كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

بلبل المسرح يغرّد بعيداً

أمينة عباس- فينكس

لم تكن خسارة الحركة المسرحية بشكل خاص والثقافية بشكل عامّ برحيل فرحان بلبل أحد روّاد المسرح في سورية خسارة لكاتب أو مخرج أو باحث فحسب وإنما كانت خسارة لكل هؤلاء مجتمعين وهو الذي أسّس وكتبَ وأخرج ودرَّس، فكان رجلَ مسرحٍ بامتياز وعلامة فارقة في تاريخ المسرح السوري والعربي، وقد أمضى حياته باحثاً ومفتشاً في كل ما يتعلق بالمسرح، فكان من ضمن عشرة من المسرحيين المكرّمين في العالم في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، كما تُرجِم العديد من أعماله المسرحية إلى اللغة الألمانية.

لُقّب الراحل بألقاب كثيرة: "شيخ المسرح، بلبل المسرح، عرّاب حمص المسرحي" ووصفه الكاتب تيسير خلف بأنه أحد ثلاثة حفظوا أمانة المسرح في تاريخ سورية إلى جانب أبو خليل القباني وعبد الوهاب أبو السعود، لذلك ليس من السهل تلخيص مسيرة غنية ومتنوعة ورائدة لفرحان بلبل الذي كان معجوناً بالمسرح الذي ما إن تعرّف عليه حتى وجد ضالّته فيه، وكثيرون ربما لا يعرفون أنه بدأ حياته كشاعر ولم يكن يعرف شيئاً عن المسرح، ومنذ المرحلة الإعدادية ولحين تخرّجه من جامعة دمشق–قسم اللغة العربية كان شغوفاً بقراءة التراث الأدبي العربي من شعر ونثر والأدب العربي المعاصر والأدب الغربي، وبعد التخرج عام 1960 عمل مدرّساً لمادة اللغة العربية للمرحلة الثانوية في مدينة القامشلي الواقعة في أقصى الشمال الشرقي من سورية والتي كتب فيها أول نصّ مسرحيّ بناء على طلب أحد فنانينها والذي غدا فيما بعد أحد الممثلين المتميزين وهو الفنان اسكندر عزيز، وقد حمل النص عنوان "الثأر الموروث" ويتحدث عن أسرة فلسطينية تهاجر من فلسطين بعد النكبة، وسرعان ما نسي بلبل المسرحَ وعاد إلى الشعر، وفي العام 1964 وبعد عودته لمدينته حمص وانخراطه في النشاط الثقافي فيها شعر أن الشعر ليس ميدانه، ونهض المسرح الذي لا يعرف عنه شيئاً في نفسه، فكان أول ما فعله هو قراءة الكتب التي تتناول هذا الفن بأصوله وتاريخه ونتاجه ومشاهدة العروض المسرحية السورية، وبعد سنواتٍ أربع تجرأ على أن يكتب بعض النصوص التي تجاوز عددها ال 15 قام بإتلافها لإيمانه أنها كانت حقل تجارب، ثم كتب أول مسرحية عام 1969 وهي "الجدران القرمزية" لتتتالى أعماله فيما بعد كاتباً ومخرجاً، والأهم تأسيسه لفرقة المسرح العمَالي ضمن اتحاد عمَال حمص عام 1973 والتي أصبحت رائدة في ميدان المسرح العمَالي في سورية والوطن العربي والتي قدمت عروضها في عدد من المدن السورية وفي مناطق الريف والتجمّعات العمّالية، وشاركت في مهرجان دمشق للفنون المسرحية عدّة مرات، وفي العديد من المهرجانات السورية، وبلغ ما قدمته الفرقة أكثر من 40 عملاً مسرحيّاً، أكثرها من إخراجه، وبعضها من تأليفه مثل: "الممثلون يتراشقون الحجارة" و"العشاق لا يفشلون" ومنها نصوص سورية مشهورة مثل "الملك هو الملك" للكاتب سعد الله ونوس، ونصوص عربية مثل "مأساة الحلاج" لصلاح عبد الصبور، ونصوص أجنبية متعددة، بالإضافة إلى تقديمها لمسرحيات موجهة للأطفال بعد أن اتجهت الفرقة عام 1979 إلى مسرح الأطفال.

في العام 2018 اختارته الهيئة العربية للمسرح لكتابة وإلقاء كلمة يوم المسرح العربي في مهرجان المسرح العربي بدورته العاشرة في تونس، وفيها تحدث عن مسيرة عمله في المسرح قائلاً: "عملتُ في المسرح أكثر من أربعين عاماً، وكانت لي فيه مجموعة قواعد سرتُ عليها طوال هذه المدة وهي أن يعالج المسرح هموم وقضايا عصره، وأن يتوجه إلى الجمهور العريض في شرائحه كافة، وأن يكون ممتعاً مثيراً فاتناً، لهذا كانت فرقتنا المسرحية تجوب أنحاء سورية شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً وتقدم المسرحية الواحدة مرات كثيرة، وكما اهتممتُ بالمسرح السوري فقد اهتممتُ بالمسرح العربي فأدركتُ أكثر خصائصه وميزاته وعيوبه، ووجدتُ أنه يتنوّع في أقطاره تنوع الإبداعات الخاصة بكل قطر، ويتمتع بخصائص واحدة رغم كل التباينات والتناقضات فيه.. لقد عرف العرب المسرح كما هو مُتَداول في كتب النقد منذ ما يزيد قليلاً عن قرن ونصف القرن، لكنهم خلال هذه المدة القصيرة أتقنوه وتفننوا فيه كتابة وإخراجاً وتمثيلاً، كما أتقنوا بقية أشغاله المتممة له، وما كاد القرن العشرون ينتهي حتى كان المسرح في جميع الأقطار العربية على تفاوت بسيط بينها قد توغّل في حياة الناس فأمتعهم وثقّفهم وناقش معهم أخطر قضاياهم، فكانت ليالي العرب مع المسرح سمراً ومتعة وثقافة، لكنه منذ أواخر القرن العشرين حتى اليوم صار مضطرباً ضائعاً لا يعرف ماذا يجب أن يقول، ويتخبط في أشكاله، فلا يعرف كيف يتقنها، وهذا ما جعله عاجزاً عن تأدية مهمته الاجتماعية والفنية والجمالية، واضطرابُ المسرح العربي اليوم وضياعه نتيجة حتمية لأوضاع الوطن العربي الذي يعيش اليوم تمزقاً في بعض أقطاره، وتحمحماً مكبوحاً برغبة التغيير الاجتماعي في بعض أقطاره، وضبابيةً في النظرة إلى المستقبل في كل أقطاره".. ويختم فرحان بلبل كلمته بالقول: "أريد أن يكون المسرح العربي حراً، ونريد أن تُقفَلَ مخافر الشرطة في عقول المبدعين وأن تتحطم القيود المفروضة على ألسنة المسرحيين وعلى أفكارهم، وأن يزول الخوفُ من قلوبهم عندما يفكرون، فهل يستطيع المسرحيون العرب اليوم انتزاعها بأنفسهم والدنيا جحيمٌ من حولهم؟ وهذه المطالب ليست فنية وفكرية فحسب بل هي إنسانية تحفظ للمسرحي العربي كرامته حتى يستوي بها مبدعاً، والمطالبة بها والدفاع عنها والإصرار عليها تعطي احتفالنا بيوم المسرح العربي قيمته، فهو يوم لحرية التفكير وحرية المطالبة بكسر كل القيود".

كتب فرحان بلبل دراسات وأبحاثاً في المسرح، نذكر منها: "المسرح العربي المعاصر في مواجهة الحياة، أصول الإلقاء والإلقاء المسرحي، مراجعات في المسرح العربي منذ النشأة حتى اليوم، المسرح السوري في مئة عام 1847-1946، المسرح التجريبي الحديث عالمياً وعربياً، من التقليد إلى التجديد في الأدب المسرحي السوري، مسرحنا العربي.. واقعه وآفاقه" كما أصدر المجموعة الكاملة لأعماله في خمسة مجلدات، الأربعة الأولى تضم النصوص المسرحية التي كتبها، والمجلد الخامس مجموعة الحوارات الصحفية التي أجريت معه على مدار أكثر من ثلاثين عاماً.

مختارات من ذكريات مع فـهــد بــلان.. ح (12 و13)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (10و 11)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (9)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح(8)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (6)
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح (4)
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان- ح (2) و(3)
"أكاديمية دار الثقافة" تطلق اليوم الفيلم الوثائقي "الهدف" في مخيم مار إلياس
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح(1).. مع البدايات
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح(7).. وكانت البداية من حلب الشهباء
فواز الساجر و"ثلاثية نكون أو لا نكون"
مختارات من ذكريات مع فـهــد بــلان.. ح (5): الفهد والاختبار الأول في إذاعة دمشق
9 كتب جديدة ضمن إصدارات الهيئة العربية للمسرح
بعد ختام الدورة "38" للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء التتويج حافز لتطوير التجارب.. والمهرجانات الكبرى تعيش بما تتركه من أثر
محمّلاً بالأسئلة الراهنة صدور العدد 47 من مجلة المسرح العربي