"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
أُبي حسن
ذاكرة متوقدة وحادة كنصل سيف، انسكبت على مدى 566 صفحة من القطع الكبير.. ذاكرة موشّحة بالكثير من العمل ووعد بأمل قد يأتي بغد أقل بؤساً وأخفّ وجعاً وألماً..
هي "مدارات" (الجزء الأوّل) للأديب والشاعر عبد الكريم الناعم الصادرة عام 2006م عن وزارة الثقافة السوريّة والتي قرأتها بمتعة وتمعن مؤخراً.
لايمكن تصنيف الكتاب تحت يافطة مذكرات، أو كتاب في النثر الأدبي، ولا يمكن القول عنه إنه شعر أو أدب.. هذا الكتاب ببساطة ينطوي على جميع ما ذكرتُ ومالم أذكر، وهو بهذا يذكرنا إلى حد كبير بكتاب "داغستان بلدي" لرسول حمزاتوف، إذ هو كتاب يُستعصى على التصنيف.
يبدأ الكاتب بوحه بمكان وسنة ولادته عام 1935م في قرية "حر بنفسه" الواقعة في منتصف المسافة بين حمص وحماه والتابعة إدارياً لحماه وعملياً للإقطاع الذي لايرحم والذي "يحنّ" إلى زمنه واحد من اثنين: إما من استمرأ الذل واستعذب العبودية أو من هم بقايا سلالته وهذا الزمن زمنهم.
يمكن القول إن "مدارات" عبارة عن بانوراما تلمّ بجميع المراحل التي عاشها ووعاها الكاتب مذ وعى مايجري حوله حتى فجر الثامن من آذار عام 1963م، فبخصوص مسقط رأسه، يتحدث عن الفقر المدقع للفلاحين، وكيف كان الاقطاعي صاحب القرية يستغل تعبهم ممتصاً حق الفلاحين وأطفالهم بأبسط مقومات الحياة، وكيف تسلّى ذات يوم الأغا مالك قرية "جدرين" باصطياد غنمات الفلاحين(؟) (ص 87). كما يذكر الكاتب جريمة شرف (ص 15) حدثت في القرية، إذ طعن شاب شقيقته المتزوجة بذريعة الشرف دون أن يكون للمغدورة حق الدفاع عن نفسها أو حتى حق دفع التهمة عن نفسها.
ما يذكره الكاتب عن حدوث اشتباكات عند زواج أحد الشباب من قريتهم لعروس من قرية أخرى، اشتباكات يفتعلها بعض شباب قرية العروس وبعض أقاربها كمثل قوله "كنت أحتفظ بصورة في الذاكرة لاتخلو من رعب، فيوم زوّجوا عمي (حسن) وذهبوا لإحضار عروسه من "كيسين" اشتبك الرجال بالأيدي وبالحجارة، والعصي، وسال دم البعض وحملوا العروسة بالقوة، لأن شباب القرية بالغوا في طلب (الرضّوة)" (ص36)، أقول إن هذا كان يحصل شبيهه في العديد من قرى الساحل السوري في الفترة التي يرصدها الكاتب عن منطقتي "كيسين" و"حر بنفسه".
يشرح الكاتب معنى "الخالية" التي لاتعني شيئاً لأبناء زمننا كونهم لم يعاصروها، وهي مكان بدائي لتخزين الحبوب والطحين، و"ربما جاء اسمها من "الخلو" لأنها ماتكاد تمتلئ حتى تفرغ مما فيها" (ص 32).
عند تطرق الأديب الناعم لمرحلة التعلّم عند الخطيب أو الشيخ وصعوبة طرق التعليم البدائي وجدول الضرب الذي كانوا يسمونه "الشبكة"، يذكر أن مكان التعليم كان عند مقام اسمه النبي "دنون"، ليدرك بعد زمن طويل أنهم يقصدون به "ذا النون" الوارد ذكره في القرآن الكريم، ويلفت الانتباه إلى الطاقة الموجودة في المقام التي كانوا "يروون أنها كانت تحلّ بعض الخلافات الحادة" (ص 48) على طريقة مقام الشيخ يوسف ربعو الذي يؤكد الناعم أن أحداً ممن يثق بهم قال له أنه سأل خادم المقام المذكور "عن سرّ ذلك، فضحك وقال له: للطاقة انحراف معيّن، فإذا غيّرنا في وضعية جسد الرجل فيها تمكّن من الخروج منها، وإلّا". (ص 49)، سأعود في خاتمة المقال للتعقيب على هذا الموضوع.
الانتقال إلى حمص ومدارسها
سيرتأي الوالد الموظف البسيط نقل ولده الى مدينة حمص كي يتعلّم في المدارس الحديثة بمقاييس ذلك الزمن، وسيسكن الطفل في المراحل الأولى من وجوده في المدينة في منزل عمته التي تحنو عليه حنو الأم.
في حمص، سيكتشف ذاك الطفل القادم من صقيع الفقر في الريف، الفوارق الطبقية بين التلامذة، فلن يصعب عليه تمييز أبناء الذوات من أبناء الفلاحين من الملبس في الحد الأدنى. ومن الحوادث التي ستظل مستقرة في قعر ذاكرة من غدا كاتباً وشاعراً مرموقاً في بلاده، كيفية تعامل المعلّم معه عندما عجز عن حلّ مسألة رياضية، وأنقل هنا ما يلي: "نظرتُ إليه بما يشبه التوسل، وعاودت النظر إلى السبورة، وسمعت من الخلف أصوات ضحك مكتوم، وبدت لي البراري بعيدة بعيدة.
عاود السؤال بصرامة قاسية: مابك؟ حلّ
اتسع الفراغ، وشعرتُ بفتور في ساقي.
بصوت لا يعرف الرحمة صرخ بي:
اجلس، حمار فلاح، ستبقى حماراً إلى ماشاء الله" (ص 66 و67). وسيلتقي الناعم، بعد أن يصبح معلّماً بأستاذه في منزل صديق مشترك، وسيذكّره بهذه الحادثة التي يعقب عليها الكاتب: "وللحق لم تؤذني كلمة حمار، فهي تقال للعشرات بغضب، ولكن آذاني أن تكون هذه الصفة بسبب كوني فلاحاً"، علماً أن الناعم لم يعمل في الفلاحة كأقرانه بحكم أن والده كان موظفاً ولم يعمل في الأرض إلّا كمساعدة للأقارب.
في مرحلة لاحقة، ربما أواخر أربعينات القرن الماضي، سيشتري الأب قطعة أرض ويبني فيها غرفتين، فيما بات يُعرف لاحقاً بحي النزهة.
لم تخلّ أجواء المدينة من تنمّر على أبناء الريف فقد "سمع حوادث عديدة عن اجتماع أهل السوق على فلاح لم يرض عنه أحد البائعين، وكف -يؤاجرون- به. الجميع يصفعونه. الآن هو يدرك أن ذلك كان امتداداً لسيطرة الفارق الاقتصادي" ص117، وكيف كانوا "يؤدبون" الفلاحين الذين اعتادوا سماع القاسي من الكلام.
الوعي السياسي
يمكن القول إن بداية الوعي السياسي لذلك الطفل الذي بدأ يكبر في مدارج الحياة، أبّان ذكره أنّه "ذات صباح، وبعد النشيد الذي فيه الكثير من اللوبان والحنين، وذكر طارق بن زياد وحرق السفن والأندلس، وقف المدير بطربوشه الذي كان يميله نحو الخلف بشكل دائم وتحدث إلينا.
الحديث كان جديداً ولاعلاقة له بالنظام أو المخالفات. كان عن اليهود وما يفعلونه في فلسطين" (ص84 وص85).
هو لايذكر الكثير عن انقلابي حسني الزعيم الذي أشاد به مدير المدرسة كإشادته "بالرجل الذي يريد أن يحمل أعباء الوطن" (ص 114) وسامي الحناوي، لكنه يتذكّر جيداً كيف كان يُنقل الفلسطينيون اللاجئون بقطارات الشحن والركّاب (لافرق) وكيف كانت مزدحمة بالنساء والأطفال والشيوخ.. وقد عبّر أهالي القرية على شدة فقرهم عن تكافل اجتماعي راق مع أولئك اللاجئين.. وطبيعي أنه يتذكّر انقلاب أديب الشيشكلي إذ شارك في المظاهرات ضده (ص 122) وكيف سيتهمه أحد المنتمين لحزب الأخوان تهمة باطلة سينقذه منها الرجل الذي أرسلته وزارة المعارف للتحقيق فيما نُسب إليه، وكان ذلك الرجل هو الدكتور جودت الركابي. في الأجواء سابقة الذكر سينتسب لحزب البعث الذي كان قد اندمج مع الحزب العربي الاشتراكي. وستكون أول صدمة سياسية له وهو في باكورة العمر "أنه ذهب ذات مساء إلى مكتب الحزب في (الدبلان) فاقترب منه أحد الذين لم يكونوا مرتاحين لدمج البعث العربي، بالعربي الاشتراكي، وقال له: تعال انظر، وأمسك بيده وقاده باتجاه لوحة معلّقة على الجدار" (ص 124)، وكان حكم الشيشكلي قد انهار، وفي تلك اللائحة أسماء البعثيين الذين نشطوا في المرحلة السرية وموزعة على درجات، وكان اسمه في الدرجة الثالثة(؟) وهنا سيكتشف وجود المحسوبيات، وإن كانت تلك اللائحة قد ألغيت فيما بعد بفعل الاحتجاجات عليها. وأؤمن أن الكاتب تحدّث باسم جموع الفقراء عندما قال: إن "الذين جاؤوا بعد الشيشكلي لايهمهم أمر واحد مثلي يقطن في أحد أطراف المدينة، يداوي جراحه بالحلم" (ص 147).
في ذلك الزمن "لم يكن المذياع قد انتشر.. الذين يمتلكون ذلك الجهاز يأتيهم الجيران ليسمعوا في بيوتهم -مايطلبه المستمعون- لأن الميسورين وحدهم كانوا قادرين على شرائه، وحتى بالقسط" (ص96).
التعليم في حلب والنشاط في صفوف الحزب
عندما وطئت أقدام الناعم محافظة حلب، كانت كما رآها حينها "في سدّة ملاّكها وتجّارها: يتربع فيها الزهو الرجعي الذي يمتدّ من المقاهي القديمة وحتى قبة البرلمان" (ص 149). وهناك في حلب بمكتب الحزب في حي الجميلية سيلتقي بفايز إسماعيل الذي يخبره أنّ رفيقه فلان سبقه إلى منبج.
سينشط المعلّم الموفد حديثاً إلى منبج في أوساط الفلاحين، وكانت منبج يومها "بلدة صغيرة، تجمع سكاناً من أصول متعددة (كما كان فيها عائلتان يهوديتان)، كانت ميدان نفوذ للقوى الرجعية الاقطاعية في حلب" (ص 157). وخلال أقل من شهر سيشكل المُعلّم الموفد مع رفاق له أول خلية حزبية في منبج، وتجدر الإشارة هنا أن الكثير من بعثيي منبج وجوارها سنتها لم يكونوا عرباً لكنهم اعتنقوا أفكار البعث عن قناعة، وسيذكر الكاتب كثيراً الفلاح الأُميّ حسين العلو الذي لاينقصه الذكاء ولاتعوزه الهمّة ولا يفتقر للايمان بحياة كريمة حرمهم إياها الاقطاع الأمر الذي يدفعه لمحاورة ومحاججة شيخ يهاجم الاشتراكية (ص 197) أو إقناعه -أي حسين- للأستاذ عبد الفتاح الزلط بعدم قبول دعوة لوليمة غداء عند أحد اقطاعيي ريف حلب (ص244) وكانت حجج حسين العلو مدهشة ومفحمة.. ومن خلال نشاط الناعم في هذا الوسط البعيد عن القيادة يذكرني بكتاب المؤرّخ النهضوي الراحل عبد الله حنا «الحركة الشيوعية السورية ـ الصعود والهبوط» حيث كتب عن الناشطين المغمورين في الحركة الشيوعية وهي في ذروة نشاطها في سوريا، وكأني بعبد الكريم الناعم في "مدارات" ومن خلال ذكره لأسماء جميع رفاقه البعثيين الذين عرفهم عن قرب وعمل معهم يعيد الاعتبار إليهم وإلى تضحياتهم وأحلامهم وآمالهم، فهم قد لايقلّون إيماناً بعدالة قضيتهم -من وجهة نظري المتواضعة- عن ايمان المناضل والمثقف العراقي هاني الفكيكي الذي سبق أن التقاه الكاتب مراراً خلال تواجده في سوريا.
يذكر المؤلّف أن أحد رفاقهم الناشطين (واسمه قريع) قُتل في إدلب، كما تمّ الاعتداء على آخرين بشراسة كي يرهبوا القُطر (ص177 وص 237).
يقول الكاتب أن من ثمار نضال حزب البعث في تلك المرحلة المبكرة، كان انتزاع قانون منع تهجير الفلاحين، وهو ما اعتبره "قذيفة فتحت ثغرة في الجدار المحصّن للقلعة الاقطاعية شبه الرأسمالية المستغلة"، وهنا ينبغي التأكيد أن الشيوعيين السوريين ناضلوا كثيراً في هذا السبيل وكان لنضالهم أُكله حينها والمؤكد أنّه تقاطع وتضافر مع نضال بعثيي تلك المرحلة.
محمد نبهان.. هل كان ناصرياً؟
لايمكن الحديث عن جميع ماتطرق إليه الكتاب كوجعه الممض والمزمن عندما علم أن بكره "معن" مصاب بشلل الأطفال، لكن سأختم بالإشارة إلى الضابط محمد نبهان، الذي روت بعض أدبيات الأخوان ومن هم على مقربة منهم، أنه هو من وشى للبعثيين بمحاولة انقلاب 18 تموز 1963م، وهذا الأمر نفاه مراراً الأستاذ والقيادي البعثي الأسبق مروان حبش، ويورد الأديب عبد الكريم الناعم حوادث عدة عن علاقته وحواراته مع محمد نبهان قبل الوحدة السوريّة- المصرية (حيث كان نبهان ضابط أمن)، وخلالها، وفي مرحلة الانفصال، وكلّها تؤكد نفي الأستاذ مروان حبش بخصوص عدم وجود أي علاقة لمحمد نبهان مع البعثيين في محاولة انقلاب تموز 1963م، والمشترك بين جميع الحوارات التي يرويها الناعم عن نبهان هو برودة الأخير في علاقته مع رفاقه القدامى (البعثيين) وعدم نجاحه في إخفاء ميوله الناصرية (ص436، ص451، 475، 480).
ويمكن الإشارة الى ما رواه الكاتب عن الفارق بين الطبيب البعثي المثالي سامي السقا (الذ في عيادته سيتعرّف الناعم على الطبيب البعثي -الرئيس لاحقاً- نور الدين الأتاسي) وبين البعثي البراغماتي والواقعي عبد البر عيون السود (ص447)، وصدمة (ان جاز التعبير الدكتور السقا بالأستاذ ميشيل عفلق (ص477).
ويبقى أن أسجّل استغرابي بإخبار الكاتب الناعم وبناء على طلبه للأستاذ شبلي العيسمي (في دمشق) عما دار بينه من أحاديث هو والملازم أول موسى العلي بخصوص تحضير الكتلة البعثية في الجيش لانقلاب عما قريب، وكما يبدو أو يفهم من سياق الحديث أن القيادة المدنية للحزب كانت على علم بذلك وإن كان التنسيق معها في حدوده الدنيا (ص529)، كنتُ أتمنى على الكاتب أن يوضّح دافعه ذلك وإن كان بمقدورنا التخمين إن خوفه على الحزب وفشل الحركة هما ما دفعاه لذلك التصرف.
مزار أبو طاقة.. عود على بدء
أروي أدناه حادثتين متناقضتين، الأولى:
روت لي الروائية فادية سعد، قبل نحو عشرين عاماً، باختصار مايلي: قدم مغترب (مسيحي) مع زوجته الأجنبية الى الوطن (إحدى قرى مصياف) لزيارة قريبه (وهو مدرّس رياضيات)، وفي منزل القريب ستقوم زوجة المغترب باتهام قريبهم المضيف بسرقتها (مالاً أو ذهباً)، ويتفق الطرفان القسم على مزار "أبو طاقة".. يُفاجأ المُضيف وبصفته المُتهم بأن بدانة جسمه لاتسمح له بالخروج من الطاقة، فيقول لخادم المقام مهدداً: "اسمع، أنا بريء، وأنا مدرّس رياضيات وأدرك أن بدانتي ووزني لايسمحان لي بالخروج من الطاقة، إن لم أخرج منها سأقتلك. فيطمئنه خادم المقام، ويقول له: طالما أنت بريء فستخرج منها حتماً، وفعلاً خرج منها.
الحادثة الثانية، ورواها لي المحامي حسان حسين (طرطوس) قبل بضع سنوات، عن شخص نعرفه كلانا (وهو علوي)، قال الصديق المحامي: في ثمانيننات القرن الماضي حدثت سرقة في قرية ذلك الشخص، وكان هو من ضمن المتهمين فيها، وهو فعلياً بريء، اتفق الخصوم بالذهاب إلى المزار المذكور، ولم يستطع الشخص البريء الخروج من الطاقة رغم أن جسمه لايشكو من بدانة. وانطلت عليه صفة لابل تهمة السرقة طوال عقد ونصف، إلى أن ألقت الشرطة على مجموعة لصوص في المنطقة، وخلال اعترافاتهم أقرّوا بالسرقة التي نُسبت لذلك الشخص البريء.