قصتي مع "مدارات"
2026.08.03
عبد الكريم الناعم
أحد الأصدقاء، باتصال خاص، سألني ما قصّة "مدارات"، التي فهمتُ أنّها ثلاثة "مدارات"، 1،2،3؟
وها انا أجيبه، عبر هذه المقالة، أبدأ بمدارات 1، وقد أسميته "سيرة زمن"، يبدأ من الطفولة، وينتهي صباح 8 آذار1963، وهو عناوين، كل عنوان يمكن أن يشكّل حدثاً ما، وحين تنتهي من قراءة الكتاب تجد أنّ ثمة خيطاً غير منظور ينظم هذه الأحداث، وهو في قسمه الأخير، "الانفجار"، فيه سرد بالأسماء، والوقائع، والأشخاص المذكورين، وهو خاصّ بالتهيئة لقيام 8آذار 1963م.
هذا الكتاب تقدّمتُ به لوزارة الثقافة السورية، وكان مكتوباً بخطّ اليد، فلم تكن تقنيات الكمبيوتر معروفة، وعلى وجه واحد من الورق، ممّا جعله سميكا.. وقد رفضوا نشره، لأسباب غير معلَّلة، فحملتُ الكتاب، وطلبتُ مقابلة وزير الثقافة، وكان الدكتور محمود السيد، الغنيّ عن التعريف.. وفور دخولي قام من وراء مكتبه، وقابلني مقابلة فيها الكثير من اللباقة، ولم يسبق لي أن التقيتُ به من قبل، وبعد جلوسي قلت له: "سيادة الوزير أنا جئتُ شاكياً"، فقال: "ممّن؟"، فذكرتُ له رفض الكتاب، فسألني: "مَن الجهبذ الذي رفضه"؟!! قلت: "أنتم أدرى بالجهابذة الموجودين عندكم"، قال: "ضع الكتاب عند السكرتيرة"، قلت: "هو عندها"..
بعد مدّة ليست بعيدة، كتبتُ شيئاً عن الفولكلور الغنائي تحديداً، وعن دور وزارة الثقافة في حماية هذه الألوان التي بدأتْ تنقرض، وختمتُ بالقول: "ما زلتُ أصرخ في هذه البريّة منذ أربعين عاماً، ونُشر المقال في إحدى الصحف الدمشقية التي كانت تصدر آنذاك.. ما زلتُ أذكر أنّه بعد الساعة الثالثة ظهراً، رنّ جرس الهاتف الأرضي، فلم تكم الموبايلات موجودة بعد، رفعتُ السماعة وقلت: "ألو"، دون مقدّمات تأكّد من أنني من يردّ، فقال بصوت هادئ، وقور، "أنا محمود السيّد"، لم يقل وزيراً، ولا دكتوراً"..
(يا لَبهاء التواضع الأصيل، أقول هذا لأنّ ثمّة مَن يتواضع، وفي قصديّته أن يرتفع أعلى في نظر مُحدّثه)..
..فرحّبتُ به باهتمام، قال: "لن ندعك تهتف بهذه البريّة وحدك، وسأهتمّ بما نشرت، وكتابك "مدارات"1، صار في المطبعة"،
كان فرحي كبيرا لأنّني أعرف قيمة ما كتبتُ،
هذا الكتاب قبل أن يُنشر أعطيته للصديق الشاعر عبد القادر الحصني، وكان آنذاك يسكن في حمص، فقرأه، وكان ممّا قاله: "صدّقني إنّ "داغستان بلدي" لرسول حمزاتوف، ليس أجمل منه"، وهي روح الجملة التي أوردها الأستاذ أبيّ حسن في كتابته عن هذا الكتاب.
لم تكن تقنيات الطباعة كما هي عليه الآن، وأنا لم أرقن هذا الكتاب على الكمبيوتر، وكان أرقى ما عُرف هو "الفلوبي"، وحين راجعتُ وزارة الثقافة للحصول على "فلوبي"، أستعين بها في الاحتفاظ بالكتاب، أخبروني أنّ أحد من استلم الهيئة العامة السورية للكتاب في الوزارة، قد طلب إتلاف هذا الأرشيف، لأنه، في تقييمه بلا طَعمة، واحترت ما ذا أفعل، فرقن كتاب بهذا الحجم على الكمبيوتر يحتاج زمناً طويلاً، وجهداً كبيرا، بيد أنّ بعض المعونات لا يدري بها الانسان كيف تأتي، فأحد شباب العائلة، وهو خبير بشؤون النسخ، والموبايل، والكممبيوتر، أخذه، وكان لديه متّسع من الوقت، وكم قدّم لي من مساعدات نوعيّة في مجال النسخ.. أخذ الكتاب، ونقله على الكمبيوتر، وقدّم لي نسخة كان فرحي فيها كبيرا، إنه المحامي مصعب الناعم، له مزيد الامتنان، وهكذا صار لدي نسخة أستطيع إرسالها لمن يود،
أشير إلى أنّ النسخة الموجودة لدى الأستاذ أبيّ حسن أهداها له الصديق الباحث، والأديب محمد كامل الخطيب، وهذا يدلّ على أنه قد قرأ الكتاب، وأحبّ ما فيه.
أقيمتْ ندوة في قاعة سامي الدروبي، في المركز الثقافي بحمص، حول هذا الكتاب، وقد احتشدت القاعة بالحضور، تحدّث فيها شفهيّا الشاعر عبد القادر الحصني، والمرحوم معتصم دالاتي، والمرحوم محمد بري العواني، وأدار الندوة المرحوم الشاعر ممدوح السكاف...