كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

في ذكرى اغتياله.. هل كان المالكي طائفياً؟ وهل السوري القومي من اغتاله؟

علي سليمان يونس

بعد ظهر 22/ 4/1955م، استشهد العقيد عدنان المالكي نائب رئيس الأركان وهو يرعى مباراة رياضية لكرة القدم. ورغم مضى/ 71 /عاما، لا يزال السؤال المطروح والذي يشغل بال الكثيرين من هو القاتل؟
أقول:
إن الاستعمار بشقيه القديم والحديث، يستفيد دوما من أخطاء ذوي النوايا الحسنة أكثر مما يستفيد من أجھزته وعملائه وجواسيسه، ويحاول أن يوجه كل أمر يقع في البلاد الوجھة التي تخدم أغراضه وغاياته. والاستعمار لا يرده الفشل، ولا يثنيه الإخفاق، ومن يعتقد غير ذلك يكن طفلا في نضال الاستعمار ومعالجة القضايا السياسية.
ما كادت البلاد السورية تخرج ظافرة من معركة الديكتاتورية "نظام الشيشكلي"، ومحبطة مؤامرة الاستعمار حتى تعرضت لمؤامرة أخرى.. ولا تزال وستبقى المؤامرات مستمرة..
بعد سقوط الشيشكلي كان لا بد للإدارة الأمريكية أن تبحث عن "شيء شكلي" جديد لسوريا فأمرت مستودع الإعاشة أن يزود مطبخ المؤامرات، أن يتحرك... ورفعت الطنجرة على النار... والمخابرات الأمريكية لا تحتاج غمزة، بل على العكس فهي التي تبرمج للإدارة، ولها تخطط أيضا! فوضعت في بالها أن يكون في قيادة الجيش السوري ضابط مريح بل مريح جدا ولبيب أيضا ومن الإشارة يفهم، فإن يفهم بالتلميح، وإلا فمنأاقدرُ من المخابرات الأمريكية على تفهيمه بالتصريح؟ ولكن سرعان ما تبين أن حساب السرايا غير حساب القرايا.. إذ ظهر في الجيش العربي السوري رجل ولا كرجال.. كان وهو في السجن قد جعل "الشيشكلي" يرتعد وهو في القصر الجمهوري.. وصار وهو معاون رئيس الأركان وكأن بيديه الأركان، وغير الأركان، فكيف تكون الحال عندما ستصير الدفة كلها بين يديه... إنه العقيد عدنان المالكي؟
كان مما لا شك فيه أن الأيام القليلة القادمة ستحمل هذا الرجل الكبير إلى المركز الخطير وتفقد الولايات المتحدة دورها في سوريا... فالمالكي مقاتل عنيد ضد إسرائيل، وهو لا يقعقع له بالشنان، وقراره لا يُصنع له في الخارج وقناعاته يستمدها من نفسه، وهل نفسه سوى مرآة شعبه.. ثم إن ماضيه يدل على حاضره والمستقبل... أي انه العقبة الكأداء بوجه المصالح الأمريكية... ومن هنا قررت المخابرات الأمريكية أن تقف إلى جانب مصلحتها، ومصلحتها الخلاص من هذا البطل..
أقول:
إنني انقل لكم بحيادية تامة (وثائق وإفادات رسمية)، ولا اتبنى أي رواية منها، باستثناء ان الاغتيال استفاد منه جهات عديدة وعلى رأسها أمريكا كما ورد في الجزء الأول.... وسأذكر بقية الجهات.. وأنتم الحكم..
هناك مقولة في عالم الحقوق الجنائية تقول: "فتش عن المستفيد من الجريمة لتعرف من دفعَ إلى ارتكابها".. فإن انطلقتَ من هذا المبدأ وأنت تعالج هذه القضية فإنك سوف يدهشك فيها كثرة المستفيدين الذين كانوا أكثر من "الهموم الجاثمة على قلب الأمة العربية"... صحيح أن المحقق طرح السؤال ولكن الجواب انحصر بما وبمن قُدم له، وليس بمن وبما تقدم هو اليه أو اليهم... لقد وقع المحقق أو أوقعوه أسيرا للفكرة الثابتة التي أدخلوها في روعه، وهي: "إن الجريمة عقائدية ارتكبها الحزب السوري القومي ثأرا لماضٍ أو طمعا بمستقبل".. أما الثأر فللشيشكلي، وقد طمع الحزب السوري القومي ببقائه في الحكم ليتربع هو من خلاله في دسته فإذا الشيشكلي بين عشية وضحاها في خبر كان، وتطير معه آمال الحزب.. والثأر أيضا لتسريح المقدم "غسان جديد" الذي كان الحزب السوري القومي يأمل أن يكون لهم بمثابة حصان طروادة في الجيش فإذا هو قبيل سقوط الليل بقايا رماد... وكلا الضحيتين مسؤول عنهما "المالكي"..
وعليه، فإن المحقق عندما طرح على نفسه سؤال من المستفيد من القتل؟ لم يجد سوى اثنين: "جورج عبد المسيح وغسان جديد"... وكلاهما هارب من وجه السؤال، فبقي المحقق وحده وكأنه يسأل نفسه أمام المرآة... وعندما عاد المحقق إلى نقطة البدء.. ليمشي على مهله، وراء الخيط، وجد القاتل وقد صرعوه فورا بعد ثانيتين أو ثلاث.. فاذا المحقق يجد نفسه وحيدا أيضا... أجل؟ حاول المحقق أن يسأل من قتل القاتل؟ وجاء الجواب مع وسام على طبق من الفضة: قتله احد رجال الأمن؟ وبدلا من أن يكسروا يد هذا الأحد من رجال الأمن، على هذا الحماس الوطني، المشكوك فيه، فإنهم رقوه فورا، وكوفئ ولم يمكنوا المحقق من استجوابه ليتعرف إلى باعثه لإفراغ رصاص مسدسه في دماغ القاتل، في حين أن الخوف من هربه أن احتمى بالرد، خلفه، فتكفيه رصاصة في الرِجل، ليلقوا القبض عليه حياَ... أما اذا أدعى انه طاش صوابه لهول ما رأى، فالأسئلة الذكية كفيلة بأن تعيد له الصواب.. والجدير ذكره أن ((بديع مخلوف قام بإطلاق النار على القاتل فور تأكده من مصرع المالكي، و هذا الأسلوب تتبعه المخابرات الأمريكية. إذ نفذت نفس السيناريو لدى مقتل الرئيس "ج ف كينيدي" فبعد أن أغتال "أوزولد" الرئيس الأمريكي صرعه "لي هارفي" بمسدسه وهو خارج من غرفة المحقق وهذا يدلنا أن المُخطط واحد في كلا الحالتين)).
وربما حاول المحقق أن يسأل من هو المستفيد من إخفاء صوت القاتل؟ لكنه بقي أيضا بلا جواب.. وكما يقول المثل "إن زوجة القيصر فوق الشبهات" ومن يستطيع أن يسأل ضابط المخابرات عبد الحميد السراج وهو بمثابة "زوجة القيصر" أو ان يسأل مرؤوسه اكرم ديري أو سواهما من القياصرة لماذا احد عناصركم قتلَ القاتل على الفور؟ كان الرائد عبد الحميد السراج رئيس المكتب الثاني (شعبة المخابرات) لذلك المكتب الذي قاد أجهزة الأمن المختلفة وبقوة وفي خلال أربع ساعات تمكن هذا الرائد النشيط من إلقاء القبض على ما يزيد عن التسعين شخصا من قياديي هذا الحزب بينهم عصام المحايري، الرئيس، وجولييت المير زوجة الزعيم سعادة، وعبد الله محسن القيادي من القطر اللبناني وغيرهم.. كيف عرفت المخابرات أن الحزب هذا هو وراء العملية في حين أن القاتل لم يبحْ بشيء... لأنهم لم يتركوه يبوح.. واذا فرضنا ان المخابرات (السراجية) كالله "استغفر الله" بكل شيء عليم، وخصوصا في هذه القضية التي فيها المخابرات اكثر من عليم.. فكيف يبقى معظم قادة هذا الحزب في دمشق ولم (يفرنقعوا) ساعة وقوع الجريمة وهم عالمون بها ولم يلذ احد منهم بالفرار بما فيهم أعضاء القيادة اللبنانيون؟ أترى جاؤوا قصدا إلى دمشق ليُلقى عليهم القبض فيها.. أو ليمشوا بالجنازة في حين لم يتركوهم ليمشوا فيها... فرّ اثنان فقط هما: "غسان جديد وجورج عبد المسيح" وهما المتهمان الرئيسان الضالعان ولكن مع من؟ ضالعان جدا مع الذي تركهما يهربان، في حين يقدم للتحقيق مئتان... على هامان يا فرعون...؟ هذا انت اذاَ..؟ تترك المنصة بلا حماية.. تقتل القاتل فورا.. تقبض على اكثر القياديين الذين لا علاقة لهم. تكافئ قاتل الشهيد وتهرّب الضالعين فقط؟
وبعد... لعل السراج هو اكبر المستفيدين من تصفية المالكي... حيث سيخلو له الجو تماما، فالعميد "شوكت شقير" لا في العير ولا في النفير... (وقد اتُهم هو الآخر أي "شقير" بشكل مباشر بالضلوع بتصفية عدنان من قبل رياض المالكي شقيق عدنان)... وإلا كيف نفسر تراخي رجاله الموثوقين في حراسة المنصة، وكيف ان رئيسهم "اكرم الديري" لم يعط الموضوع ما يناسبه من الأهمية فيسمح لأحد عناصر الحزب السوري القومي بالتواجد على المنصة مع "سلاحه"، في حين ان هذا الحزب صار من اعدى أعداء السلطة بعد سقوط الشيشكلي؟
أما إصرار السفير المصري "محمود رياض" على رعاية المباراة الرياضية من قبل المالكي، رغم اعتذار المالكي في البداية، فقد وضعته موضع الشبهة والاتهام أيضا لاعتبارات لا مجال للاستفاضة بذكرها.
وما دام الحديث ذا شجون.. فما هو موقف جماعة اكرم الحوراني من الاغتيال؟ فلا بد من ان ندخل على واحد من كبار المستفيدين اسمه اكرم الحوراني. بعد سقوط الشيشكلي حاول اكرم الحوراني ان يتسلطن في القوات المسلحة.. أليس هو احد الأساتذة الثلاثة قادة البعث (عفلق والبيطار والحوراني) وفي القوات المسلحة عدد لا يستهان به من الضباط... ولا سيما انه كان بالاتفاق مع الأستاذين عفلق والبيطار قد حصر الاتصال بشخصه مع القوات المسلحة. ولكن المالكي وهو يعرف الحوراني على حقيقته ويعرف (مناقبيته) في الوصولية، لم يكن يسمع له أو ينقاد، ولا يقيم له أي وزن، فإن ادعى الحوراني انه قاتلَ في جيش الإنقاذ الفلسطيني أجابه المالكي إن على تخوم فلسطين المحتلة تلاً مسقياً بالدم ويسمى باسمه يشهد على النضال والجراح... بينما تشهد بلدة الناصرية على (الكميونات) المحملة بالأغراض المنهوبة (تعفيش).. واكرم يغض الطرف عنها مادامت لمصلحة جماعته، ولذلك كانت أعمال اكرم الحوراني تصب في طاحونه عبد الحميد السراج وغيره...
وعن السبب المباشر للقتل.
بعد ما حولوا الأنظار عنهم جميعا ووجهوها إلى الحزب السوري القومي بقيادته مجتمعه لا بأحد أعضائه (غسان جديد)... عمدت المخابرات الأمريكية لتوجيه أدواتها لإيضاح أسباب القتل. وقد ترك المجرم "يونس عبد الرحيم" بصماته وهو يفسر للشهود الكثيرين كيف قبل المهمة من غسان ويرجع إلى عاملين:
الأول: عقائدي، وهو ان المالكي حجر عثرة في طريق تقدم الحزب السوري القومي، وهو حزبي ملتزم بتنفيذ توجيهات الحزب السوري القومي.
والثاني: طائفي، وهو أن غسان جديد ما كان سُرحَ لولا أنه "علوي" والمالكي يحارب هذه الطائفة ولأنه "علوي" فهو حاقد على المالكي..
ولكن الحقيقة أن تسريح غسان كان للتبعية، كونه أحد أدوات الشيشكلي ولما سقط هذا سقطت معه رموزه وعلى رأسهم غسان..
أما الأكذوبة بأن المالكي هو ضد "الطائفة العلوية" فيكفي لإسقاطها وإظهار تفاهتها ان المالكي كان اتخذ قرارا وعلى مسؤوليته الشخصية بقبول كافة البعثيين المتقدمين للكلية الحربية الدورة التاسعة (1954 - 1956م) وعددهم (70) طالبا من أصل مائة، وهذه الدورة التي أحدثت خللا كبيرا في بنية التركيب العقائدي في الجيش العربي السوري وجعلت البعثيين أكثرية مطلقة، ولو كان المالكي طائفيا لكان دقق في الهويات ووجد ان أربعين من اصل السبعين كانوا (علويين) وعندئذ كان ابعدهم عن الجيش كما ابعدَ قبل ذلك المقدم غسان جديد...
وهكذا سقط التحقيق بين يدي الرأس المدبر وأدواته، ولكن الفكرة بقيت ثابتة لدى المحقق وهي ان الحزب السوري القومي هو القاتل ثم انقلبت شيئا فشيئا إلى فكرة محاصرة والفكرة المحاصرة انقلبت إلى خانقة وهكذا اختنق التحقيق.. ولذلك قلت في البداية ان المسرحية كتبت بدقه من قبل المخابرات الأمريكية، ثم اُمر اللاعبون بأن يصعدوا إلى خشبة المسرح واشتغل العرض. وكم كانت ذكية تلك المخابرات ومتخصصة اذ جعلت عدة فرقاء يبدون كأنهم متنافرون. ولكنهم يعملون وكأنهم فريق واحد...
يتبع...
الجزء الأخير من هذا البحث حول استشهاد عدنان المالكي...