سوريا بين أزمة الشرعية وتحديات إعادة التأسيس الوطني
2026.06.15
مروان حبش
لا تكمن المعضلة السورية الراهنة في غياب تسوية سياسية نهائية أو في استمرار التنافس الإقليمي والدولي فوق أراضيها فحسب، بل في غياب التوافق على تعريف الدولة ذاتها، وعلى طبيعة الجماعة السياسية التي يفترض أن تمنح هذه الدولة شرعيتها واستمراريتها التاريخية.
ومن هذا المنظور، تبدو الحالة السورية أقرب إلى أزمة تأسيس سياسي لم تكتمل شروطه بعد، حيث تتداخل أزمة الشرعية مع أزمة السيادة، وتتقاطع إشكالية بناء الشعب السياسي مع إشكالية إعادة إنتاج الدولة في بيئة هشة ومجزأة، ما يجعل مستقبل سوريا مرتبطاً بقدرتها على الانتقال من فضاء الوظائف الجيوسياسية المتنازع عليها إلى فضاء الدولة الوطنية القادرة على إنتاج معنى جامع للمواطنة والانتماء والسيادة.
أولاً: الدولة السورية بين السيادة القانونية والسيادة الفعلية
تكشف التجربة السورية عن مفارقة جوهرية تتمثل في استمرار الاعتراف القانوني بالدولة السورية كوحدة سياسية ذات سيادة، مقابل تآكل مظاهر السيادة الفعلية خلال سنوات الصراع.
فالسيادة في معناها المعاصر لا تُختزل بالاعتراف الدولي أو السيطرة الشكلية على الحدود، وإنما ترتبط بقدرة الدولة على احتكار القرار السياسي والأمني والاقتصادي داخل فضائها الوطني. وفي الحالة السورية، أدى تداخل النفوذ الخارجي مع تعدد مراكز القوة المحلية إلى إنتاج حالة من "السيادة المتنازع عليها"، حيث بقيت الدولة قائمة من الناحية القانونية، بينما تعرضت وظائفها السيادية إلى درجات متفاوتة من التشظي.
وهذا التناقض بين السيادة القانونية والسيادة الفعلية يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه عملية إعادة بناء الدولة، إذ لا يمكن استعادة الشرعية الوطنية من دون استعادة القدرة على إنتاج القرار المستقل وإعادة توحيد المجال السيادي.
ثانياً: أزمة الشرعية وإعادة إنتاج السلطة بعد النزاعات الممتدة
في سوريا، تبدو أزمة الشرعية أكثر تعقيداً من مجرد خلاف حول السلطة السياسية، لأنها ترتبط بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع بعد سنوات من الانقسام والاستقطاب والعنف. فالشرعية الحديثة لا تقوم على القوة وحدها، ولا على الإرث التاريخي أو الاعتراف الخارجي فقط، وإنما على وجود قبول مجتمعي واسع بقواعد اللعبة السياسية ومؤسساتها وآليات إنتاج السلطة فيها.
ثالثاً: الدولة والشعب... أيهما يسبق الآخر؟
تثير الحالة السورية سؤالاً كلاسيكياً في علم الاجتماع السياسي: هل سبقت الدولةُ الشعب أم سبق الشعبُ الدولة؟
ففي العديد من التجارب الأوروبية تشكلت الأمة أولاً ثم أنتجت الدولة الحديثة، بينما شهدت تجارب أخرى قيام الدولة قبل اكتمال تشكل الأمة السياسية.
وفي الحالة السورية، تبدو العلاقة بين الدولة والشعب أكثر تعقيداً، إذ تشكلت الدولةُ الحديثة ضمن سياقات تاريخية وجيوسياسية سابقة على اكتمال تشكل هوية وطنية جامعة بالمعنى السياسي الحديث. وقد نجحت الدولة لفترات طويلة في إدارة هذا التعدد، لكنها لم تتمكن دائماً من تحويله إلى مشروع وطني متوافق عليه بصورة نهائية.
ومع اندلاع الأزمة، عادت الهويات الفرعية إلى المجال العام بقوة، ما كشف أن عملية بناء الشعب السياسي ما تزال مشروعاً مفتوحاً لم يكتمل بعد.
رابعاً: الاقتصاد السياسي للحرب وإعادة إنتاج الهشاشة
لا يمكن فهم مستقبل الدولة السورية بعيداً عن الاقتصاد السياسي للصراع. فالحروب الممتدة لا تدمر البنية التحتية فحسب، بل تنتج أنماطاً جديدة من المصالح والشبكات الاقتصادية التي تستفيد من استمرار حالة اللا استقرار. ومع مرور الوقت تنشأ اقتصادات موازية ومراكز نفوذ مرتبطة بواقع الحرب أكثر من ارتباطها بمتطلبات الدولة الوطنية.
وفي مثل هذه الظروف يصبح الانتقال إلى السلم عملية معقدة، لأن إعادة بناء الدولة تعني أيضاً إعادة هيكلة المصالح الاقتصادية التي نشأت خلال سنوات النزاع.
لذلك فإن أي مشروع لإعادة تأسيس الدولة السورية ينبغي أن يتجاوز منطق إعادة الإعمار التقني نحو معالجة البنية الاقتصادية التي أعادت إنتاج الانقسام والتبعية والهشاشة.
خامساً: الهيمنة الغرامشية وأزمة الإجماع الوطني
يمكن الاستفادة من مفهوم الهيمنة لدى المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي لفهم أحد أبعاد الأزمة السورية.
فالهيمنة لا تعني السيطرة بالقوة فقط، وإنما القدرة على إنتاج إجماع ثقافي وأخلاقي يجعل النظام السياسي مقبولاً بوصفه تعبيراً عن المصلحة العامة.
ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الأزمة السورية كشفت تراجع قدرة مختلف الفاعلين على إنتاج إجماع وطني جامع، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع، وبين الجماعات الاجتماعية نفسها.
إن إعادة بناء الدولة تتطلب أكثر من إعادة بناء المؤسسات؛ إنها تتطلب بناء هيمنة وطنية جديدة بالمعنى الغرامشي، أي توافقاً مجتمعياً واسعاً حول قيم المواطنة والعدالة والسيادة والشراكة السياسية.
سادساً: المجال العمومي والتقيّة السياسية
أحد المؤشرات المهمة على عمق الأزمة يتمثل في تراجع المجال العمومي بوصفه فضاءً للحوار الحر وإنتاج الإرادة الجماعية.
لقد أفرزت سنوات الصراع حالة من التقيّة الاجتماعية والسياسية، حيث اتسعت المسافة بين ما يعتقده الأفراد وما يعلنونه في المجال العام. وأصبحت المواقف السياسية في كثير من الأحيان محكومة بالخوف أو الاصطفاف أو اعتبارات البقاء أكثر من كونها تعبيراً عن قناعات حرة.
إن بناء دولة مستقرة يتطلب إعادة إحياء المجال العمومي باعتباره مساحة للحوار والتفاوض وصناعة التوافقات الوطنية، لا مجرد ساحة لتبادل الاتهامات أو إعادة إنتاج الانقسامات.
سابعاً: المتخيّل الجمعي وإعادة بناء الشعب السياسي
لا تستطيع أي دولة أن تستمر بالاعتماد على القوة أو المؤسسات وحدها. فالدولة الحديثة تحتاج إلى سردية وطنية تمنح المجتمع شعوراً بالانتماء إلى مشروع مشترك.
وقد أدى الصراع السوري إلى تصدع هذا المتخيّل الجمعي، وتآكل العديد من الرموز والروايات التي كانت تؤدي وظيفة الدمج الوطني. لذلك فإن إعادة بناء الدولة تقتضي بالتوازي إعادة بناء الشعب السياسي بوصفه جماعة مواطنين أحرار ومتساوين، لا مجرد تجمعات سكانية تعيش ضمن حدود واحدة.
فالمواطنة ليست وضعاً قانونياً فحسب، بل هي شعور بالانتماء إلى مصير مشترك وإرادة جماعية مشتركة.
ثامناً: من التسويات الدولية إلى التوافقات الوطنية
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن التسويات الدولية قادرة على وقف الحروب، لكنها ليست قادرة وحدها على بناء الدول.
فالدول تُبنى عندما تتحول موازين القوى إلى توافقات سياسية داخلية، وعندما تنتقل المجتمعات من إدارة الصراع إلى إدارة الاختلاف.
ومن هنا فإن مستقبل سوريا لا يتوقف على طبيعة التفاهمات الإقليمية والدولية فقط، بل على قدرة السوريين أنفسهم على إنتاج تسوية وطنية تعيد تعريف الدولة باعتبارها إطاراً جامعاً للمواطنة والسيادة والمصلحة العامة.
وملاك القول
إن التحدي الحقيقي أمام سوريا لا يتمثل في إعادة بناء مؤسسات الدولة فحسب، بل في إعادة بناء الفكرة التي تقوم عليها الدولة ذاتها. فالمجتمعات لا تستقر حين تتوازن الضغوط الخارجية، بل حين تنجح في إنتاج عقد اجتماعي وسياسي وأخلاقي جديد يحدد طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والمواطنة، وبين الهوية الوطنية والتعددية الاجتماعية.
ولعل المخرج التاريخي لسوريا يكمن في تجاوز موقعها بوصفها ساحة لتقاطع المشاريع والوظائف الجيوسياسية، نحو استعادة السياسة بوصفها فعلاً وطنياً مستقلاً، واستعادة الدولة بوصفها تعبيراً عن الإرادة الجمعية لمواطنيها.
فاستقرار سوريا لن يكون نتاجاً دائماً لتوازن القوى بين الفاعلين الخارجيين، بل نتيجة قدرة السوريين على إنتاج متخيّل وطني جامع يحرر الدولة من وظيفيتها الجيوسياسية، ويعيدها إلى مجالها الطبيعي بوصفها إطاراً للمواطنة والسيادة والتنمية والعدالة.