ماذا حدث يوم ٦ حزيران من عام ١٩٦٧؟
2026.06.09
د. كمال خلف الطويل
في اليوم الأول للحرب، ٥ حزيران، كان الفوز الاسرائيلي على جبهة سيناء في حدود التحمّل: تدمير الفرقة السابعة مشاة على المحور الشمالي: الشيخ زويد-رفح، واستشهاد قائدها ونائبه، ومعهما في حدود ٢٥٠ شهيد.. كان سبب سهولة الاختراق تمدّد قطاع الفرقة بما تجاوز نطاقها المحدّد في خطة "قاهر" للدفاع عن سيناء، والمقرّة في ديسمبر ٦٦.
مع صباح اليوم التالي، ٦ حزيران، كان الهجوم المضاد الذي شنته الفرقة الثالثة الآلية، والمتموضعة على خط الدفاع الثاني في قاطع الحسنة، بقيادة زلمة المشير [عثمان نصار]، بهدف استعادة المحور الشمالي، قد فشل؛ لكن الأدهى أن قاطع القسيمة، في المحور الأوسط، قد بات مهدداً باجتياح فرقة شارون له.
غمر القلق المشير، فهاهما المحوران، اللذان أهملهما بظنّ أن المحور الجنوبي هو أمّ المحاور - إذ أعدّ فيه وله كل ما رأى فيه وسيلةً إلى فوز مبين في معركة مدرعات كاسحة -، وقد سقط الأول، وحوصر الثاني منذراً بالسقوط.
خطر له أن إنقاذ المحور الأوسط، عند القسيمة، استحق الاستعانة بالاحتياطي الاستراتيجي العام؛ الفرقة المدرعة الرابعة، المرابطة عند السفوح الشرقية للممرات الوسطى [جفجافة والختمية].. استشار قائم مقامه في سيناء، الفريق أول عبد المحسن مرتجي، قبل الظهر فأقنعه بخطل خياره، وباستبداله بسحب قوات الخط الأول [الفرقة السادسة الآلية على المحور الجنوبي، وقوة الشاذلي الخاصة بين الجنوبي والأوسط] إلى خط الدفاع الثاني [قاطع الحسنة-لبنى]، ونقل الفرقة الثالثة الآلية منه لتنضم إلى الفرقة الرابعة المدرعة على طول الممرات الجنوبية [متلا وجدي] والوسطى.. فإن احتاجت قوات الخط الثاني الجديدة للتراجع تتجمّع كل قوات سيناء على الخط الثالث عند الممرات لتقاتل حتى آخر طلقة وآخر رجل.
وافق المشير على الامتناع عن سحب الفرقة الرابعة شرقاً، وأبدى موافقة غير نهائية على باقي مقترحات مرتجي [أُخطر قائد جبهة سيناء، الفريق صلاح محسن، بالتأهّب لتنفيذها حال وصول الأمر]؛ بأمل أن فرقة القسيمة - بقيادة زلمة أخرى [سعدي نجيب] قادرة بعدُ على الصمود.
اتصل بعدها بعبد الناصر ليبلغه نية الانسحاب، وفق خطة مرتجي؛ فوافقه عليها.
ما بين الحادية عشر قبل الظهر والثالثة بعد الظهر نشأ تطوّران: اجتياح القسيمة، ثم تهاوي المحور الشمالي، عند وبعد العريش، لحدّ وصول طلائع القوات الاسرائيلية إلى رمانة.. جرت محاولة لتدعيم رمانة، بقوة انطلقت من القنطرة، لكنها فشلت في الوصول [غرزت في الرمل!].
ارتاع المشير من الأمرين؛ لقد انصرف ذهنه لتخيّل حركة HAIL MARY من نظيره، موشي ديان، يحاصر بها جموع قواته على كل المحاور والأنساق، ولم يهدّئ من روعه أن حجم التمدّد محدود، ولا يكفي لهكذا حصار وبهذه السرعة
استدعى رئيس الأركان، الفريق أول محمد فوزي، ورئيس هيئة العمليات - موثوقه - الفريق أنور القاضي، ومساعد الأخير، اللواء ممدوح جاد تهامي، عند الثالثة، مستعجلاً منهم خطة انسحاب.. عادوا اليه، قبل الخامسة، بواحدةٍ إلى الممرات، وعلى مدى أربعة أيام وثلاثة ليالي.. لم ينتظرهم؛ بل باغت الجميع، عند الرابعة عصراً، بقراره الانسحاب العام والشامل من كل سيناء في غضون ٢٤ ساعة، وليبدأ عند آخر ضوءٍ اليوم: ٦ حزيران.
حفلت الساعات الفاصلة ما بين تبليغ المشير القرار لقائد الجبهة [بل وقادة الفرق بنفسه] - مع قطع الاتصالات بين الجبهة والمركز - وبين الغروب بفوضىً عارمة: اتصل المشير بعبد الناصر ليخبره عن "اضطراره" لاستبدال خطة مرتجي بانسحاب عام سريع، خشية تطويق القوات [مستقلباً معركة سيناء: ٢٩-٣١ أكتوبر ٥٦]… صعق رئيسه، وطالبه بإلغاء القرار والثبات عند الممرات.
لكن الفوضى كانت قد ضربت أطنابها؛ لم يصدّق كثير من الضباط "العظام" [في المقابل، كان منهم رجال هزموا مقابلهم من قوات اسرائيلية هزائم تكتيكية فادحة في معارك ٥/٨ حزيران - قائد الفرقة السادسة: عبد القادر حسن، وقائدي لوائين مدرعين: عبد المنعم واصل وكمال حسن علي].
آذانهم، حين سمعوا بقرار الانسحاب، حتى تركوا ضباطهم الأصاغر وصف ضباطهم وجنوده، خلفهم مسارعين الريح الي الإسماعيلية فراراً.. ثم كان هناك اختلاط الأوامر عند البعض [مرتجي أم عام؟].
مع دخول ليلة ٦ على ٧ حزيران، واقتناع المشير بقرار رئيسه التشبّث بالممرات، لم يكن للتعديل الجذري هذا أثر عملاني فارق؛ فالفوضى والفرار باتا سمت الأداء.
لقد حُسمت الحرب تلك الليلة
*****
هل كانت هزيمة ٦٧، على الجبهة المصرية، محتّمة؟
ما حدّد الإجابة هو توصيفُ السؤال: هل نعني الهزيمة بمطلق؟ أم محض حجمها وثقَلها؟.. فبرغم ١٠٠٠ مليون دولار أُنفقت، على مدار عقد: ٥٧-٦٧، على التسليح السوفييتي.. وبرغم تلقّي الضباط "العظام" دورات أكاديمية فرونزة السوفييتية، ثم تخرّجهم، قبل الهزيمة بعام، من أكاديمية ناصر للعلوم العسكرية، التي أُنشئت، عام ٦٤، لتخريج حملة دكتوراة في العلوم العسكرية والاستراتيجية [كلية الحرب العليا وكلية الدفاع الوطني].. إلا أن قصورات كبيرة في الاستخبار [التجسس والتجسس المضاد]، ونوعية الطائرات والرادارات، وجودة التدريب، والفتح التعبوي ظهرت جليّة عشية وخلال المعارك؛ ناهيك برخاوة الضبط والربط، وشيوع ثقافة الانتفاع [أعراض جانبية لحرب اليمن]… أقول؛ برغم ذلك كله، إلا أن حال القوات المسلحة في عموم، يوم ١٥ مايو ٦٧، لم يكن من صنفٍ حتّم هزيمة نكراء.
كانت قوات اليمن قد قُلّصت من ذروة ٧٥ ألف جندي، في خريف ٦٥، إلى قرابة ٣٠ ألف جندي مع ربيع ٦٦.. وكانت القوات البرية - المدرعة، والمشاة الآلية، والمدفعية - والجوية والبحرية، في جلّها، داخل مصر.. ثم أن السؤال ليس: هل كانت القوات المسلحة جاهزة لإحراز نصر أو فوز، أو حتى رجحان، في الهجوم؛ بل هو: هل هي قادرة على خوض معركة تعرّضية [دفاع وهجوم مضاد] في سيناء، وإلحاق خسارة بيّنة بالمهاجم الاسرائيلي، تُترجَم سياسياً؟.. وفق المفهوم ذاك، وبرغم كل القصورات أعلاه، بل وحتى في ضوء تعديل خطة "قاهر" الدفاعية، لم تكن شروط هزيمة نكراء ماثلة.. كيف؟
لم يكن الخيار العسكري تجاه اسرائيل أولويةً عند عبد الناصر قبل الانتهاء من خطتي تنمية، وامتلاك أسلحة دمار شامل.. لكن اعتصاره بالضغط الأمريكي، منذ ٦٤، طلباً لرأس نظامه؛ أكان بالتجويع أم الاستخبار أم الاغتيال أم بإقامة "الحلف الإسلامي" - منذ بداية ٦٦ - ليضمّ السعودية وايران والأردن وتونس [والمغرب والسودان وليبيا وباكستان، بشكل مستتر]، وبهدف مقارعته بالعقيدة والموارد؛ أضف إلى ريبته من نوويٍ اسرائيلي، مسكوت عنه أمريكياً؛ أوصله، مع مفصل ٦٧/٦٦، إلى تحيّن تصعيدٍ؛ قصَد ردّ الولايات المتحدة عن نهجها ذاك، بوسيلة التصدّي لربيبتها اسرائيل.
ما حيّن أواسط مايو ٦٧ موعداً كان إنذاري اسحق رابين وليفي أشكول، في ١١ و ١٢ مايو، بغزو سوريا واحتلال دمشق، وفرضِ نظام حكم مسايرٍ وقّع معاهدة صلح مع اسرائيل، ووضْعِ قوات دولية على الجانب السوري من الحدود بعد قضم المنطقة المجردة من السلاح ومنابع نهري بانياس والدان، ثم الانسحاب.
انتظر عبد الناصر يومين علّ واشنطن تصدر استنكاراً ل، أو حتى نأياً عن، الإنذار الاسرائيلي لسوريا، وعبثاً كان.. خلال انتظاره، وردته معلومات سوفييتية عن حشود اسرائيلية على الحدود السورية بقصد الهجوم على الجولان في ١٧ مايو.. والحال أن تلك المعلومات لم تكن فارقةً في قرار التصعيد؛ فمع أن واشنطن - كما ثبت أرشيفياً لاحقاً - لم تكن خلف الإنذار ، إلا أن صمتها كفى عند عبد الناصر كي يكون قرينة تواطؤ اقتضى الردّ عليه بالمليان، وإلا ذهبت ريحه عند شعبه وأمته وعالمه الثالث؛ فضلاً عن أن ما تحيّنه من تصعيد قد توفّرت حيثياته بالتصعيد الاسرائيلي ضد سوريا.
بحشده، ما بين ١٤ و ١٨ مايو، ثلاثة فرق في سيناء، وفرضِه، يوم ١٦ مايو، تجميع القوات الدولية - المرابطة بين رفح وايلات - داخل قطاع غزة، قدّر عبد الناصر أن احتمال الحرب بذلك لا يتعدّى ٢٠٪؛ قدْرٌ قد يكفِ لغرض الضغط على واشنطن كي تلجم اسرائيل، من جهة، وتفكّ خانوقها عن عنقه، من جهة أخرى.
لكن قرار جونسون - عبر زلمته رالف بانش، والضاغط على رئيسه في الأمم المتحدة: يوثانت -، في ١٨ مايو، تخيير عبد الناصر بين فكّ الحشد وإعادة القوات الدولية إلى خطوط ١٥ مايو، وبين سحبها برمّتها من سيناء وغزة، عنى له إلقاء جونسون القفّاز في وجهه؛ ما استدعى صعوده على سلّم التصعيد بطلبه انسحاب القوات الدولية التام من سيناء - بما فيها شرم الشيخ - وغزة، كما في حشدَه الفرقة المدرعة الرابعة عند الممرات، يوم ٢٣ مايو، [وبذا وصل حجم القوات إلى ٥ فرق و ١٢ لواء]؛ ما أدّى بدوره إلى ارتفاع منسوب احتمال الحرب إلى ٥٠٪.
ما بين ١٨ و ٢١ مايو، بدا لعبد الناصر أن السيطرة على التصعيد، بما وفى بغرض الضغط على واشنطن كي تلبّي مطلبيه، اقتضت الصعود مجدّداً على سلّمه؛ أي اغلاق خليج العقبة [سيما وقد خلت شرم الشيخ من القوات الدولية]، بما عناه من رفع منسوب احتمال الحرب إلى ٨٠٪ .. لكن القرار تعلّق بجاهزية القوات المسلحة خوض معركة تعرّضية من عدمه؛ وهو ما بتّه المشير ايجاباً وقبولاً في اجتماع القيادة السياسية العليا، مساء ٢١ مايو، وأُشهر في ٢٢ منه.
طيب.. أمّا وقد باتت الحرب شبه حتمية، عقد عبد الناصر اجتماعه الأول بالقيادة العسكرية في ٢٥ مايو؛ وفيه لاحظ أن فِرق خط الدفاع الأول، السابعة والثانية والسادسة، قد تموضعت، وفق خطة قاهر، على الخط المجهّز هندسياً - أي الممتد من الشيخ زويد شمالاً إلى أبو عجيلة وسطاً إلى تمد جنوباً - فيما قطاع غزة متروكٌ للواء عين جالوت والحرس الوطني، الفلسطينيين، للدفاع عنه.
كان رأيه أن إهمال "قاهر" لغزة أمرٌ انبغى تصحيحه، وذلك بأن تمدّ الفرقة السابعة مشاة قاطعها شرقاً إلى رفح، فيما تُعزَّز مؤخرتها في العريش بلواء مدرع، وكتفها الجنوبي في الشيخ زويد بقوة الشاذلي [لواء مظلي وكتائب صاعقة ومشاة ومدرعات ومدفعية ودفاع جوي].. ثم أن تتمدّد قوات الخط الأول، على المحورين الأوسط والجنوبي، إلى قرب الحدود [أي إلى خط القسيمة - الكونتيلا] حتى تتمكن من الهجوم حال شنّ اسرائيل هجومها المنتوى على سوريا [مع لحظ عودتها للخط الأول المحصّن حال انتفاء سوريا هدفاً للهجوم الاسرائيلي، بتصدّر مصر الميدان].
لكن المشير لم يلبث وأن غيّر رأيه بعد ثلاثة أيام؛ ففي اجتماع القيادتين السياسية والعسكرية الثاني، في ٢٨ مايو، أبلغ رئيسه والحضور أنه سحب اللواء المدرع وقوة الشاذلي من الشمال، للتوّ، وموضَعهما بين المحورين الأوسط والجنوبي كي يشكّلا، مع الفرقة السادسة الآلية في الكونتيلا جنوباً، جداراً مدرعاً صلداً وكفيلاً بكسر ما اعتبره محور الهجوم الاسرائيلي الرئيس [لا بد وأن ضباطه "العظام"، خريجي "فرونزة" والأكاديمية قد وافقوه الرأي].. انبغى لعبد الناصر أن يعترض على هذا التصرّف الأخرق؛ ويبدو أن تكتّل عسكر المشير حول رأيه حالَ دونه!
بلغْنا يوم ٥ حزيران وقوات الخط الأول لابثة قرب الحدود، بدلاً من عودتها، في المحورين الأوسط والجنوبي، إلى خطها المحصّن في الخلف، أي تمد - أبو عجيلة، كما انبغى لها فعله منذ ٢٢ مايو.. فيما الاحتياطي العام الذي استدعي للخدمة، في ٢٠ مايو، قد خُلط بالقوات العاملة في تشكيلات موسّعة؛ ما جعلها فضفاضةً ضعيفة النوعية، بدلاً من الحفاظ على استقلال وحدات الاحتياط بغرض تدريبها في العمق كي تكون رديف الضرورة.. وفيما مطارات سيناء الأمامية ما فتئت عاجّة بالمقاتلات، بل والقاذفات الخفيفة، عوضاً عن إرسالها لمطارات العمق إثر تحديد عبد الناصر للقيادة العسكرية؛، مساء الجمعة ٢ حزيران، يوم الاثنين ٥ حزيران - فجراً أو غروباً - موعداً للهجوم الجوي الاسرائيلي.. وفيما المخابرات الحربية تنكر امتلاك اسرائيل ٨ ألوية مدرعة، بظنّها خمسة، وتنكر اختراق أجواء القاهرة بطائرات الاستطلاع الاسرائيلية، نهاية مايو.. وبرغم تلقّي القاهرة شيفرة عجلون - قاعدة الرادار الأردنية التي توفّرت لخدمة الطيران المصري استخبارياً، منذ ٣٠ مايو - قبل نصف ساعة من وصول أسراب الهجوم الاسرائيلي فوق المطارات المصرية، وفشل القاهرة في فكّها!.. لا بل وبرغم توفّر ساعة ونصف إنذار وفّرها مكتب المخابرات الحربية بالعريش منذراً بانفتاح تعبوي، جنوب النقب، لقوات الهجوم المعادي البرية.
لندع ذلك كلّه جانباً ولنقيّم وقائع الميدان الفعلية منذ بدء الهجوم الجوي المعادي.. توجّه المشير في طائرته إلى مطار المليز في سيناء بعد انقضاء الفجر وشابورته، في حدود الثامنة وخمسة وعشرون دقيقة - أي بتزامن الصدفة مع اشارة عجلون - [كلاسيكياً، فوقتي الفجر والغروب هما المتّبعان لشنّ هجوم جوي]، فما إن وصل أجواء القنال حتى داهمته، في التاسعة إلا عشرة دقائق صباحاً، موجة الهجوم الجوي الأولى، فأقفل عائداً إلى القاهرة، ليصلها في حدود العاشرة.. لقيَه عبد الناصر، في مقر القيادة العسكرية، عند الظهر ليكتشف أنه كرّر ما فعله ليلة انقلاب الانفصال السوري: إخفاء المعلومات عن رئيسه لساعات ثمينة، بل ومضى لعزو الخسائر الجسيمة لتدخلٍ جوي أمريكي، لم يقبضه رئيسه؛ محقّاً.
والحال أن نجاة الطائرات المصرية من الهجوم - لو حدثت - لَما كانت فارقة بذاتها؛ اللهم إلا في حال أوقفه الاسرائيليون في المهد باكتشاف انكشافهم.. أما إن ثابروا عليه ففوزهم في معارك الجو قاطعٌ بمحض مقارنة جهوزيتهم بتلك المصرية.. لذا، فالحديث هنا هو عن معركة برية في الأساس.
من غرائب ما جرى، بين ٦ و ٨ حزيران، كان اقتضاب حضور عبد الناصر لمقر القيادة العسكرية؛ مكتفياً بلقاء الظهيرة في الخامس، ثم بتفقّد ليلي يومها خيّب ظنّه في تفكير القائد و"عظمائه"، ثم اكتفاءٌ بتواصل هاتفي مع المشير، وبضباط اتصال بين مكتبه و"القيادة"، طيلة الأيام الثلاثة التالية، وحتى الثامنة من مساء الخميس ٨ حزيران حين وصلها ليقرّر منها قبول وقف النار، وليبحث مع المشير تنحّيهما في اليوم التالي.
طيب، وبعلم ذلك، خصوصاً وأن وجوده بنفسه في القيادة العسكرية، منذ مفصل ٦/٥ حزيران، كان لازماً بغية ترشيد قرارات العسكر، لكن سير الحوادث - وفق ما جرى فعلاً - لم يكن وجودي الخطر: صحيحٌ أن الطائرات المصرية قد أبيدت بنسبة ٨٠٪ في اليوم الأول، إلا أن ارتداد القوات الأمامية إلى خطها المحصّن، مع بدء الهجوم، كفل قدرة أكبر لها على امتصاص آثار السيادة الجوية المعادية.
وحتى مع وبعد انهيار المحور الشمالي في اليوم الأول، وبعلم أن الارتداد عن الخط الأمامي لم يتمّ، وأن القسيمة قد حوصرت صباح السادس، فلقد كان اتّباع خطة "مرتجي" [انسحاب قوات الخط الأول إلى الثاني، وقوات الخط الثاني إلى الثالث] كفيّاً بتأمين قدرة الصدّ والإشغال والمناورة، وبعلم أن اتّقاء خطر الطيران المعادي ممكّنٌ بوسائط الحيطة والأمان، حتى في الصحراء، ثم أن سفوح الممرات الشرقية حاجبٌ طبيعي مضاف.
كل ما احتاجه الأمر هو الثبات عند الخط الثاني لحدّ استنفاذ القدرة على المطاولة فوقه، والانتقال بعدها إلى الخط الثالث والقتال عنده حتى النهاية.. إن أيام قتال طويلة، لا تقل عن عشرة، بين الخطين كانت قد كفلت كسر موجات الهجوم الاسرائيلي بما لا يتجاوز الممرات، وبدون أي انسحابٍ من شرقها إلى غربها [استثناء الانسحاب الوحيد هو من شرم الشيخ]، وبدون حاجة لاغلاق قناة السويس… أضيف هنا دور لنشات الصواريخ البحرية، القادرة على اعتراض تقدم اسرائيلي إلى ما بعد رمانة على المحور الشمالي.
في الأثناء، أنفق عبد الناصر نهار الخامس في محاولة ترتيب استحصال ١٠٠ مقاتلة ميج- ٢١ من الاتحاد السوفييتي، لتصل مع السادس، سيما وإصلاح المطارات كان جارياً على قدم وساق، وباتت جاهزة للخدمة يومها.. راوغه الكرملين بقلّة هيبة نمّت عن تهيّبه من غضب واشنطن، ثم تحذلق بأن أقنع بومدين بإرسال ٤٠ ميج جزائرية الي مصر لقاء تعويضه لاحقاً بذات العدد.. ثم، وهو الرافض أزعومة المشير بتدخل أمريكي مباشر، تبنّى - في السادس - اتّهامه ذاك بغية تسليط المزيد من الضغط على واشنطن [تأتّى عن ذلك رحيل ٦٢ ألف أمريكي عن العالم العربي وقتها].
ما معنى ذلك كله؟.. أن هزيمة منكرة كاملة الأوصاف لم تكن حتمية البتّة، لو أديرت المعركة، كما انبغى وفق علم الحرب، برشادٍ علمي ثابت الجنان، كان في الوسع.. كانت لمواجهة ممكنة من هذا القبيل أن تلد هزيمتين تكتيكيتين، لا واحدة: الأولى لمصر، خسرت فيها أرضاً [قطاع غزة وصحن سيناء وشرم الشيخ]، ومعدات، وشهداء قضوا قتالاً لا ضياعاً.. والثانية لإسرائيل، وقد كُسر هجومها أمام دفاع عنيد وقادر ألحق بها خسائر أخرجت البلطجة من قاموسها، وأفشلت مقصدهما، هي وسيدتها الأمريكية، الاستراتيجي: تدمير نظام جمال عبد الناصر.
طيب، وماذا عن الجبهتين الأردنية والسورية؟
لذلك مقام آخر؛ لكن الأكيد أن ثبات الجبهة المصرية كان استولد أداءً أفضل على كليهما.
** هذا النص، وسابقه حول ٦ حزيران، هما من وحي الطبعة الثانية، المزيّدة والمنقّحة، - وشيكة الصدور - من كتابي "عبد الناصر كما حكم"