كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ما فاتك جُلُّه فلا يفوتنك كُلُّه

د. جهاد عطا نعيسة

خسرت السينما العربية هذا العام مبدعاً سورياً متألقاً هو عبد اللطيف عبد الحميد (1954ـ 2024)م، وكنت كتبتُ بضعة سطور لدى مشاهدة فيلمه "ما يطلبه المستمعون" وذلك في دعوة من "جمعية عاديات جبلة" التي كانت تنظم احتفاليةً ثقافية سنوية، وهي انطباع سريع عن الفيلم لم أنشره لسبب ما، أوجهه الآن تلويحةَ وداع متأخرة بالتأكيد لكن...!
إلى روح مبدعٍ كبير قسى عليه الزمن كثيراً، كما قسى على مبدعين آخرين في شرطٍ شخصي وعام بائس بما فيه الكفاية.
عبد اللطيف عبد الحميد
"مايطلبه المستمعون"
كل ذلك الشجن الجميل...
"""""""""""""""""""""""""""""""""
""""""""""""""""""""""""""""""""
هادئاً ونزقاً، رحوماً وقاسياً، أليفاً ونفوراً. مرة إثر أخرى، يتكشف لنا هذا المُرَكَّب الإنساني الفريد الذي يصوغ عالمَ السينمائي السوري الأكثر إشكالاً والأكثر ثراءٍ عبد اللطيف عبد الحميد، وذلك في فيلمه الجديد "ما يطلبه المستمعون"، الذي أُتيح لجمهور مدينة جبلة الساحلية السورية الصغيرة مشاهدتُه ضمن فعاليات مهرجانٍ محلي في شرط تقني بالغ الغبن (كاميرةُ عَرض فيديو، وشاشةٌ صغيرة وزوايا مُشاهَدَة لقاعة محاضرات، قد لا تتسع إلا لمقاطعَ من صور علمية اختبارية مستعجلة)، مع ذلك فشرط العرض المجحف كله، وشرط الإنتاج الأكثر إجحافاً لم يحولا دون التماهي بهذه القصيدة السينمائية بالغة الرهافة والجمال، فمن أين لـ"عبد الحميد" هذا المشاغب المتوقد أبداً بمشاريعة ووعوده كلُُ هذا الفيضِ من العطاء النامي المتجدد والأصيل أبداً، من أين كل هذه الطاقة الإبداعية الوثابة، التي لا تعرف - على ما يبدو- من الراحة إلا تلك اللحظاتِ التي تتيحها الحياةُ على عَجَلٍ لمحاربيها الأشدّاء كي ينفضوا بعضاً من غبار الحروب العالق بقاماتهم. و دائماً.. دائماً هي ليست سوى استراحةٍ عاجلة بين وقعتين، أو بين فيلمين، فمتى يترجَّلُ هذا الفارس لو بعضَ يومٍ وليلة كي يتأملَ أيَّ جمالٍ يصنع، وأيَّ عطر يُبَدِّد..؟
مع آخر مَشاهد عمله السينمائي الجديد، وحين نتحسس الحرقة المتبقية في عيوننا التي غرغر فيها الدمع، ندرك كم هو الفن جميل، وكم هو الجمال موجع أحياناً.
ليس المشهدُ ما قبلَ الختامي وحدَه هو الذي فجَّر دمع عيوننا، ذلك المشهدُ الذي سيذكره دائماً كل من يتيسر له مشاهدة الفيلم من عشاق الفن السابع؛ هذا الفن المرن المطواع غير المٌسْتَنْفَد، الذي يتسع دائماً لكل كثافات الحياة ورهافات النفس البشرية في انتصاراتها وهزائمها، و أفراحها وأتراحها، ليس ذلك المشهد وحده الذي فجر دمع عيوننا؛ حيث تدور عربة مدفع مُدَمَّر بثلاثة أجساد إنسانية شابة هامدة منطوية على نزيف جراحها وفجيعة موتها القاهر، ثلاث قامات كانت للحظاتٍ خلت تملأ فضاء الشاشة السحري بنشوة حضورها العارم، تدور وتدور فيما يصدح صوت فيروز يشق صدرَ الفجيعة، بصدمة جمالية مفارقة، تصنع للمشهد قوةَ تأثيره الذي لا يُنسى، مع ندائها الذي يغلغل عروقَ أساه في أعمق أعماقنا: "جايبلي سلام"، في الأغنية التي أرجأ برنامج "ما يطلبه المستمعون" بَثَّها إلى اللحظة التي لم يعد بمقدور من أُرسِلَ السلامُ إليه فيها أن يتلقاه؛ إنه أحدُ أصحاب القامات المطوية على فجيعة موتها، التي كانت تدور بها عربة المدفع المُدَمَّر آنذاك، هو المُجَنَّدُ العاشق الذي لم يمضٍ طويلُ وقتٍ على عودته من إجازة سبع عشرة ساعة اختلسها من عبث الأقدار ـ وربما حكمتهاـ استطاع فيها أن يقابل محبوبته، وأن يجهر بحبه لها في صراخٍ نشوان مجنون راح يشق حُجُبً الصمت الليلي السادر، الذي كان يلفُّ المسافاتِ المتراميةَ للقرية الجبلية الغافية، قبل أن يدور في عربة موته الغادر مع رفيقيه.
ليس هذا المشهدٌ الحارق هو ما فَجَّرً دمعَ عيوننا فحسبْ، بل كل تلك القيم الجمالية، التي فاض بها الكثيرُ من مشاهد الفيلم ولحظاتهُ النادرة؛ ذلك أننا نجد أنفسنا دائماً في حضرة الجمال متلبسين بالبكاء، وكأن قَدَرَ "الجميل" أن لا يمنحنا نفسه، إلا وهو يتلقى ضريبة الغبطة التي ينعش بها نفوسَنا الظامئة؛ شيءٌ ما يعثر على بلاغة تعبيره في ذلك الفيض من الشجن حين يتملكنا السحرُ الذي ينثال به إبداعُ "عبد الحميد" السينمائي، حتى وهو يزرع الضحك الطليق على صفحات وجوهنا.
هي متوالياتٌ من القيم الجمالية الأخاذة تتدفق ملءَ أسماعنا وأبصارنا، مشهداً إثر آخر، فلا تدري، أتعيش زمناً فيلمياً عابراً تزيح به شطراً من عبء حياتك الشاقة السئمة، أم تعيش مرة أخرى حياةً هي حياتُكَ أنت نفسك، حياتك المُضَيّعة التي بدَّدها الزمن ونَسِيتَها، أو نستك، ثم فجأة.. ها هي ذاكرةٌ رهيفةٌ قاطعةٌ كنصل خنجر تشهرها في وجهك مرة واحدة، فلا تملك فكاكاً وأنت تتساءل: أيةُ ذاكرة متألقة هذه التي َتُجَمِّعُ خيوطها أمام عينيك فتعيشها لحظة لحظة..؟
وبعد...
أليس هذا هو الشعر..؟
شعرُ الحياة الذي لا ينضب، حين تجلوه ذاكرة ومخيلة متقدتان ونضيرتان ومترعتان بقوة موهبة تهزأ بكل تلك التجارب القاصرة، أو الحماقات الدعيّة التي يُتحفنا بها أخماس وأسداس وأسباع شعراءٍ يتوهمون شاعريةً وشعراً، وليس لديهم منها ومنه سوى ذلك الوهمِ الذي تنتفخ به أوداجُهم، وكأن الشعرَ هو بضعةُ سطورٍ مجزوءة متعاقبة من نثرِ يكابد معنى يرسم الإدهاشَ السطحي، أو اصطناعُ بضعِ مفارقاتٍ، أو عذوباتٍ مفتعلة تنطفئ قبل أن تلامس الهواء.
متى يدرك هؤلاء أن الشعر الحقيقي تجربةٌ عميقة ومعاناة إنسانية ومعرفية وإبداعية لا تمنح نفسها إلا لفرسانٍ مُجَلّين بذلوا النفس والوقت والجهد لها.
بين مَشاهد "مايطلبه المستمعون" يتألق مشهد الافتتاح حين تداني الكاميرا صندوقَ بريد متوهج بحمرته، وكأن في توهج حمرته احتفاءً متواطئاً مع توهج القلوب التي تودعُهُ أسرارَها.
صندوقُ بريد أحمرُ قانٍ يفتح الذاكرة على طقس قديم كدنا ننساه ونحن نتوجه برسائلنا إلى هذه الكوة أو تلك في مبنى البريد، حيث يطالعنا مثل قدر مشؤوم وجهٌ ضيَّع التقطيبُ والعبوسُ ملامحه، فنحرص على أن ننجز مهمتنا معه بأقل الخسائر الممكنة.
مِن تَوَهّج صندوق الذكريات الغابرة، تكرج الكاميرا متمهلة صوب فرجةٍ بين صفَّي بناء متقابلين، في شارع ضيِّق منحدر تكشف فسحةً من مشهد بحري، قبل أن يُسلِم البحر رحابتَهُ للكادر السينمائي كاملاً فتتدفق حكايةُ حياة، أو حياةُ ذاكرة، وتتدفق معها أبياتُ قصيدة عبد اللطيف عبد الحميد السمعية / البصرية الجديدة":
ما يطلبه المستمعون". 
مختارات من ذكريات مع فـهــد بــلان.. ح (12 و13)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (10و 11)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (9)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح(8)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (6)
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح (4)
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان- ح (2) و(3)
"أكاديمية دار الثقافة" تطلق اليوم الفيلم الوثائقي "الهدف" في مخيم مار إلياس
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح(1).. مع البدايات
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح(7).. وكانت البداية من حلب الشهباء
فواز الساجر و"ثلاثية نكون أو لا نكون"
مختارات من ذكريات مع فـهــد بــلان.. ح (5): الفهد والاختبار الأول في إذاعة دمشق
9 كتب جديدة ضمن إصدارات الهيئة العربية للمسرح
بعد ختام الدورة "38" للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء التتويج حافز لتطوير التجارب.. والمهرجانات الكبرى تعيش بما تتركه من أثر
محمّلاً بالأسئلة الراهنة صدور العدد 47 من مجلة المسرح العربي