كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ذكرى قصف جبل العرب عام 1954م

علاء الدين تلجبيني

مثل اليوم في 27 كانون الثاني 1954
أصدر الرئيس أديب الشيشكلي أوامره إلى اللواء السادس بقيادة الزعيم رسمي القدسي بالزحف نحو جبل العرب. طوّقت قوات الجيش مدينة السويداء واصطدمت ببعض القبائل الدرزية، ووقعت مواجهات انتهت بسيطرة الجيش على المدينة، وفرض الإقامة الجبرية على سلطان باشا الأطرش في منزله في القريا، واعتقال عدد من المشتبه بهم.
جرت عدة محاولات للتوسّط بين سلطان باشا الأطرش و أمر الفرقة المتمركزة في السويداء فؤاد الأسود، وطالب الأخير بتسليم 18 رجلًا متهمين بإطلاق النار، مقابل سحب الجيش من ضواحي القرى. وبالفعل انسحبت القوات، إلا أنها تعرّضت لدى وصولها إلى قرية مزرعة قمرة لهجوم مفاجئ، فاستُخدمت المدافع والمصفحات ضد الثوار، ما أسفر عن مقتل نحو 25 شخصًا، من بينهم ممدوح الأطرش، سلمان الأطرش، صقر شقير، وحموي الصفدي.
في 29 كانون الثاني أعلن الدروز العصيان العام، فكلف الشيشكلي الزعيم رسمي القدسي باحتلال الجبل. وتحركت في 31 كانون الثاني قوات سلاح المدرعات الثقيلة، التي سُحبت من الجبهة لدعم الجيش، وتحول الجبل صبيحة 2 شباط إلى مسرح لمعركة دموية استخدم فيها الجيش كامل قوته وقسوته؛ فقُصفت القرى بالمدافع، وتساقطت القنابل من سلاح الجو، وانتهت العمليات بسيطرة الجيش على الجبل وفرار سلطان باشا الأطرش إلى الأردن مع نحو ثلاثين من رجاله.
في 5 شباط طلبت الحكومة السورية من الملحق العسكري العراقي مغادرة الأراضي السورية، وأغلقت الحدود مع لبنان احتجاجًا على الحملات الصحفية التي استهدفت النظام عقب المؤتمر الذي عقده زعماء الطائفة الدرزية في بيروت، بهدف إطلاع الرأي العام العالمي على أحداث الجبل.
خلال الاشتباكات، وجّه الشيشكلي بيانًا إلى الشعب برّر فيه الإجراءات العسكرية لمعالجة ما أسماه «الحالة الشاذة والفتنة»، معتبرًا أن القرائن أثبتت وجود مشاريع استعمارية تقف خلفها، «ارتدت ثوب العروبة البراق وضلّلت السذّج من أبناء الوطن»، على حد وصفه، زاعمًا أنها مشاريع قومية بينما هي، في الواقع، «وليدة المؤتمرات والمؤامرات في العواصم الأجنبية».
يقول محمد معروف إن الشيشكلي ادّعى أن السلاح الذي جرى الاستيلاء عليه مصدره إسرائيل، وهو اتهام باطل من أساسه؛ فالسلاح الذي قاتل به الدروز كان مصدره العراق، وكان يُرسل بإشراف الضابط عصام مريود. وفي السياق نفسه، يذكر بسام البرازي وسعد فنصة في كتاب أديب الشيشكلي: الحقيقة المغيّبة أن إسرائيل رأت في تلك الاضطرابات فرصة تاريخية لتأجيج الفتنة المذهبية بين أبناء الوطن الواحد، فأعلنت عبر إذاعتها تضامن دروز إسرائيل مع دروز سوريا.
فيما يقول مصطفى رام حمداني إن المقدم فؤاد الأسود تنحّى عن تنفيذ أوامر الشيشكلي بتدمير القوى الثائرة، فكلّف رسمي القدسي بإخماد الانتفاضة، الذي قام بذلك بمنتهى الشدة من دون علم رئيس الجمهورية. ويضيف رام حمداني أن الشيشكلي، عند مغادرته السلطة، كان متألمًا من سوء تصرف رسمي القدسي في جبل العرب دون الرجوع إليه.
يذكر رام حمداني، الذي كان يشغل حينها منصب رئيس الشعبة الثانية (الاستخبارات)، أنه بعد إخماد الانتفاضة طلب منه رئيس الأركان العامة شوكت شقير السفر إلى السويداء لإعداد تقرير وتحديد الضباط المستحقين للأوسمة. ويروي أنه رفض قائلاً: «أي وسام يُمنح مقابل ضرب الأهالي؟»، مؤكدًا أن المسؤولية المباشرة في ضرب الجبل تقع على عاتق رسمي القدسي ورئيسه شوكت شقير.
تعود جذور الأزمة إلى 22 كانون الثاني، عندما أوقف رجال الأمن منصور الأطرش نجل سلطان باشا الأطرش، بتهمة حيازة منشورات تنتقد أديب الشيشكلي. ويذكر سلطان باشا الأطرش في كتابه أحداث الثورة السورية الكبرى:
«اعتُقل ابني منصور في السويداء ونُقل إلى دمشق بتهمة حمل مناشير صادرة عن حزب البعث العربي الاشتراكي الذي ينتمي إليه، ولم يلبث المحافظ رفعت زريق أن طلب مني توقيع كفالة للإفراج عنه، فامتنعت عن ذلك».
في 24 كانون الثاني خرج طلاب المدارس في السويداء احتجاجًا على اعتقال منصور الأطرش، وهتفوا بإسقاط نظام الشيشكلي، واصطدموا بقوى الأمن. وأطلق أحد الطلاب النار في الهواء احتجاجًا، فطلب المقدم حسني جروس قائد حامية السويداء تعزيزات عسكرية، وجد فيها الشيشكلي فرصة مناسبة لضرب خصومه.
ترافقت هذه الأحداث مع تصاعد المعارضة لحكم الشيشكلي، في ظل محاولاته الحثيثة لإقناع أحزاب المعارضة، ولا سيما حزبي الشعب والوطني، بالانضمام إلى حكومته، وفشله في ذلك. ومنذ منتصف كانون الثاني 1954 توالت بيانات الأحزاب المنددة بالنظام، والحملات القاسية ضد الشيشكلي، والدعوات الصريحة للعودة إلى الحكم البرلماني.
كان قد سبق ذلك انعقاد مؤتمر سياسي في منزل الرئيس هاشم الأتاسي في حمص، ضم معظم رجالات السياسة في سوريا، وتوحّدت فيه مختلف القوى المتناحرة ضد سلطة أديب الشيشكلي. وتُليت في المؤتمر رسالة من سلطان باشا الأطرش تناولت الحكم الفردي المطلق، وفقدان الحريات العامة والأمن، ووضع مشروع دستور من قبل لجنة موظفين بدلًا من جمعية تأسيسية منتخبة. وضم المؤتمر ممثلين عن الحزب الوطني، حزب الشعب، حزب البعث، وممثلين عن جبل العرب.
في 25 شباط/فبراير 1954 قطعت إذاعة حلب برامجها لبث بيان النقيب البعثي مصطفى حمدون، الذي دعا قطعات الجيش في مختلف المحافظات إلى الانضمام لحركته الهادفة إلى إقالة أديب الشيشكلي وتسليم البلاد إلى حكومة دستورية. وأُعلن لاحقًا انضمام قطعات شرق سوريا، ثم انفصال القيادة العسكرية في الشمال عن دمشق، وتوجيه إنذار للشيشكلي بمغادرة البلاد. وبالفعل، قدّم الشيشكلي استقالته إلى شوكت شقير وغادر إلى لبنان.
استولى الانقلابيون على عدد من المرافق العامة في حلب؛ فاحتل محمد عمران مبنى الهاتف وإذاعة حلب، وتولى محمد الأطرش الشرطة المدنية، فيما تسلّم النقيب زاهدة بمساعدة عبد الغني حمدون قيادة الشرطة العسكرية، واعتُقل محافظ حلب كمال نور الله. وأحرق المتظاهرون المحتفلون بالانقلاب مبنى حزب التحرير العربي. وبثّت إذاعة دمشق نص استقالة الشيشكلي، التي جاء فيها:
«حقنًا لدماء الشعب الذي أحببته، والجيش الذي أفتديه، والوطن العربي الذي أردت أن أخدمه بتجرّد وإخلاص، أقدّم استقالتي من رئاسة الجمهورية السورية إلى الشعب السوري العزيز الذي انتخبني ومنحني ثقته الغالية».
غادر أديب الشيشكلي الحياة السياسية بعد خمس سنوات من الاضطراب، استُخدم خلالها العامل الطائفي على وقع تدخلات خارجية متشابكة، وكان الصراع على سوريا عنوانه الأبرز. ولم تكن أحداث السويداء وحدها سبب سقوط حكمه، بل إن الحكم الفردي وفشله في بناء أرضية مشتركة للمشاركة السياسية أسهما في تقويض سلطته، التي حاول ترسيخها بالقوة العسكرية. ولم يتعلّم السوريون من أخطائهم؛ إذ عاد العسكر مرارًا لتثبيت سلطاتهم بالقوة والحزم، في دولة لم تنجح في بلورة هوية وطنية جامعة تقوم على فهم التنوع وتحويله إلى مصدر قوة لا عامل انقسام.
المراجع:
دراسة في تاريخ سوريا المعاصر – أمل بشور
أحداث الثورة السورية الكبرى – سلطان باشا الأطرش
شاهد على أحداث سورية وعربية وأسرار الانفصال – مصطفى رام حمداني
وطن وعسكر – مطيع السمان
أيام عشتها – محمد معروف
أديب الشيشكلي: الحقيقة المغيّبة – بسام البرازي وسعد فنصة