمرأة، لكنها جميعًا تحتفظ بسر واحد: القدرة على إعادة تعريف الأنوثة وفق سياقها الخاص.
إذا كانت فاتن حمامة هي الوجه الذي يعيد تشكيل الحب كقيمة مطلقة، فإن هند رستم هي الوجه الذي يعيد تعريف الرغبة كقوة غير قابلة للإنكار. فاتن، بعذوبتها، تحوّل الحب إلى فعل مقاومة، إلى ألم نبيل، إلى جرح أبدي لا يلتئم إلا بالمزيد من المشاعر. هند، بجسدها المتوهج، تحوّل الأنوثة إلى سلاح، إلى وسيلة للهيمنة، إلى قانون يحكم الكادر السينمائي من اللحظة الأولى.
فاتن حمامة هي المرأة التي تحب رغم العذاب، وهند رستم هي المرأة التي تُعذِّب لأنها تريد الحب. الأولى تتألم لأنها تهوى، والثانية تهوى لأنها تتألم. الأولى تحاول أن تنتزع الحياة من القدر، والثانية تحاول أن تنتزع القدر من الحياة.
في دعاء الكروان، تحاول فاتن أن تنتقم لكنها تقع في فخ العاطفة، بينما في باب الحديد، تعرف هند أنها تلعب بالنار، لكنها تستمر رغم ذلك، لأنها لا تخشى أن تحترق. إنهما وجهان متناقضان للمرأة: المرأة التي تحاول أن تصون نفسها رغم الحب، والمرأة التي تحاول أن تنتزع الحب رغم كل شيء.
إذا كانت فاتن وهند تمثلان طرفي الحب والإغراء، فإن سعاد حسني وشادية تمثلان بُعدين آخرين للمرأة المصرية: الفتاة المتمردة والمرأة الحنون، الراقصة التي تتحدى والثائرة التي تحب.
سعاد حسني ليست هند رستم، رغم أنهما اشتركتا في الجاذبية، لكنها كانت جاذبية طفولية، مراوغة، لا تخضع للأنماط التقليدية. هي ليست المرأة التي تُدرك تمامًا تأثيرها على الرجال، بل الطفلة التي تُغري دون وعي، التي تلهو بالحياة لكنها تدرك، في أعماقها، أن الحياة تلهو بها أيضًا.
أما شادية، فهي مزيج من الهشاشة والقوة، من اللين والصلابة. هي المرأة التي تحب دون أن تفقد كرامتها، التي تبكي دون أن تكون ضعيفة، التي تتحدى ليس بتمرد صاخب، بل بصبر طويل. سعاد كانت صاخبة، ضاحكة، مشاكسة، تحارب المجتمع من خلال الرقص والغناء والحياة الصاخبة، بينما شادية كانت أقرب إلى المرأة التي تواجه الألم بالحكمة، التي تعيد تشكيل الحب ليكون درعًا بدلًا من أن يكون خنجرًا.
في خلي بالك من زوزو، ترفض سعاد أن تُعامل كفتاة منبوذة، تقف على خشبة المسرح وتُغني وتتحدى، بينما في شيء من الخوف، تقف شادية بثبات، تواجه الطاغية ليس بالصرخات، بل بالصمت القاتل، بالنظرة التي تختزن ألف احتجاج دون أن تنطق.
رغم أن فاتن وسعاد كلاهما لعبتا أدوارًا رومانسية، إلا أن رؤيتهما للحب كانت متناقضة تمامًا. فاتن ترى الحب كوجع أبدي، كألم راقٍ، كقدر لا يمكن الفكاك منه، بينما سعاد ترى الحب كاحتفال، كفرح، كشيء يمكن التلاعب به والاستمتاع به.
في نهر الحب، تقف فاتن بين واجبها الزوجي وعاطفتها الحقيقية، لا تختار بسهولة، تتعذب، تموت في داخلها قبل أن تموت في الواقع. الحب عندها معاناة. أما سعاد، في الحب الضائع، فتجسد الحبيبة التي تحب بكل خفة، بكل جنون، بكل تقلبات النفس البشرية، الحب عندها مغامرة وليس تضحية.
فاتن هي المرأة التي يُلقي بها الحب إلى التهلكة، وسعاد هي المرأة التي تلهو بالحب، تحوله إلى لعبة، إلى غناء، إلى رقصة طويلة لا تنتهي إلا بالسقوط.
إذا كانت فاتن وسعاد تناقضتا في الحب، فإن هند وشادية تناقضتا في الأنوثة. هند هي سيدة الجسد، وشادية هي سيدة القلب. هند كانت تعلم أن الرغبة قوة لا يُستهان بها، وأن الجمال يمكن أن يكون قوة مدمرة، بينما شادية كانت تعلم أن القلب، مهما كان رقيقًا، يمكنه أن يقلب الموازين.
هند، في امرأة على الهامش، تلعب دور المرأة التي لا تجد سوى الإغواء وسيلة للحياة، لكنها في النهاية تدرك أن العالم لن يسمح لها بالبقاء على هذا النحو. أما شادية، في مراتي مدير عام، فتصنع نموذجًا جديدًا للمرأة، ليست مجرد عاشقة، بل امرأة ذات عقل، ذات سلطة، ذات قدرة على التغيير دون أن تفقد أنوثتها.
في النهاية، هذه الوجوه الأربعة ليست متناقضة بقدر ما هي تكاملية. إنها وجه واحد للمرأة المصرية، في أزمنتها المختلفة، في تحولات الحب، في انكسارات الشغف، في الخفة والثقل، في الإغواء والإخلاص، في الطفولة والنضج، في الفوضى والترتيب.
فاتن حمامة هي الوجع الذي لا يُمحى، هند رستم هي الرغبة التي لا تُكبح، سعاد حسني هي الضحكة التي تحمل ألف دمعة،
شادية هي الحنان الذي يخفي داخله أعنف العواصف. وهن جميعًا، في النهاية، مرايا المرأة المصرية في كل أزمنتها… في كل احتمالاتها… في كل قدرها الذي لم يُكتب بعد. 
مختارات من ذكريات مع فـهــد بــلان.. ح (12 و13)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (10و 11)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (9)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح(8)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (6)
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح (4)
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان- ح (2) و(3)
"أكاديمية دار الثقافة" تطلق اليوم الفيلم الوثائقي "الهدف" في مخيم مار إلياس
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح(1).. مع البدايات
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح(7).. وكانت البداية من حلب الشهباء
فواز الساجر و"ثلاثية نكون أو لا نكون"
مختارات من ذكريات مع فـهــد بــلان.. ح (5): الفهد والاختبار الأول في إذاعة دمشق
9 كتب جديدة ضمن إصدارات الهيئة العربية للمسرح
بعد ختام الدورة "38" للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء التتويج حافز لتطوير التجارب.. والمهرجانات الكبرى تعيش بما تتركه من أثر
محمّلاً بالأسئلة الراهنة صدور العدد 47 من مجلة المسرح العربي