كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على دول الخليج

وفيق عرنوس

ما يحدث في الشرق الأوسط اليوم يؤكد، ظاهرة جيواستراتيجية شديدة الوضوح في الوقائع الدولية منذ غزوات الاسكندر المكدوني، وقبل ذلك، حتى وقتنا الراهن. لا جديد تحت الشمس، كل دولة لديها ما يسمى في المفهوم الجيوسياسي فائض قوة لا مناص من أن تحاول فرض سيطرتها خارج حدودها. الحقيقة الثانية هي انه لا يمكن السيطرة على مساحات أوسع من العالم دون السيطرة على مركزه... الشرق الأوسط.

الحرب الدائرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى لا تشذ عن القاعدتين المذكورتين بغض النظر عن التفاصيل التي تفرضها بعض خصوصيات الحالة والتطورات الجديدة في عصر ما بعد الحداثة، خاصة في مجال تكنولوجيا الحروب.

والتزاماً بمنهج المدرسة النقدية الرافض لأي تأثير للإيديولوجيا أو للمواقف السياسية المسبقة على سياق التحليل لابد من التعامل مع سخونة الموقف بأعصاب باردة. المقصود هنا الالتزام التام بتحليل الواقعة من ثلاثة منطلقات متكاملة هي:

1-بنية الموقف

2-أهمية الوظيفة

3-مآلها ونتائجها المتوقعة.

المنطلقات الثلاثة المذكورة تؤدي الى معرفة الوقائع بعيداً عن مواقفنا ورغباتنا. لكن هذا لا يكفي لأن الإنسان ليس كائناً معرفياً فحسب وإنما هو كائن فاعل قبل كل شيء، وقيمة المعرفة في أنها سند الفعل المغيّر والهادف.

1- عندما نتحدث عن بنية أي ظاهرة نقصد، وفق النظرية العامة للمنظومات، معرفة العناصر المكونة، وتموضعها على مستويات مختلفة من الأهمية، والعلاقات الهرمية بينها. ومن الواضح أن هناك ثلاثة أنواع من العناصر.

على المستوى الأول الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران بمعيار المشاركة الأساسية بالحرب.

على المستوى الثاني حزب الله، والحشد الشعبي بمستوى أقل، بمعيار المشاركة الداعمة، على المستوى الثالث دول وجدت نفسها ضحية لهذه الحرب دون إرادتها فهي عناصر منفعلة تماما وهي دول الخليج ولبنان والعراق. ومن الضروري إضافة نوع رابع لم تصبه الحرب مباشرة لكنه موجود في دائرة الصراع ومعرّض لأي تطور سلبي لاحق، كسورية والأردن وتركيا، ومنطقة الشرق الأوسط التي تبرز فيها ثلاث دول لها مشاريعها التوسعية وفي غياب مشروع عربي بل تناقضات عربية وهذه الدول هي إسرائيل وإيران وتركيا.

2- الوظيفة الأساسية لظاهرة الحرب هو إعادة هيكلة منطقة الشرق الأوسط حسب الرؤية الأمريكية بعيداً عن مشاريع الدول ذات الرغبة التوسعية على حساب الأرض العربية، وهذه الدول حسب أهميتها إسرائيل إيران تركيا، وغياب مشروع عربي نهائياً.

ناهيك عن الصراع الدولي لإعادة هيكلة العالم، أمريكا العظيمة أولاً، وفي هذا الخصوص يبرز هدف الولايات المتحدة الامريكية منع الصين من السيطرة على ما يسمى في العهود العابرة طريق الصين البري للتجارة الدولية بين آسيا – أوروبا أفريقيا.

وقد أعلنت الصين حديثاً وبشكل رسمي البدء بمشروعها ((الحزام والطريق)) لذلك سارعت الولايات المتحدة بمفاوضات مع الهند لضرورة بناء طريق بري يبدأ من موانئ الهند إلى حيفا في إسرائيل مروراً بدول الخليج – الأردن – إسرائيل وما يسمى بطريق (ترامب).

3- مآل الحرب لا ينعكس فقط على الدول المشاركة وإنما يتعداها الى الدول العربية في القسم الآسيوي من الوطن العربي على الأقل.

السؤال الراهن: كيف ستنتهي هذه الحرب؟ هناك قاعدة عرفها العالم في تاريخه الحديث وهي أنه إذا أصر المشاركون على الذهاب إلى النهاية فسنصل الى كارثة ودمار كبير.

ألم يصر هتلر على الذهاب إلى النهاية فكان المصير دمار ألمانيا وتقسيمها؟ ثم ألم يصر نابليون الذهاب إلى النهاية فكانت النتيجة هزيمة شعواء في واترلو والقضاء على الثورة الفرنسية وعودة آل بوربون لحكم فرنسا؟. كذلك فعل موسوليني وقبلهم الاسكندر وتيمورلنك وغيرهم كثيرون.

المشكلة أنه لدينا في واشنطن وتل أبيب رأسان صلبان وعنيدان قد تجرهم الأحداث للذهاب الى النهاية. ولدينا في طهران أيضاً الحرس الثوري الذي يبدو أنه استلم زمام القيادة الحربية والسياسية في البلاد وهو أشد عناداً من ترامب ونتنياهو.

على الرغم من هذه الرؤوس الثلاثة الحامية هناك أوضاع محيطة قد تدفع الجانبين لتحكيم العقل، خاصة إذا وجدت إيران أن مشروعها الثلاثي مستحيلاً، وهو نشر نفوذها على المنطقة العربية، والمضي في البرنامج النووي، وأخيراً برنامج الصواريخ. قد تدفع العناصر الاتي ذكرها نحو نوع من التعقل عند المتحاربين:

1- الموقف الخليجي المعارض للحرب والداعي إلى تفاهم يحد من الشهوة للتوسع لدى إيران وإسرائيل ووقف تهديدها الدائم للسلام.

2- الأوضاع اللبنانية الضاغطة على حزب الله لعدم التدخل، وهو ما سيضعف إيران بالتأكيد.

3- الموقف الضعيف للحوثيين بعد الانتصارات الميدانية والسياسية للخط العروبي اليمني الذي تدعمه السعودية.

4- الضغوط الداخلية ضد الحرب في أمريكا وإسرائيل.

5- مسألة النفط ومضيق هرمز حيث مصلحة العالم برمته.

6- موقف أوروبا (الناتو) المناهض لحرب والنقد اللاذع لترامب وسياساته. واعتقد أن الحل المعقول والممكن الذي تقبله أمريكا والعرب والعالم يقوم على ضبط سلوك إيران في المنطقة والتخلي عن النووي وتقييد برنامجها الصاروخي. أي تغيير سلوك النظام وليس القضاء عليه.

• السؤال الحقيقي هو ما العمل؟ ما هو المطلوب من الدول العربية كي لا تذهب أمتنا ضحية هذا الازدحام الشديد بين قوى قوية وفاعلة؟؟ نلاحظ أن هناك ثلاث قوى فاعلة في المنطقة إيران (أمة دولة) وتركيا (أمة دولة) وإسرائيل المدعومة من الغرب. لكن أين العرب؟ لماذا لا نستطيع بناء نوع من أنواع الأمن القومي ولو في خطوطه العريضة بما يساعدنا على أمرين، أولهما أن نحمي أنفسنا، وثانيهما أن نكون قوة ضاغطة في المنطقة تواجه إمكانات الحرب والاحتلال والتوسع سواء جاء من إيران أو إسرائيل أو غيرها.

هنا يمكن طرح بعض القضايا الراهنة والضرورية:

1- ماهي الدروس المستفادة من هذه الحرب بما يعزز السلام والأمن والعدل في المنطقة.

2- كيف لنا أن ندرس حقيقة العلاقات بين أمريكا وإسرائيل، أين يتحالفان وأين يختلفان بما يجعلنا قادرين على ردع شهية التوسع الإسرائيلية؟ كما علينا أن ندرس العلاقة المعقدة بين أمريكا وإيران بما يساعدنا أيضاً على ردع شهية التوسع الايرانية على حساب ارضنا ومستقبلنا. 3- طموحات الدول العربية نحو تحقيق منظومة أمن قومي ومنظومة تعاون اقتصادي فشلت حتى الآن.

لماذا لا نحاول من جديد، بمنهج واقعي، بعيداً عن الشعارات والرغبات. منهج ينطلق من الممكن مهما كان صغيراً، والتعالي عن الخلافات التي مازالت أمريكا وإسرائيل تسعى لتعميمها بوسائل مختلفة أهمها وأخطرها منظومة الإعلام الامريكية الإسرائيلية المسمومة ومختلف اشكال الحروب العسكرية منها والإعلامية والبدء فعلاً بمنطقة تجارة حرة، ومنظومة أمن قومي أقله بين دول عرب آسيا المعرضة فعلاً للأخطار.

قد تحاول إسرائيل منع العرب من بناء منظومة أمنية – سياسية – اقتصادية في غرب آسيا، لكن لا شك في أن العالم كله سيستخدم هذا التوجه إن حدث. لم يمنع أحد دول الخليج من بناء منظومة مازالت قائمة (مجلس التعاون الخليجي)، فلماذا لا يكون هناك مجلس التعاون العربي في آسيا. ولقد بات من الضروري الدعوة لمؤتمر تحضره كلاً من باكستان ودول الخليج ومصر وتركيا واحتواء إيران إن أمكن ذلك تنتج صيغة جديدة تحمي أمن المنطقة وتساعد على تشكيل تكتل اقتصادي تنموي على غرار الاتحاد الأوروبي.

إن المبادرة ينبغي أن تأتي من الدولة العربية الأقوى المملكة العربية السعودية خاصة وأن فيها قيادة تجمع بين الحكمة والتسامح الديني وهي قادرة على طرح هذا المشروع ودعمه مع التركيز أن تكون الخطوات الأولى واقعية وتوافقية حتى لو كانت متواضعة.

إن مشروع إسرائيل التوسعي والنوايا الخبيثة التي تعدها قيادة إسرائيل لا ترحم المنطقة برمتها مستهدفة دول المنطقة الواحدة تلو الأخرى، وقد آن الأوان للاستفادة من دروس هذه الحرب المجنونة التي فرضت تداعياتها على معظم جغرافيا دول الخليج واستنزاف قدراتها العسكرية والمالية وتفكيك نسيجها الاجتماعي الوطني.