مراسيم قضت بفرض العزل المدني على شخصيات سورية عفب 8 آذار 1963
2026.03.23
علاء الدين تلجبيني
متل اليوم ب 23 آذار/ مارس 1963
بعد 15 يوماً من انقلاب آذار، صدر عن مجلس قيادة الثورة مجموعة مراسيم قضت بفرض العزل المدني بحق شريحة واسعة من الشخصيات السورية، حددهم المرسوم في مادته الأولى بـ:
الأشخاص الذين جعلوا من أنفسهم ركائز العهد الانفصالي، سواءً بأقوالهم أو أفعالهم.

الأشخاص الذين استغلوا نفوذهم وثرواتهم وسخّروا وظائفهم في الدولة خدمةً للعهد الانفصالي أو رجاله.
الصحفيون والكتّاب الذين أساؤوا إلى إيمان الشعب العربي في سوريا بالقومية العربية أو بثّوا الأفكار الشعبوية، ولا سيما الذين عملوا على زعزعة ثقة الشعب بقوميته.
الأشخاص الذين انحرفوا عن مبادئ القومية العربية، سواء من اليمينيين أو اليساريين أو الانتهازيين المرتدين (والمقصود هنا أكرم الحوراني الأب الروحي للثورة).
رؤساء الجمهورية ورؤساء الوزارات ونوابهم والوزراء والنواب الذين عملوا على تكريس الانفصال وانحرفوا عن الاتجاه القومي.
الإقطاعيون والرأسماليون والمستغلون الذين تسلّطوا على الحكم فزوّروا إرادة الشعب أو ناصروا الانتهازية والشعبوية والسلطات الانفصالية.
المادة الثانية
يفرض جزاء العزل المدني على الجماعات والهيئات والجمعيات والأحزاب والأندية والمؤسسات، مهما كانت تسميتها، التي تنطبق عليها أحكام المادة الأولى.
المادة الثالثة
يُجرّد المعاقَب بجزاء العزل المدني من الحقوق التالية:
حقه في أن يكون ناخباً أو منتخباً في المجالس النيابية أو الإدارية أو البلدية أو الطائفية أو الجمعيات أو النوادي أو الهيئات السياسية، ويُحرم من جميع حقوقه السياسية.
حقه في أن يكون مدير جريدة أو مجلة أو مطبوعة دورية أو وكالة أنباء أو رئيس تحرير.
حقه في أن يكون عاملاً في الدولة أو متعاقداً معها.
حقه في أن يكون صاحب مدرسة أو مديراً أو معلماً في جميع مدارس الدولة.
حقه في أن يكون متعهداً أو صاحب امتياز في الدولة ومؤسساتها.
تضمّن المرسومان 29 و30 أسماء 101 شخصية:
68 شخصية لمدة عشر سنوات
33 شخصية لمدة خمس سنوات
وقد صرّح وزير الإعلام جمال الأتاسي بأن هناك قوائم أخرى تتضمن عدداً إضافياً من الأشخاص سيُفرض عليهم العزل، وأن هذه القوائم ستُعلن قريباً.
وفي 30 نيسان صدر المرسوم 239 متضمناً قوائم جديدة شملت 40 شخصية إضافية.
شمل العزل جميع رجال الأحزاب والسياسيين والصحفيين، كما شمل عدداً من العسكريين وحتى رجال الاقتصاد والموظفين، فلم توفّرهم قوائم العزل، ما جعل عدد المعزولين مدنياً يتجاوز المئتين، الأمر الذي اضطر معظمهم إلى مغادرة البلاد.
لقد أدى العزل المدني والسياسي والإداري، الذي كان ممنهجاً، إلى إقصاء كامل الطبقة السياسية والاجتماعية التي تصدرت واجهة الأحداث في سوريا منذ عهد ما قبل الاستقلال، وأفسح المجال أمام البعثيين ومناصريهم ليتصدروا الواجهة السياسية والعسكرية. وقد تم استهداف كل من لا ينتمي إلى الحزب أو لا يُظهر ولاءً مطلقاً له، مما أحدث فراغاً في مؤسسات الدولة لصالح التنظيم الحزبي.
صدر القرار في جريدة بردى الدمشقية قبل إغلاقها من المجلس نفسه بأيام، وشمل العزل رئيس الجمهورية الدكتور ناظم القدسي، وكلّاً من الرؤساء خالد العظم، ومأمون الكزبري، وصبري العسلي، ومعروف الدواليبي، وأكرم الحوراني. كما شمل الوزراء: رشاد جبري، سهيل الخوري، فؤاد العادل، بدوي الجبل، عوض بركات، عزت الطرابلسي، أسعد محاسن، خليل الكلاس، عزيز عبد الكريم، أمين نفوري، ليون زمريا. كما شمل القرار الوجهاء عبد الكريم الدندشي، وهاني الجلاد، ولورانس الشعلان، ورئيس الحزب الشيوعي السوري خالد بكداش، وكلّاً من الصحفيين نصوح بابيل (نقيب المهنة وصاحب جريدة الأيام)، ووديع الصيداوي (جريدة النصر)، وبشير العوف (جريدة المنار)، وعزت حصرية (جريدة العلم)، وكذلك رؤساء الأركان السابقين اللواء عفيف البزرة واللواء عبد الكريم زهر الدين، وجميع ضباط حركة الانفصال وعلى رأسهم المقدم عبد الكريم النحلاوي، وقائد قوات الهجانة المقدم حيدر الكزبري، والعميد فيصل سري الحسيني، ورئيس أركان سلاح الجو العميد موفق عصاصة. وقد استثنت قرارات العزل هذه الناصريين والإخوان المسلمين، ومنهم عصام العطار.
يُلاحظ أن معظم من شملهم العزل المدني كانوا من وجهاء المدن الكبرى وقادة الأحزاب اليمينية في سوريا، ما أحدث انعطافاً عميقاً في بنية المجتمع السوري، وأدى إلى إقصاء المدينة ونخبها التقليدية من المشهد العام. وقد مثّلت هذه القرارات إجراءً سياسياً قيّد المشاركة في الحياة العامة وأعاد تشكيل التوازنات الاجتماعية والسياسية في البلاد.

وقد انعكست هذه السياسات على مصائر الأفراد، فاختار بعضهم الهجرة وبدأ حياة جديدة في الخارج، بينما تقاعد آخرون أو انسحبوا من العمل العام، وعاش كثيرون ضمن حدود ضيقة بعيداً عن السياسة. وقد حقق عدد منهم نجاحات لافتة خارج سوريا، فيما توفي كثيرون في المنافي، ومن أبرزهم ناظم القدسي وخالد العظم.
ومن الأمثلة البارزة: عزت الطرابلسي، أول رئيس لمصرف سوريا المركزي، الذي عمل لاحقاً مديراً عاماً لمصرف “بلوم” في بيروت ومستشاراً نقدياً في الإمارات؛ ومعروف الدواليبي الذي أصبح مستشاراً في الديوان الملكي السعودي؛ والدكتور مأمون الكزبري الذي أسهم في تعريب القضاء المغربي.
يقول المفكر ياسين الحافظ: «لم يكن انقلاب البعث مجرد انتقال سلطة، بل كان إعلاناً عن نهاية الدولة كمؤسسة وطنية جامعة، وبداية الدولة كأداة في يد الحزب». فيما يقول أحد معارضي البعث في الستينيات (من أرشيف جريدة الرأي): «لقد فُصل آلاف الموظفين والضباط ليس لأنهم فاسدون أو فاشلون، بل لأنهم لم يهتفوا بالشعار المناسب».
لقد غيّر انقلاب آذار وجه السياسة والمجتمع في سوريا، فبعد إقصاء الطبقة السياسية التقليدية تصدّرت واجهة الحكم لأول مرة قوى اجتماعية من الفئات الوسطى في المدن والريف. كان انقلاباً مختلفاً تماماً عما سبقه من انقلابات، وتحوّلاً شاملاً على مختلف الأصعدة.
- في الصورة رئيس المجلس الوطني لقيادة ثورة أذار الفريق لؤي الأتاسي مع وزير الإعلام الدكتور جمال الأتاسي.
- قائمة ببعض الأشخاص الذين شملهم العزل المدني