لماذا ننتسب لاتحاد الكتاب العرب؟!
2026.08.12
عماد نداف
ماذا فعل الدكتور علي عقلة عرسان من أجلي؟! | حديث مباشر مع رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية
بعد خروجي من السجن أواسط عام 1991م، أمضيتُ عدة سنوات من دون أي إمكانية للحصول على جواز سفر، ولم يكن أمامي، وقد أصبحتُ عضوا في اتحاد الكتاب العرب، سوى التخطيط لاحتجاج علني في مبنى الاتحاد، فأقوم بربط فمي بشريط وأدعو وسائل الإعلام الخارجية للتغطية، وأطلب خلال ذلك معاملتي كمواطن عادي لأنني لم أحكم بأي حكم قضائي يحول دون ذلك.
ولا أعرف ما الذي دفعني، قبل الإقدام على هذه الخطوة، للدخول إلى مكتب رئيس اتحاد الكتاب العرب الدكتور علي عقلة عرسان (وقتها) لإخباره بأنني سأحتج علانية على أنني لا أعامل كمواطن!
وعندما استفسر عن تفاصيل قصتي سألني: من الذي لا يعتبرك مواطناً؟ فأجبته: المخابرات العسكرية!! وبهدوء رفع الدكتور علي عقلة عرسان سماعة الهاتف الأرضي، وطلب من المقسم الاتصال برئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، وجاء الجواب، فإذا به يحييه ويخبره مباشرة بأن الكاتب عماد نداف كان معتقلاً سياسياً وأطلق سراحه، لكنه يدعي أنه لا يُعامل كمواطن عادي!
والتفت إلي وقال: تفضل.. أحك معه.
وقدم لي سماعة الهاتف. وفجأة.. وجدتُ نفسي أتحدث مع أعلى شخص في المخابرات العسكرية (علي دوبا) وهو رجل تهابه كل الجهات، سألني عن قصتي، ثم أبقاني على الخط واتصل باللواء هشام الاختيار وأمره بطي ملفي الأمني كله، وطلب مني الذهاب إليه لمتابعة الموضوع فوراَ.
وذهبت إلى اللواء الاختيار، وتم طي ملفي الأمني كله وأنجزت عملية استخراج جواز سفري بسرعة غير متوقعة..
شعرت بسعادة كبيرة عندما حل رئيس اتحاد الكتاب مشكلتي. وجعلتني تلك الحادثة أثق نوعا ما بدور النقابات القوي، إذا أراد مسؤولوها الوقوف إلى جانب أعضائها، وفي الوقت نفسه لم تتغير قناعتي تجاه اجهزة المخابرات.
وقبل سقوط النظام البائد بنحو سنتين، رُفعت تقارير أمنية تتعلق بروايتنا التشاركية (القطار الأزرق) التي كتبتها مع ستة كتاب آخرين، وكتاب التقارير كثر، لكن الاتحاد رد عليهم، وتدخل رئيس الاتحاد وقتها الدكتور محمد الحوراني في الأمر وأعلن مسؤوليته أمام الأجهزة الأمنية عن كل مخطوط ينشر في سورية، وأن المضمون المنشور يتعلق بحق الكتاب السبعة في التعبير عن آرائهم ضمن أسس الكتابة الموجودة بالاتحاد، ثم نشر لي الاتحاد رواية (حكمة البوم والببغاء كاسكو) عن فرع التحقيق العسكري بصيغة رمزية.
إن ما أريد قوله هو أن اتحاد الكتاب العرب يندرج حكما تحت بند النقابات في سورية ودور النقابات هو الدفاع عن حقوق أعضائها، وهو أهم من يمثل هذا الدور إن استطاع.
وهذا لا يعني أن النظام البائد كان يحترم النقابات، فذاكرتنا تعود مباشرة إلى ماحصل عام 1980م عند إضراب النقابات العلني والقوي وإعلان مطالب ديمقراطية إثر التحركات الكبرى التي شهدتها البلاد ضد نظام حافظ الأسد.
ومنذ ذلك الوقت، وبعد سجن رموزها، تم تدجينها وتحولت إلى مؤسسات سلطوية تنافق للحاكم وتروج لسياساته.
وقد نتج عن تلك الاضرابات حملة اعتقالات واسعة شملت كثيرين من أعضاء النقابات من بينهم: المهندس محمد كرامة بدورة، المهندس غسان النجار، المحامون سليم عقيل، عبد المجيد منجونة، هيثم المالح، موفق الدين الكوزري، جلال الأتاسي. الكاتب ميشيل كيلو، الكاتب وائل السواح..
دفع هؤلاء أثماناً كبيرة من حياتهم في المعتقلات، ولم تجرؤ النقابات بعدها على المطالبة بهم، أي أن النقابات تحولت إلى هياكل لا تفعل شيئا إلا بقدر قوة رئيسها وجرأته على التدخل (طبعا بحدود) كما حصل معي.
وبالعودة إلى مهام النقابات في بلدان العالم فإن مهمة الدفاع عن المنتسبين إليها تعتبر من أبرز هذه المهام، وخاصة في الظروف السياسية التي تعيشها البلاد التي هم فيها، ناهيك عن حماية حقوقهم المهنية والاقتصادية والاجتماعية والصحية، وتطوير مهاراتهم، وتمثيلهم أمام الجهات الحكومية وأصحاب العمل.
وهنا يبرز السؤال الأساسي الراهن: لماذا ينتسب الكاتب السوري إلى اتحاد الكتاب، وما الذي يحققه من هذا الانتساب؟
واقعيا، ليس هناك أي فائدة على هذه الصعيد تجعلنا نتدفق على الانتساب من أجل مصالح ضيقة، فاتحاد الكتاب في سورية لم يقدم تاريخياً ضماناً صحياً كافياً (ثمن علبة دواء أو أكثر)، ولم يقدم فرصة للنشر تليق بالكاتب السوري، ولم يجرؤ على حماية حقوق المنتسبين إليه إلا ماندر، لذلك نريد من اتحاد الكتاب العرب بعد إسقاط النظام البائد أن يكون نموذجاّ للنقابة السورية، وهي تدرك أهمية دورها التاريخي، وتقوم بمهامها النقابية المعروفة في العالم..
وإذا كان هناك خلاف حول إسقاط القيادة النقابية للاتحاد، فأنا أول من كتب عن الشرعية الثورية، واقترحت قيادة مشتركة تقود الاتحاد إلى المؤتمر لكي ينتخب الاتحاد قيادته التي تليق بتنفيذ مهامها ما بعد الحكم القمعي، وتم إقرار ذلك في اجتماع مشترك، ولم ينفذ منه أي شيء.
إن النخب الثقافية يفترض أن لا تحاسب على أرائها، ويفترض أن تكون الآراء دافعا للحوار، خاصة بعد انتهاء دوامة القمع عبر ستين سنة مرت، وأنا أول من دعا إلى حماية اتحاد الكتاب من نفسه (راجع نداء عاجل لحماية اتحاد الكتاب العرب من نفسه)، وها أنا الآن أدعو كل المنتسبين في الاتحاد إلى حمايته من التشتت والضياع، ووقف حملات التشهير بهذه المنظمة النخبوية، وأدعوهم للتأسيس لمرحلة جديدة تقوم على الصبر، والثقة بأننا قادرون على حماية أنفسنا من الوقوع في أمراض النقابات السابقة، فسورية في هذه المرحلة بحاجة إلى وحدة نخبها، وإلى الصبر ريثما تستقر الدولة الجديدة، وفي الوقت نفسه أدعو قيادة الاتحاد إلى احتضان مئات الأعضاء الشرفاء القادرين على المشاركة في المرحلة القادمة، وأن تؤجل المحاسبة إلى المؤتمر العام القادم وعندها ستكون العدالة الانتقالية هي النهج الحقيقي للمحاسبة وسوف يكون الجميع أمام المعطيات المتعلقة بالكاتب الذي نريده لا الكاتب الذي اعتاد التصفيق.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة