كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"مدرسة الرحابنة" ظاهرة فنية متميزة في عالم الموسيقى

د. ملاك سباعي

لقد ساهم الرحابنة بتأسيس تراث حديث لبناء موسيقى قادرة على البقاء لخواص متعددة اعتمدوا عليها:
-1-شعورهم بالانتماء: وهي خاصية تسبق الموهبة والحرفة، فانتماء الاخوين عاصي ومنصور الى"لبنان الوطن الصغير"والى الثقافة العربية لبلاد الشام ومصر "الوطن الكبير" كان حجر الزاوية في النجاح الذي حققته الموهبة وصنعه الاحتراف، وصقله الحس الاعلامي والانتاجي العالي للأخوين. انه انتماء متعدد الاطياف: انتماء الى القرية والى المدينة، انتماء الى القيم الروحية والأخلاقية، انتماء الى القضايا العربية والهم العربي في فلسطين، انتماء الى الفن الشعبي، انتماء الى الارث الموسيقي العربي الكلاسيكي.... باختصار هو انتماء الى كل واحد فينا من طفولته المبكرة الى شيخوخته المتأخرة... فالرحابنة عبروا عن الاطياف النفسية المختلفة التي تحيط بحياة كل فرد بتنوعاتها من البسيط الى المعقد ومن السهل الى المركب، عن طريق الأهزوجة وبالأغنية وبالقصيدة، وبالرقص الشعبي والفلكلوري، وبالمسرح وبالكورال، وبالغناء الجماعي، وبالغناء الافرادي.
2-انتهج الرحابنة نهجا ادبيا راقيا، حيث اعتمدوا على القاعدة الذهبية في الغناء "الكلمة هي الاساس في كل عمل فني" حيث استخدم الرحابنة الكلمة الجميلة في الزجل والشعر العمودي والكلمة المحكية والقصيدة.... بعد ان تمر جميعها تحت مجهر المستوى الفني اللائق بالمستمع الذواق.
ان انفتاح الرحابنة على الغرب كان السبب في ابتعادهم عن الاشكال الموسيقية الممطوطة او المكررة، او تلك المغرقة في تخدير الشعور و النفس، فتجنبا قصص الحب والغرام والعشق والوله واقتربا من الشأن العام ومن الحياة الواقعية للناس، كما استفاد الرحابنة من التقنية الغربية المسماة "التوزيع الموسيقي". كما انهما اهتما بالموسيقا الكلاسيكية العالمية،
ومايميز الرحابنة:
انهما عملوا على تشكيل فريق عمل. لم تكن فيه الفنانة المتألقة "فيروز" ورغم تميزها هي تلك النجمة التي يدور حولها الجميع، ولم يجعلوا منها تلك الانثى المتبرجة المغرية بل ارادوا ان يقدموها للناس بطبيعتها وبساطتها، المنسجمة مع اللحن والكلمة ليكون صوتها وفنها هو الجاذب الوحيد وليس شكلها.
كانت مصر تعتمد على مسألة 'التطريب'مع عمالقة التلحين والغناء في ذلك الوقت. واستطاع الرحابنة ابتداع "البديل الشامي" للثقافة الموسيقية المصرية. فلقد اقتربوا اكثر من البساطة والعفوية والحياة العادية التي تميز منطقة بلاد الشام. فمع ان صوت فيروز ليس من الاصوات القوية القادرة على الاستعراض، فهو صوت يمتاز بالرقة والعاطفة والاحساس، لقد انطلق من ارضية ثقافية غنية هي الكنيسة المارونية التي طبعت ذلك الصوت بطابعها وأمدته بما يحتاج اليه من استعارة صوتية تفاوتت فيها الرقة مع القوة والحنان مع العنفوان وما الى ذلك من أساليب الالقاء الغنائي الكنائسي الغربي.
اتجه عاصي ومن أربعينات القرن الماضي لتعلم الموسيقا على يد ابيه عازف البزق وتابع دراسته في العزف والعلوم الموسيقية على ايدي مختصين لبنانيين واجانب.
اما منصور فقد كان فطريا يميل الى الشعر بنوعيه الزجلي والعمودي.
ووجد الاثنان ضالتهما في صوت فيروز.... قاما في البدء بترجمة الاغاني الاجنبية ونقل نصوصها زجلا والحانا وشعرا الى العربية، وكان حليم الرومي صديق الاخوين فنصحمهما برفد موهبة فيروز بألحان وكلمات تتفق مع الغناء العربي...... وخاصة ان جيل الخمسينات كان قد بدأ يستسيغ الاغاني الغربية الرومانسية التي وجدت لها مرتعا جميلا في نفوس ذلك الجيل...
واذا كانت انطلاقة فيروز من الكنيسة المارونية، فلقد كانت انطلاقة الأخوين من الكنيسة الارثوذكسية.ومن المعروف أن الكنائس الشرقية تعتمد أصعب وأدق السلالم الموسيقية من سريانية وبيزنطية ويونانية، وهذا هو سر قوة الرحابنة في استيعابها للموسيقا الشرقية وفهمها العميق لتقسيمات الصوت وأجزائه المقامية، وكانت الفائدة الاكبر عندما درس الأخوان علوم الموسيقا الغربية واستطاعوا المزج بين أساليب الموسيقيين بما ينفع الأغنية العربية وينهض بها.
يمكننا تلخيص ماقامت به الرحابنة من أعمال في خدمة الاغنية العربية عموما بالنقاط التالية:
1-قيام مدرسة فنية قوامها الرحابنة من الارض العربية المعروفة بديار الشام تقف على قدم المساواة مع المدرسة المصرية.
2-أعطاء مفهوم جديد لقالب الأغنية السريعة نسبيا بحيث أصبحت شبيهة بالأغنية الغربية في مفهومها ولم يعد هدفها التطريب فقط.
3-احياء التراث الشعبي بدون المساس بجوهر الالحان الأساسية وأصالتها، فقد قاموا باحياء التراث الكلاسيكي لفن الموشحات والقيام بتلحين بعض الموشحات الاندلسية مستفيدين من تجارب حليم الرومي ومحمد محسن على نحو التلحين الرائع لموشح الشاعر الاندلسي: لسان الدين محمد بن عبد الله الخطيب: جادك الغيث اذا الغيث هما يازمان الوصل في الاندلس.
4-قام الرحابنة بتقديم بعض أعمال سيد درويش ونشرها على نطاق واسع حيث ساهموا بالتأكيد على أن الأعمال الخالدة تظل حية وعصية على النسيان... مثل أغنية "شمس الشموسة" التي لحنها وكتب كلماتها سيد درويش، زجل مصري ريفي، غنتها فيروز في المسرحية الغنائية "صباح الخير". كما غنت في المسرحية نفسها: "الحلوة دي قامت تعجن في الفجرية".... وهي ايضا لسيد درويش.
5-عمل الرحابنة على احياء المسرح الغنائي، فلولا محاولتهم الجادة لما كان للمسرح الغنائي ان يستعيد ماضيه الذي تألق في عصر ابي خليل القباني.
6-قام الرحابنة باستخدام الالات الموسيقية الغربية على نطاق واسع وباتقان فاق جميع من استخدمها من قبل.
أخيرا ان فيروز ظاهرة "والرحابنة ظاهرة" استطاعا معا ايجاد مستمع يصيخ السمع بحواسه ومشاعره وعواطفه وعقله... وينفعل انفعالا عفويا وصادقا... وذلك هو التعبير الامين الذي يرتفع بنا فنيا وانسانيا.
مختارات من ذكريات مع فـهــد بــلان.. ح (12 و13)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (10و 11)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (9)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح(8)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (6)
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح (4)
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان- ح (2) و(3)
"أكاديمية دار الثقافة" تطلق اليوم الفيلم الوثائقي "الهدف" في مخيم مار إلياس
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح(1).. مع البدايات
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح(7).. وكانت البداية من حلب الشهباء
فواز الساجر و"ثلاثية نكون أو لا نكون"
مختارات من ذكريات مع فـهــد بــلان.. ح (5): الفهد والاختبار الأول في إذاعة دمشق
9 كتب جديدة ضمن إصدارات الهيئة العربية للمسرح
بعد ختام الدورة "38" للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء التتويج حافز لتطوير التجارب.. والمهرجانات الكبرى تعيش بما تتركه من أثر
محمّلاً بالأسئلة الراهنة صدور العدد 47 من مجلة المسرح العربي