مراجعات مبدئية لتأثير حكم حافظ الأسد على العلويين
2026.03.11
لؤي سلمان
لا يخفى على أحد أن البحث في فترة حكم حافظ الأسد فيه من المشقة والتعقيد ما يجعل الحديث إشكالياً وغير كافٍ مهما طالت الدراسة.
سأحاول في هذا المقال أن أتبع المباشرة والتركيز قدر الإمكان، بعيداً عن السرد والخلفيات التي تُعدّ مهمة جداً لفهم سياق ما أنا بصدده اليوم، حتى تكون المقالة مناسبة لهذه العجالة قدر الإمكان.
بعد سقوط السلطنة، ودخول فرنسا في بدايات القرن العشرين، بدأت تحولات كثيرة تطرأ على المجتمع السوري. ومن أكثر هذه التحولات تأثيراً سيطرة حزب البعث العربي الاشتراكي على الحياة الاجتماعية والسياسية عبر شريحة واسعة من الشباب السوري المثقف، المفعم بالحيوية والنشاط، والذي جسدت له مبادئ هذا الحزب آنذاك أحلامه في التحرر والتغيير.
كانت الطائفة العلوية مهمشة تماماً. ومع امتطاء البعث للسلطة في سورية بدأ نفوذ الطائفة العلوية يتصاعد وينمو على الصعيدين السياسي والاقتصادي بشكل محدود، إلى أن تبوأ حافظ الأسد سدة الرئاسة، مطبقاً على السلطة والحزب عبر مجموعة من الضباط المقربين من الجيش والأمن. وما لبث أن احتل العلويون منهم أغلب المراكز الحساسة في الجيش والأمن، مقابل مراكز أقل حساسية للضباط السنة، الأمر الذي أدى إلى خلق بعض الحساسية التي تحولت لاحقاً إلى انقسامات نفسية وطائفية داخل المؤسسة العسكرية.
وكان السلوك المستفز لرفعت الأسد، عبر تشكيل جيش من العلويين داخل الجيش من خلال تجنيد المئات من الشباب العلوي في الوحدة 569 المسماة «سرايا الدفاع» أحد أهم أسباب تلك الانقسامات، حتى لو لم تكن ظاهرة للعيان آنذاك .
هنا تحديداً بدأ العبء يثقل على الطائفة العلوية رويداً رويداً، عبر إظهارها على أنها الخزان البشري الحامي ليس للنظام، وإنما للعائلة (مع أن الأمر لم يكن كذلك خارج الجيش والأمن).
بدأ الديكتاتور يستيقظ في حافظ الأسد بعد أقل من سنة على توليه الرئاسة، حيث حوّل إدارة شؤون المجتمع والاقتصاد من قيادة الحزب إلى الأجهزة الأمنية. وترسخ الاستبداد في رأسه إثر زيارته إلى كوريا الشمالية عام 1974، حيث أعجب أيما إعجاب بمشهد جلوس الشعب الكوري والتلاميذ القرفصاء من المطار إلى مقر إقامته، حاملين الورود لتحية الضيف.
بنى حافظ الأسد نظاماً عصبوياً طائفياً ربط بموجبه الطائفة العلوية بكافة الصراعات المحلية والإقليمية. وكان نظامه يعتمد على الولاء الشخصي، وكان الضباط العلويون في قلب هذا النظام. وهكذا ابتعد تماماً عن كونه نظاماً تمثيلياً للجميع، وبات نظاماً وظيفياً يخدم فئة محدودة من الضباط العلويين والسنة.
بدأ حافظ الأسد بمصادرة صوت العلويين وتقديم نفسه ممثلاً عنهم، وأسكت لذلك كل المعارضين لحكمه، بل حتى الممتعضين من مشروع استبداده ومن فساد أخيه وضباطه والطغمة الحاكمة. وبذلك صار السوريون ينظرون إلى العلويين كحلفاء مهيمنين للنظام، بدلاً من النظر إليهم كمكون سوري طبيعي، ولم يعد يهمهم حجم المشاركين في السلطة فعلياً أو حتى حجم الموالين لها من العلويين.
حكم حافظ الأسد بقسوة مفرطة، مستخدماً الأمن والجيش في قمع المعارضين وفض الاحتجاجات بعنف شديد، دون التفريق بين أقليات ولا أكثريات. وألحق هذا العنف الرهيب ضرراً بالغاً بالمجتمع السوري بكامله، وأولهم العلويون الذين بات ارتباطهم قسرياً وشديداً بالنظام. واختفى تماماً لدى السوريين أي تمييز بين معارض وموالٍ من العلويين.
كيف حوّل حافظ الأسد الطائفة إلى درع بشري لنظامه؟
اعتقد العلويون في البداية أن حافظ الأسد فتح لهم أبواب الدولة، لكن في الحقيقة أغلقها عليهم تماماً. فقد كان همه منع اندماجهم في دولة مدنية، وذلك من خلال حصر صعودهم عبر أدوات الولاء القسري المتمثلة في المؤسسات الأمنية والعسكرية، أو عبر إغراءات التوظيف والتعليم والنفوذ.
وهكذا تشكلت آليات تحويل الطائفة إلى درع بشري للنظام، دون أن ننسى أن البداية انطلقت من رفعت الأسد وتجنيد الشباب في «سرايا الدفاع»، ودفعهم لترك المدارس عبر إغراءات الرواتب المضاعفة.
دعونا نورد بعض معالم نظام الأسد:
١-بناء نظام مرتبط بصراعات محلية وإقليمية واسعة، بنظام سياسي يعتمد على الانتماء والولاء الشخصي.
٢-مصادرة الحزب والجيش والطائفة وتحويلهم إلى أدوات للحكم (فبعد المؤتمر القطري السادس تم تذويب الحزب عملياً، وتحويله إلى حزب جماهيري ومرتع للانتهازيين).
٣-تكريس انقسام المجتمع وتغذية الخوف المتبادل باستمرار.
٤-الترويج المستمر بين العلويين أنهم مرفوضون سياسياً واجتماعياً وثقافياً، مما عزز مشاعر الانعزال لديهم.
٥-الترويج لدى السنة أن العلويين استغلوا السلطة والجيش لمصالحهم الخاصة، مما أجج الغضب تجاه ما اعتُبر تمييزاً طائفياً.
٦-تصاعد وتيرة الانقسام الاجتماعي عبر النظر إلى العلويين كمكون داعم للنظام وله دور مهيمن.
مشاركات واضحة ونسبة تطوع عالية في الجيش والأمن، خاصة بعد التحرك الدامي للطليعة المقاتلة، وبشكل خاص بعد مجزرة مدرسة المدفعية، وذلك لأسباب مختلفة: اقتصادية، واجتماعية، أو خوفاً من الانتهاكات والانتقامات.
العواقب بعد السقوط:
تعرضت الطائفة لعنف انتقامي شديد بسبب الصورة الجماعية التي ربطتهم بنظام الأسد. والجدير بالذكر هنا كيف أمعن بشار، بعد عام 2011، في تسليط الضوء على العلويين كمقاتلين متورطين معه. ومن جهة أخرى بدأ بعلونة الوظائف الحكومية، حيث باتت الناس تُطرد بسبب طائفتها ليحل محلها علويون، وذلك في الإعلام والتربية والصحة والتموين والاقتصاد والبنوك، وفي أغلب المفاصل الحكومية.
أخيراً، يمكننا الإجابة على السؤال: لماذا يُعد هذا النظام كارثة على العلويين؟
لم يمنح نظام حافظ الأسد العلويين أي استقرار أو استقلال أو حتى أمان في بلدهم، بل ربط مصيرهم بمصير فرد وبقايا حزب سلطوي فارغ سياسياً وبعلاقات فئوية ضيقة جداً.
عمل منذ اللحظة الأولى عام 1970 على تفريغ الطائفة من نخبها، بل سحق النخب وكل من تميز من الطائفة، ولجأ إلى قتلهم إما وظيفياً أو سياسياً أو مهنياً أو حتى عبر التصفية الجسدية. (قالها علي دوبا في منتصف الثمانينات: «ما بقي يطلع واحد بالطائفة عليه القيمة لخمسين سنة»).
حتى داخل النظام لم تُحل مشكلات التهميش التاريخي بشكل بنيوي، بل ازدادوا تهميشاً وفقراً.
دفع العلويون ثمناً بشرياً باهظاً من الشباب، بينما لم تنعكس هذه الخسائر على نفوذ سياسي أو أمان اجتماعي حقيقي لهم خارج نطاق النظام.
قدموا التضحيات وتورطوا في النزاعات، ثم تنكر النظام لتضحياتهم وهرب دون أن يفاوض على ضمانات تخفف من حدة الانتقام.
هرب بأمواله وتركهم مكشوفين للانتقامات والعنف دون ضمانات أو حماية.
لم يكن الانتقام مجرد ردة فعل، بل انعكاساً طال انتظاره نتيجة توترات اجتماعية تراكمت لعقود. فقد عملت آلة النظام الأمنية على خلط صورة العلويين السياسية والاجتماعية بالنظام، مما أدى إلى انتقامات وحشية ذات طابع طائفي، لأن الانقسام السياسي أخذ طابعاً اجتماعياً طائفياً عميقاً جداً.
في النهاية، لم يكن حكم حافظ الأسد «نصراً» لطائفة العلويين، بل كان عبئاً ثقيلاً عليهم؛ إذ جعل مصيرهم مرتبطاً بنظامه الاستبدادي، الأمر الذي دفعوا ثمنه اجتماعياً وسياسياً وإنسانياً، خصوصاً بعد هروب وريث الغفلة.