كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عندما خطب أمين الحافظ غاضباً في ذكرى ميلاد البعث 1964

علاء الدين تلجبيني

خطب أمين الحافظ غاضباً:
"نحن نقول للمتآمرين ومن خلفهم: ما هي إلا أيام قليلة حتى نسحقهم ومن معهم ومن خلفهم، وسيعلم المتآمرون أيَّ منقلبٍ ينقلبون".
يقول باتريك سيل:
"إن البعث، بدلاً من الاحتفال بالذكرى الأولى لثورته بثقة وارتياح، وجد نفسه مضطراً لقمع انتفاضة شعبية ضد حكمه".
ففي 7 نيسان/إبريل 1964، كتب أحد طلاب مدرسة «عثمان الحوراني»، وهو شاب من آل الشمالي من حي الحاضر، على اللوح عبارة «لا حكم إلا لحزب البعث». فما كان من طالبٍ آخر إلا أن شتم الحزب وكتب في المقابل «لا حكم إلا لله». وسرعان ما استعان الطالب البعثي برفيقه من الحرس القومي، ليتحوّل الخلاف إلى عراك بين مجموعات من الطرفين، انتهى بمقتل الطالب نزار الشمالي (ويذكر باتريك سيل أنه تم تقطيعه). وقد دفع ذلك عناصر الحرس القومي إلى التصدي للتحركات الشعبية التي بدأت تتشكل في الشارع ضد أنصار البعث، فيما تدخلت السلطات واعتقلت الطالب الذي كتب «لا حكم إلا لله».
توالت الوساطات لإطلاق سراح الطالب، لكنها لم تفضِ إلى نتيجة. وعلى العكس، أصدر «شبلي العيسمي»، وزير التربية والتعليم آنذاك، قراراً بنقل عدد من مدرسي مادة الديانة إلى خارج المدينة، الأمر الذي فجّر موجة احتجاج واسعة؛ إذ أعلن طلاب المدارس الرسمية والخاصة إضراباً عاماً، سرعان ما امتد ليشمل الأسواق.
لم تكن هذه المواجهة وليدة لحظتها، بل كانت مؤجلة منذ استيلاء البعث على السلطة. فالشباب المحافظ في المدينة لم يستسغ بسهولة انتصار البعث وما رافقه من زهوٍ أيديولوجي وشعاراتٍ رأوا فيها استفزازاً مباشراً لقيمهم وهويتهم. وعلى هذا، لم يكن الإشكال بين الطالبين سوى شرارة عابرة، كان يمكن لها أن تنطفئ كأي شجار مدرسي عادي، لولا أن خلفيته السياسية كانت كفيلة بإيقاظ ما تراكم في النفوس من احتقانٍ مكتوم، سرعان ما خرج إلى العلن.
يقول عدنان سعد الدين، المراقب العام السابق للإخوان المسلمين:
"كان الطلاب مهتاجين، ولا يتحملون ما يقوله البعث، كالقول: آمنت بالبعث رباً لا شريك له، وللعروبة دين ما له ثان. كانت السيطرة على الطلاب صعبة، وكانت قيادات الإخوان تدعو الطلاب إلى عدم الانجرار إلى المواجهة، غير أن بعض المتحمسين، وعلى رأسهم الشيخ سعيد حوى، بلغ بهم الحماس أشده، فقابلوا شدة النظام بشدة بعض الإخوان".
وفي كتابه «هذه شهادتي»، يقول الشيخ سعيد حوى، أحد المشاركين في الانتفاضة ضد حكم البعث:
"كان جو حماة ملتهباً عام 1964 لأسباب كثيرة، أهمها أن معظم أهالي المدينة كانوا ضد النظام القائم، من سياسيين ومتدينين ومثقفين. فالناصريون ضُربوا في 18 تموز 1963 وكان لهم ثأر، وأكرم الحوراني وجماعته كانوا مبعدين ومضطهدين، والمتدينون كانوا يرون النظام موغلاً في العلمانية. فبدأت السلطة تتكلم كلاماً مثيراً؛ فزكي الأرسوزي نشر في مجلة «جيش الشعب» أن قصة آدم أسطورة، وتحدث عن الجاهلية بأنها أرفع مظهر للنفسية العربية، ودندن بعض الوزراء حول إلغاء الأوقاف ومادة التربية الإسلامية. فتحرش طلاب النظام بمدرسي التربية الإسلامية، واعتُدي على الشيخ عبد الكريم الرفاعي من قبل أحد رؤساء المخافر".
فيما يقول مصطفى طلاس في كتابه «مرآة حياتي»:
"لقد تحالف الإخوان المسلمون مع الناصريين، ومع الرجعيين والشيوعيين والإقطاعيين وبقايا عهود الاستعمار لضرب ثورة الثامن من آذار".
يضيف سعيد حوى أنه بعد الأحداث في ثانوية الحوراني، استعان عبد الحليم خدام، محافظ المدينة، بالجيش، الذي استهل وصوله بقتل شاب من آل الجواد، فأمر خدام بإغلاق المدينة، واتصل بوزير الداخلية نور الدين الأتاسي وطلب منه إصدار أمر عرفي، الذي أبلغ بدوره الحاكم العرفي أمين الحافظ.
ردا على اغتيال الشاب من ال الجواد ادلى شبلي العيسمي وزير التربية والاعلام بتصريح قال فيه ان الاحداث بدأت حين اعتقل أحد الطلاب ونقل بعض الاساتذة والمعلمين، فحاولت احدى المدارس القيام بمظاهرة في حي الحاضر انطلقت اثناءها بعض الرصاصات مما ادى لمقتل احد المواطنين، وقد ثبت ان الرصاصة قد أتت من مكان عالي يرجح انه أحد السطوح مما يدل على انها لم تصدر من رجال الامن، وقد استغلت هذه العناصر الرجعية الحاقدة والاقطاعية التي لم تكتم حقدها منذ تطبيق الاصلاح الزراعي وتطبيق الخطوات الاشتراكية الاخيرة). كان تصريح العيسمي يعكس النوايا المسبقة لاستدراج المدينة نحو المواجهة، وقد استغل الظرف وقام بعض الضباط بتنفيذ اعمال انتقامية بحق شخصيات من ابناء الملاك ومنهم رياض العظم احد ملاك قرية الجنان الذي تم قتله وسحله من مزرعته.
كان تصريح العيسمي يعكس نوايا مسبقة لاستدراج المدينة نحو المواجهة، وقد استُغل الظرف.
انتقلت الاحتجاجات سريعاً من الشارع إلى المساجد، حيث تحوّلت إلى فضاء للتعبئة والتعبير، فاعتصم الشيخ مروان حديد في مسجد السلطان، وأُلقيت الخطب الحماسية التي عكست حجم الاحتقان المتصاعد. وفي محاولة لاحتواء الموقف، دعا عبد الحليم خدام أعيان المدينة إلى اجتماع للتوصل إلى مخرج، فعُقد اللقاء في جامع الشيخ زين بحي الشمالية في الحاضر. غير أن مسار الأحداث كان قد تجاوز حدود الوساطات؛ إذ خرج المصلون في مظاهرات واجهها الجيش بقسوة، فسقط قتلى، لتدخل المدينة بعدها في إضراب عام، سرعان ما اتسع نطاقه بانضمام النقابات العلمية والمهنية، وامتدت أصداؤه إلى مدن أخرى.
مع انسداد الأفق السياسي، انزلقت الاحتجاجات إلى طورٍ أكثر حدّة، لتتحول إلى تمرد مسلح قاده الشيخ مروان حديد (مؤسس تنظيم الطليعة المقاتلة) وإمام مسجد البحصة، بمشاركة رفيقه سعيد حوى. وقد تحصّن الرجلان مع أنصارهما في مسجد السلطان، الذي غصّ بالمسلحين، في مشهد عكس انتقال المواجهة من الاحتجاج إلى التحدي المفتوح. عندها، أمر رئيس الدولة أمين الحافظ بإنهاء العصيان بالقوة، فتم إصدار أمر عسكري بتحريك اللواء 17 مشاة وتعزيزه بالكتيبة 172 دبابات بقيادة الرائد عزت جديد، مع إبقاء اللواء الخامس المدرع كاحتياط.
اندلعت معارك عنيفة استُخدمت فيها الأسلحة الثقيلة، مخلّفة دماراً واسعاً في المسجد ومحيطه، وسقوط عشرات القتلى من أبناء المدينة، إلى جانب عدد من عناصر الجيش.
ومع اشتداد الحصار ونقص الذخيرة، توجه وفد من قادة المقاومين إلى العراق طلباً للدعم، وضمّ ستة أفراد: العقيد فؤاد الأسود، أحد ضباط عهد الشيشكلي، وعثمان الأمين، وحاج أحمد الأمين، وهارون خطاب، وسعيد حوى، إضافة إلى السائق.
توقف إطلاق النار في حماة بتاريخ 16 نيسان، نتيجة لتوسط بعض رجالاتها، مثل الشيخ محمد الحامد وإبراهيم الشيشكلي، ونتيجة لمساعي التهدئة التي كان يبذلها اللواء أمين الحافظ.
يقول توماس بيرييه إن الشيخ محمد الحامد، الأب الروحي لثوار حماة الإسلاميين، حاول أن يثني أتباعه عن مشروعهم، حيث استقل سيارة مجهزة بمكبر للصوت وجاب شوارع المدينة، داعياً إلى إنهاء الانتفاضة ومناقشة العفو عن المسجونين في دمشق.
وإن كانت الأسباب الظاهرة لأحداث حماة تلك الكتابات على الجدران، إلا أن باطنها كان نقمة بعض أهالي المدينة على أعمال تأميم الأراضي مطلع نيسان، حيث تمت مصادرة أراضي نحو 250 من الإقطاعيين (المُلّاك)، كما يذكر بيير بوداغوفا في كتابه «الصراع في سوريا لتدعيم الاستقلال الوطني».
بالمقابل، قام بعض الضباط بتنفيذ أعمال انتقامية نتيجة أحقاد دفينة بحق شخصيات من أبناء الملاك، ومنهم رياض العظم، أحد ملاك قرية الجنان، الذي تم قتله وسحله من مزرعته، وقتل بدم بارد وسط أهالي القرية في مضافته.
أصدرت السلطات قائمة بأسماء بعض الأشخاص الذين تقرر اعتقالهم وإحالتهم إلى المجلس العرفي بتهمة التآمر على سلامة الدولة ومناهضة المبادئ الاشتراكية والتعاون مع الاستعمار، إضافة إلى مصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة، وهم: عثمان الأمين، عبد الله السفّاف، أكرم العاشق، عبد الله البرازي، أحمد الأمين، فؤاد الأسود، أديب نصور، سعيد حوى، عبد المجيد طهماز، أحمد العظم، رياض العظم، وجيه البرازي، عبد الكريم مسطو الحلبي، مصطفى إبراهيم عز الدين، فريد نصور، طلحة طيفور، صادق نورس الكيلاني، غازي العظم.
وذلك بعد أن أصدر الدكتور نور الدين الأتاسي، وزير الداخلية ونائب الحاكم العرفي، الأوامر العرفية التالية:
أمر عرفي رقم 70:
مادة أولى: تُغلق مدرسة عثمان الحوراني الثانوية الرسمية في مدينة حماة نهائياً، وينقل مدرسوها وموظفوها ويوزعون من قبل وزارة التربية والتعليم.
قدم أمين الحافظ إلى حماة في 18 نيسان، وألقى كلمة حافلة بالتهديد بعد اجتماعه بلجنة المدينة، قائلاً:
"سنحكم بالموت على من يستحق الموت، ونعاقب بالسجن المشاغبين، وسنسوقهم إلى تدمر مشياً على الأقدام، حيث يبقون حتى يتحولوا إلى أناس طيبين، ولسوف نمشط المدينة لمصادرة السلاح، ولن نترك فيها غير سكاكين المطابخ".
كُلّفت محكمة عسكرية برئاسة النقيب مصطفى طلاس للنظر في القضايا المتعلقة بتخريب النظام الاشتراكي، ومقابل ذلك أعلن الحافظ تخصيص مئتي ألف ليرة لإعادة بناء جامع السلطان، كما أعلن أنه سيخصص نصف مليون ليرة توزع على فقراء المدينة.
بالمقابل، حاول محمد عمران ثني أمين الحافظ عن استخدام القوة، غير أن الحافظ، الذي حسم صراعه بالحديد والنار مع الناصريين، استخدم الأسلوب ذاته مع انتفاضة حماة، وسيعود إلى تكرار ذلك لاحقاً مع تجار دمشق.
في الأيام التالية، استعاد صلاح الدين البيطار رئاسة الحكومة، وأظهر أمين الحافظ تساهلاً تجاه المتدينين، فخصص معونات للعاملين في المساجد، ووعد وزير الأوقاف، الدكتور عبد الرحمن الكواكبي، بافتتاح مدارس شرعية في كل محافظة سورية، غير أن هذه القرارات اصطدمت لاحقاً بسيطرة التيار اليساري في البعث على السلطة.
يقول مصطفى طلاس:
صدرت الأحكام التي قضت بإعدام تسعة متهمين، في مقدمتهم مروان حديد، وأحكام أخرى بالسجن على عدد من المتورطين، لا يتجاوزون العشرين..
وكم كانت خيبة أملي شديدة عندما اتصلت مع اللواء أمين الحافظ لأعلمه بقرار المجلس العرفي العسكري، والذي كان رده غير متوقع إطلاقاً: أخي أبو فراس، لقد قابلت اليوم وفداً من مشايخ حماة ووجهائها ووعدتهم بإطلاق سراح المعتقلين كافة.. وهذا أيضاً قرار القيادة القطرية والمجلس الوطني للثورة.. لذلك أفرج عنهم، وأطلق سراحهم.
كان هذا الخبر صدمة عنيفة لقواعد الحزب كافة، وليس فقط لأعضاء المجلس.
كان هذا التسامح هو الذي جعل مروان حديد ورفاقه من الإخوان المسلمين يتمادون في غيهم مستقبلاً،
وللأمانة التاريخية، لقد كان اللواء أمين الحافظ يتصرف بمنطق رئيس العشيرة، وليس رجل الدولة، الذي ينظر إلى المستقبل ويرسي أسس ودعائم الحكم التي يجب أن تستند، قبل أي شيء، على قواعد الحق والعدل. قال الله تعالى: «ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب»
كان الرائد عزت جديد أكثر الرفاق المتأثرين بقرار رئيس الدولة، وقال لي: سوف نجني ثمار هذا الأسلوب العشائري المتفلت في المستقبل، ودونما شك، وقمت بالإفراج عن المتهمين، وقلبي يقطر بالأسى.
لم يكن خيار الحسم الذي انتهجه أمين الحافظ في مواجهة احتجاجات حماة مجرّد ردّ فعل على حادثة طلابية تطورت إلى اضطرابات، بل جاء انعكاساً لبنية النظام السياسي الذي تأسس بعد انقلاب آذار 1963. فسلطة البعث، التي افتقرت إلى الشرعية التمثيلية، نظرت إلى أي حراك شعبي بوصفه تهديداً وجودياً لا مجرد احتجاج قابل للاحتواء. وقد عززت تجربة الصراع مع الناصريين هذه القناعة، إذ ترسّخ لدى قيادة النظام أن التراخي يفتح الباب لانهيار السلطة، وأن الضرب المبكر والقاسي هو السبيل الوحيد لضبط المجال العام.
كما لعبت الخلفية العسكرية للحافظ دوراً حاسماً في تفضيل منطق القوة على منطق السياسة، حيث تُدار الأزمات وفق معايير السيطرة والحسم لا التفاوض والتدرّج. وفي الوقت نفسه، لم تكن أحداث حماة منفصلة عن سياق اجتماعي أعمق، تمثّل في التوتر بين سلطة جديدة ذات جذور ريفية عسكرية، ومدينة محافظة رأت في سياسات البعث تهديداً لهويتها ومصالحها. وهنا تداخل السياسي بالاجتماعي، لتتحول المواجهة إلى صراع رمزي بين مشروعين متناقضين.
في ظل غياب مؤسسات قادرة على استيعاب الخلاف، ومع حضور خطاب أيديولوجي يبرر “العنف الثوري” بوصفه أداة للتغيير، بدا الحسم بالنسبة للنظام خياراً طبيعياً، بل ضرورياً. غير أن هذا الخيار، وإن نجح مرحلياً في تثبيت السلطة، أسّس لدورة عنف مؤجلة، ستعود للانفجار بصورة أكثر عمقاً واتساعاً في السنوات اللاحقة.