الهيئة العربية للمسرح تختار المسرحي الفلسطيني فتحي عبد الرحمن ليكون صاحب رسالة اليوم العربي للمسرح
أمينة عباس- فينكس
تقديراً لمسيرته الفنية المليئة بالعطاء والإبداع وتكريماً لجهوده الكبيرة في إثراء المشهد المسرحي الفلسطيني والعربي اختارت الهيئة العربية للمسرح الفنان المسرحي الفلسطيني فتحي عبد الرحمن ليكون صاحب رسالة اليوم العربي للمسرح والتي سيلقيها في 10 كانون الثاني 2025 ضمن فعاليات الدورة 15 من مهرجان المسرح العربي التي ستقام في مسقط عاصمة سلطنة عُمان من 9 إلى 15 كانون الثاني 2025 وبيّن الأمين العام للهيئة العربية للمسرح أ. اسماعيل عبد الله في تصريح له بهذه المناسبة قائلاً: "ينضم فتحي عبد الرحمن برسالته إلى كوكبة من ألمع الأسماء العربية التي كتبت وألقت رسالة اليوم العربي للمسرح كانت أولها في العام 2009 حيث كتبها وألقاها د. يعقوب الشدراوي وحتى رسالة 2024 التي كتبتها وألقتها الفنانة نضال الأشقر، وتحرص الهيئة على أن تكون هذه الرسالة السنوية مشعلاً جديداً ينير درب المسرح العربي نحو الرصانة والأصالة والانفتاح والتحام المسرح العربي مع مسارات أمته في صناعة تاريخها".
يُعدّ فتحي عبد الرحمن واحداً من أبرز المسرحيين الفلسطينيين وهو المولود عام 1953 في مخيم عقبة جبر قرب أريحا، حاصل على بكالوريوس نقد فني من المعهد العالي للفنون المسرحية في القاهرة وبكالوريوس في الإخراج المسرحي من أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، وفي رصيده عشرات المسرحيات مثل "الغرباء لا يشربون القهوة- ماري أنطوانيت- الأميرة القبيحة"، وإيماناً من فتحي عبد الرحمن بأن الفن وسيلة للدفاع عن قضية بلده وجزء لا يتجزأ من المقاومة وأن المسرح بالنسبة له لا يقتصر على كونه فناً بل هو أداة للتعبير عن معاناة الشعوب وإيقاظ الوعي الجماعي قدم عدداً كبيراً من الأعمال الداعمة للقضية الفلسطينية كممثل ومخرج سواءً بطريقة مباشرة أو بأسلوب الخطاب غير المباشر لتوصيل الرسالة ومقاومة القمع والظلم بطرق وأساليب مختلفة، فكانت بداية علاقته بالمسرح من خلال مسرحية "الغرباء لا يشربون القهوة" التي تسرد مقاومة الاحتلال للكاتب المصري محمود دياب، ثم مسرحية "الفرافير" للكاتب المصري الراحل يوسف إدريس والتي تتحدث عن الظلم والاستبداد والعلاقة بين العبد والمُستعبِد، كما جسّد منذ سنوات عديدة وحشية العدو ضد سكان قطاع غزة من خلال مسرحية "الضوء الأسود" التي تتحدث عن القنابل التي يستخدمها الكيان الصهيوني في الدمار والإبادة واستخدام الفوسفور الأبيض الذي يستخدمه العدو منذ 30 عاماً حتى اليوم، كما جسّد في مسرحية "رحلات أبو الخيزران" واقع الحياة في قطاع غزة والمأخوذة من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب غسان كنفاني رغبة كثير من الفلسطينيين وسكان قطاع غزة ومحاولتهم الهروب بعيداً عن الموت بالبطيء الذي يعيشونه من خلال الهجرة بطريقة غير شرعية عن طريق البحر إلى أوربا، في حين عبّر من خلال مسرحية "قلنديا رايح جاي" وهي من تأليفه وإخراجه عن محاولات الاحتلال الإسرائيلي تهجير الفلسطينيين وسكان القدس المحتلة وتهويد المدينة.
ولم يبتعد فتحي عبد الرحمن في رسالته عن قضيته، مشيراً إلى ما اقترفته إسرائيل من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية، قائلاً: "لن يكون لأيّ إنسانٍ حقيقيّ من خيارٍ يُفصحُ من خلاله عن إنسانيّته إلا خيار الاصطفاف الحاسم مع فلسطين أرضاً وشعباً وحضارةً وتاريخاً كونها تسعى لتحرير وطنها من احتلال صهيونيّ طالَ أمده وحان وقتُ دَحْره والخلاصُ منه.. إنّ قضية فلسطين لقضيةٌ سياسيّةٌ وطنيّةٌ وإنسانيّةٌ كونيةٌ بامتياز، فهي قضيّةٌ وثيقةُ الصّلة بمناهضةِ شعوبِ العالمِ للحربِ والنّهب والتّدميرِ والهتكِ والفتكِ والإبادة، ولكنّ سرّ بقاءِ القضية الفلسطينية الذي عجزت الحركة الصهيونية والاستعمار الغربي الأوروأمريكي عن إدراكه إنّما يتجسّد في العُرى الوُثْقى التي تربطُ الشّعب الفلسطينيّ بأرضِ وطنه، وتاريخه وحضارته، وفي إيمانه بقضيته وحقوقه الوطنية والإنسانيَّة، وفي استعداده المستمر لمقاومة الاحتلال مقاومةً شعبيةً شاملة حتّى يتمكّن من تحرير وطنه من الاحتلال الصّهيونيّ وتجسيدِ قيامِ دولته الفلسطينيّة المدنيّة الدّيمقراطيّة المستقلّة ذات السيادة فوق كاملِ تُرابه الوطني".
كما لخص عبد الرحمن في رسالته سيرته الشخصية والفنية قائلاً: "عائلتي المسرحية الكبيرة هي التي رسخت إيماني بالمسرح وبالفنون، وهي التي أسهمت في تعميق معرفتي الفكرية والجمالية وتوسيعها، وفي تمكيني من بلورة خياراتي الذاتية التي جعلتني أكثر إدراكاً لكينونتي الوجودية ولقضيتي الوطنية الإنسانية العادلة وذلك على نحو أقلّني لأن أرسّخ التزاماً بأداء واجبي إزاء مسؤولية الدفاع عن هويتنا العربية الإنسانية وروايتنا الحضارية التاريخية الراسخة وإنسانيتنا الجوهرية الجامعة التي تساوي بين البشر وتجنبهم الوقوع في فخ العنصرية والانعزال والنرجسية وتضخّم الذات"، كما بيّن في رسالته امتنانه للمخرجين والممثلين والمسرحيين المبدعين العرب الذين جايلهم أو الذين تتلمذ على أيديهم أو الذين تقاسموا السير في الدروب الإبداعية الشيقة حاملين مشاعل الإبداع في مركب الفن الساحر، فأولئك برأيه هم الرواد المقاتلون في سبيل الحقيقة والحق والجمال والسمو والنبل والمبدعون الأفذاذ الذين فتحوا أمام جيله آفاق الإبداع المسرحي، كما لم ينسَ في رسالته توجيه الامتنان لجمهور مسرحنا العربي الذي ما فتئ حضوره وتفاعله وتقديره للمسرح يبعث الدفة في قلوب المسرحيين، إذ يشاركهم الأمل والتأمل في أحوالنا والاحتجاج والغضب على انتكاساتنا وتراجعنا، مؤكداً: "ليس ثمة من سبيلٍ أمام المسرح للاستمرار في أداءِ رسالته التي هي رسالتنا كمسرحيين أوفياء دون الاحتفاظِ بالجمهور عبر الالتزام بالتعبير الصادق عن أحواله الحياتيّة ومكابداته وأشواقه والحرص على الارتقاءِ بوعيه الجماليّ وذائقته الفنيّة وتوسيعِ قاعدته وتعميقها وضمانِ مشاركته التّفاعلية الخلّاقة وذلك بالذّهابِ المتواصل بلا أدنى انقطاع إلى الناسِ عَبرَ تنظيمِ جولاتٍ ميدانيةٍ للعروضِ المسرحيّة المتلازمةِ مع تنظيمِ حلقاتِ نقاش وحواراتٍ مع الجمهور عقبَ كل عرضٍ مسرحيّ، ونجعلُ من عروضنا في المدن، ولا سيّما في المسارح المجهزة حدثاً فنياً وثقافياً يُتوج جولاتنا الميدانيّة وجهودنا المتعلقة بالذّهاب إلى الناس، وينتصر للمسرح كظاهرةٍ حضاريةٍ ذات رسالة إنسانيّة سامية".
وعن المسرح كتب: "المسرحُ عشقنا وبهجتنا وخيمتنا الدافئة التي نستظلّ بها، وفي رحابها نبوحُ بأفكارنا وأسرارنا وكُلّ مشاعرِنا.. إنّه حياتُنا التي نَحلم بإبداعها وعيشها، وهو حلمنا التّخيليّ الدّائب بكيفيات بناءِ عالمٍ بشريّ أبهى وأجمل، أو على الأقل عالم بشرِي أقلّ وحشة ووحشيّة وعنصريّة وفاشيّة ومعاداة للإنسانيّة، وألف نعمٍ ونعمٍ للمسرح الذي هو مخيالنا ومجالُ إبداعنا ومتعتنا وجنوننا العبقريّ الخَلّاق وشرفتنا التي نطلّ منها ومعها وبعيونها اليقظة والمفتوحة على وسعها على العالم الشاسع لنطرح الأسئلةَ ولنتعلّم الحكمة، ولنَعِش الحبّ ولنقرأ التاريخ ونستَلهم دروسَه فيما نحن ندرك حقائقَ الواقعِ القائمِ ونستقرئ ممكناته ونستشرفُ آفاق المستقبل المنشود.. يعلّمَنا المسرحُ الإصغاءَ والتأمّل والتّفاعُل الحواريّ والأخذ والرّدَ واحترامَ الاختلافِ وقبول النقد وتنظيمَ الاشتباك وليس مسرحاً حقيقياً ذلك المسرح الذي لا يؤسسُ نفسه على قبولِ الاختلاف الخَلَاق والتّعدّديّةِ الثّقافيّة المُثْمرة، والتنوّع الإنْسانيِّ، وليسَ مسرحاً حقيقيّاً ذاك الذي لا ينتصر لقضايا الإنسان وللمبادئ والقيم الإنسانيّة السّاميَة وفي صلبها الحرية والكرامة والحقّ والعدلُ والمحبّة والجمال، وغيرها من المبادئ الإنسانيّة والقيم الأخلاقيّة التي لا تجعل العيش على كوكبنا محتملاً ومتوازناً وقابلاً للاستمرار والازدهار فحسب، بل كذلك تجعله مبهجاً سعيداً وذا قيمةٍ حياتيّة ودَلالةٍ إنسانية ومعنى وجوديّ".