كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)

حيدر سويري

  في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على ألفِ ذراعٍ من الشَّرفِ والأصالة، ضجَّت جنباتُه بعقودٍ من صخبِ البنينَ وزقزقةِ الأحفاد. لم يكن مجرّدَ مأوىً للرؤوس، بل كان ينبوعاً زاخراً بالحياة؛ يُعانقون فيه الثَّرى فَيُخرجُ لَهُم تِبرَهُ، وتدورُ فيهِ تروسُ الصِّناعةِ وتُنشرُ البيوع، حتى غدت خبرتُهم أسطورةً تُتلى على ألسنةِ الرُّكبان.

   غيرَ أنَّ هذا العِزَّ المنيفَ أورثَ الضَّغينةَ في قلوبِ **"عُصاةِ النَّظام"**، أولئك الذين اتَّخذوا من المَقْمَعةِ شِعاراً ومن المَكْسِ دِيناً. أرادوا إخضاعَ الصَّرحِ وجبايةَ الإتاواتِ قسراً، لكنَّ أهلَ البيتِ صَدُّوهم بكبرياءٍ أصيل. وحينَ خابت الحِيلةُ السَّافِرة، نسَجَ الطُّغاةُ حبائلَ المَكرِ؛ فادَّعوا المَبَرَّةَ وحُسنَ الجوار، وأنشَؤوا داخلَ الدَّارِ بؤرةً للخديعةِ تحتَ مُسمَّياتٍ شَتَّى، لِيتخلَّلوا بها جُدرانَ الخَفاء.

خِيانةُ الرَّحِمِ والانقِضاض

   ولأنَّ الشَّرَّ لا يطرقُ باباً إلا وجدَ فيهِ مَنفذاً، نَغِلَ قلبُ أحدِ الأبناءِ؛ فكانَ فرعاً نَكِداً وعاقّاً، أعمَى سِدرَهُ الطَّمعُ ووسوَست له شَياطينُ النَّظام. وفي ليلةٍ لَيلَكِيَّةِ السَّواد، شَهرَ خِنجرَ الغَدرِ وقتَلَ أباهُ الماجِد، ليَستوليَ بالقَسوةِ والدَّسيسةِ على العَرشِ والمُقدَّرات، ومَلكَ زمامَ الدَّارِ بأكْمَلِها.

وهُنا، أُدِلّيَ السِّتارُ عن مَأساةٍ داميَة:

*جحيمُ البطش: أذاقَ العاقُ عشيرتَه وإخوتَه كؤوسَ الهَوانِ وأليمَ العَذاب.

*سياسةُ السَّغَب: حَرَمَهُم ثِمارَ جُهودِهِم وطَيِّباتِ أرضِهم، ولم يَكن يُمِدُّهم إلا بِنُشارةِ القُوتِ وفُتاتِ المَوائد.

*الظِّلُّ الشِّرّير: كانت عينُ النَّظامِ تَرعاهُ وتُشِدُّ أزرَه من خَلفِ حِجاب، مقابلَ أن يَسلُبَ ثَرَواتِ القومِ ويُقدِّمَها لَهُم على طَبَقٍ من دَم.

الجارُ اللَّبيبُ والرَّميُ عن قَوسِ الحَذر

   على مَقرُبةٍ من ذاكَ الدَّار، كانَ يَشمَخُ سَكَنٌ أثِيل، يَنشاحُ على خَمسةِ أضعافِ مِساحةِ البيتِ المَكلوم. كانَ يَقْطُنُهُ "الابنُ البارّ"؛ رجلٌ حَصيفٌ، يمتلكُ نَفاذَ بَصيرةٍ يُبصِرُ به خَبايا الغَد. كانَ يرقُبُ حَراكاتِ النَّظامِ الشَّرِس، ويَعْلَمُ يقيناً أنَّ أطماعَ القومِ كَالبحرِ لا يَرْوَى، وأنَّ نَوْبَتَهُ غَداً لا مَحالَة.

   أعَدَّ البارُّ لِلنَّوائبِ عُدَّتَها، وشَيَّدَ الصُّروحَ، ورَبَطَ جَأْشَه. وحينَ سرى بالموعظَةِ والنُّصحِ إلى جارهِ العاقِّ ليَنشُلَهُ من الحَمَأِ المَسنون، ارتَدَّ النُّصحُ في صَدرِهِ مَرفوضاً؛ إذ كانَ العاقُّ قد غَرِقَ في خِيانَتِهِ حتى أُذُنَيْه، ولا يَرَى غيرَ ظِلِّهِ المُستَعار.

الهُروبُ والخُدعةُ الكُبرَى

   بدأت فلولُ العائلةِ المُنكَرةِ تَتَسَلَّلُ في حَندسِ اللَّيل، فارِّينَ من سَوطِ العاقِّ نحوَ بَلاطِ النَّظامِ لِيَرفَعوا ظُلامَتَهُم. لكنَّ النَّظامَ لم يَكُن أهلاً لِلعَدلِ يوماً؛ بل ادَّخَرَ شكاواهُم كَأوراقِ ضَغطٍ لِيومِ الحِساب. كانت لَهُم مَآرِبُ أُخرى مَع العاقّ، وَجَبَ أن يُمَضِّيَها أوَّلاً قبلَ أن يُلقِيَ بهِ في المَزبَلة.

أغْرَى النَّظامُ العاقَّ برُكوبِ مَركَبٍ خَشِن، ودفَعَهُ لخَوضِ المَلحَمةِ ضدَّ جارهِ البارِّ المَهيب.

ورغمَ كلِّ التَّسهيلاتِ والعَتادِ الذي أُسبِلَ عليه، انْكَسَرَت شَوْكَةُ العاقِّ على أسوارِ البارِّ، وعادَ يَجُرُّ أذيالَ الخَيْبَةِ والهَوان.

نَكسَةُ الوَجهِ والغَدرُ بالضَّعيف

  لِكَي يُوارِيَ العاقُّ سَوْءَةَ هَزيمَتِهِ الشَّنِيعةِ أمامَ رَعِيَّتِهِ والجِيران، أعمَاهُ العَماءُ؛ فهَجَمَ بغَشَمِهِ على دارِ جارٍ ضَعيفٍ بائِسٍ، فاستَلبَ حِماهُ وتَبَوَّأَ عَرْشَه.

وهُنا، حانتِ السَّاعةُ التي انْتَظَرَهُم فيها النَّظام:

1. قِناعُ الصَّلاح: استَغيثَ الدَّارُ الضَّعيفةُ بالنَّظام، فأقْبَلَ بقَضِّهِ وقَضيضِهِ متَدَثِّراً بِرداءِ إحياكِ الحقِّ وفَضِّ النِّزاع.

2. انتِزاعُ المَغصوب: طَرَدَ النَّظامُ عُصاةَ العاقِّ من البيتِ الصَّغير.

3. مَصْرَعُ الخائِن: أخرَجَ النَّظامُ أرشيفَ الشَّكاوى القديمةِ التي قدَّمَها أبناءُ العاقّ، فَجَعَلَها ذَريعةً لِدَكِّ حُصونِهِ والإطاحةِ بهِ غيرَ مأسوفٍ عليه، بَعدَ أنِ استَنْفَذَ غَرَضَه.

الجِدارُ الأَمْلَس

بَعدَ سُقوطِ العاقّ، انحَنَت هاماتُ الدِّيارِ كُلِّها للنَّظامِ الفاشِي، وَدَانَت لَهُ المِنطَقةُ بأسرِها خُضوعاً وَخُنوعاً... *إلّا داراً واحِدة.*

إنَّها دارُ "الابنِ البارّ"؛

دارٌ لم تَعْرِفِ الرُّكوعَ، ولم تَقبلِ الهَوان. كانَ صابِراً صامِداً، قد سَبَقَ الدَّهرَ بإعدادهِ، وحَصَّنَ ثُغورَهُ بِيَقَظَةِ الأحرار.

أنْزَلَ النَّظامُ ثِقْلَهُ الصّارِم، وأقْبَلَ عليهِ من كُلِّ فَجٍّ عميق، لكنَّهُم صُدِموا بـ *"صَخرَةٍ صَمَّاء"* لم يَستَطيعوا لَها نَقْباً ولا نَفَاذاً. ورغمَ أنَّ النَّظامَ سَبَكَ حِصارَهُ على المِنطَقَةِ واستَعبَدَ أطرافَها، إلا أنَّ جَمرةَ النَّخوَةِ والغيْرَةِ اشتَعَلَت في أفئِدَةِ بَعضِ الجِيران؛ فبَدَؤوا بِمُدِّهِ بالقُوّةِ والمَعونةِ سِرّاً وَعَلَنَاً، إعجاباً بِهَذا الرَّجُلِ البارِّ الذي أثْبَتَ أنَّ الشَّرَفَ والصُّمودَ أَقْوَى من كُلِّ سَلاطينِ الجَوْر.

صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"
حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته
الأديب السوري مفيد أحمد يحصد المركز الأول في جائزة «وولت ويتمان» الدولية بقصة تجسد جراح الإنسان بعد الحرب