في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
2026.07.26
هلال عون
يرحل الرجال، وتبقى آثار أقلامهم على طريق المعرفة شاهدةً على عظمتهم.
اليوم يترجّل فارس من فرسان العربية، وعَلَمٌ من أعلامها، الدكتور مازن المبارك، بعد رحلةٍ أفناها في خدمة اللغة والأدب، معلّما وباحثا ومفكرا، تاركا وراءه إرثا لا تقوى السنون على محوه.
لم يكن من أولئك الذين يكتبون ليملؤوا رفوف المكتبات، بل كان يكتب ليوقظ العقل، ويصون الذائقة، ويذكّر الأجيال بأن العربية ليست مجرد وسيلة للتخاطب، وإنما هي هوية أمة، وذاكرة حضارة، وروح ثقافة امتدت قرونا.
لقد آمن بأن اللغة ليست حروفا جامدة، وإنما كائن حيّ، يزدهر بالعلم، ويحيا بالأدب، ويضعف إذا هجره أبناؤه.
ولذلك ظل وفيّاً لها، منافحا عنها، يغرس محبتها في نفوس طلابه وقرائه، ويجعل من دروسه وكتبه جسورا تعبر عليها الأجيال إلى رحابة التراث وأصالة البيان.
كان من ذلك الطراز النادر من العلماء الذين يجمعون بين عمق المعرفة ورقيّ الخلق، وبين دقة الباحث وروح الأديب.
فالعلم عنده رسالة، والأستاذية مسؤولية، والكلمة أمانة لا تُقال إلا بحق، ولا تُكتب إلا لتبني ولا تهدم.
برحيله، تفقد العربية صوتا ظل يذكّرنا بقيمة الكلمة، وبأن الأمم التي تحفظ لغتها تحفظ نفسها، وأن حاضر يُبنى ومستقبل يُصان.
رحم الله الدكتور مازن المبارك، رحمةً واسعة، وأجزل له الثواب على ما قدّم للغة العربية وآدابها، وجعل علمه في ميزان حسناته، ونفع الأجيال بما خلّفه من فكرٍ وعلمٍ وأدب.
إن العلماء لا يغيبون حقا، إذ تبقى كتبهم تنطق، وتبقى أفكارهم تهدي، وتبقى سيرتهم تروي للأجيال أن أعظم الأعمار ليست أطولها، بل أكثرها أثرا.
رحم الله الدكتور مازن المبارك، الذي درسنا بعض كتبه أيام الجامعة،
وأحسن عزاء العربية وأهلها برحيل أحد أوفيائها.