التأميم والاحتجاجات في سوريا 1965م
2026.01.24
علاء الدين تلجبيني
في يوم الجمعة 22 كانون الثاني 1965، علت أصوات الخطباء في جوامع دمشق وارتفعت نبرة التصعيد في وجه سياسات حكومة البعث، حيث لعن الخطباء في خطب الجمعة مشاريع التأميم التي سنّها مجلس الرئاسة، ودعوا الشعب إلى «الجهاد» ضد نظام البعث وضد ما سُمّي «مراسيم رمضان الاشتراكية».
وبالتوازي، بدأ التجار بجمع التبرعات لدعم تنظيم «طلائع محمد»، الذي كان بقيادة عدنان المصري وعبد الرحمن الطباع ومحمد كمال الخطيب، والذي دعا إلى مقاومة النظام بالجهاد والسلاح.
كان مجلس الرئاسة بقيادة أمين الحافظ قد أعلن منذ بداية العام عن تأميم نحو 180 مؤسسة ومنشأة وشركة خاصة، ما أثار حفيظة فئة واسعة من أبناء المدن السورية عمومًا، ودمشق على وجه الخصوص في خطوة كان يسعى فيها الجناح اليساري في البعث الى إلغاء الفوارق الطبقية فجاءت القوانين ذات طابع انتقامي ثأري و طبقي و غير مدروسة.
في يوم السبت 23 كانون الثاني، استجاب التجار الصغار والمتوسطون لدعوة خطباء المساجد، وأعلنوا إضرابًا عامًا شمل أسواق دمشق كافة.
أما يوم الأحد 24 كانون الثاني، فجاء ردّ سلطة البعث بإصدار الأمر العرفي رقم 4، القاضي بإحالة كل من يُغلق محله «دون مبرر قانوني» إلى المحكمة العسكرية، ومصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة. وعلى إثر ذلك، جرت ملاحقة واعتقال 23 شخصًا من التجار ورجال الدين الذين اتُّهموا بالتحريض على الإضراب.
وزاد من تحديه بإصدار مراسيم تأميم جديدة بحق عدد من المنشأت في دمشق في خطوة تصعيدية، فصدر المرسوم رقم 25 بتاريخ 26 كانون الثاني، القاضي بتأميم:
الشركة الحديثة للتبريد المساهمة المغفلة في دمشق
شركة بعلبكي وصمادي وشركاهم في دمشق
على أن تؤول 90% من ملكيتها للدولة و10% لأصحابها.
كما شمل التأميم:
الشركة السورية لصناعة المعادن المغفلة في دمشق
مؤسسة محمد سعيد الحافظ وأولاده في دمشق
مؤسسة شاغوري وشمشيخ وسلو وشركاهم في دمشق
مؤسسة صوصانية وفريج وكرموش وشركاهم في دمشق
مؤسسة جوارب الفتاة – أبناء عبد الرزاق المزين في دمشق
مؤسسة بكداس ولحام ووصواف (الجوارب السورية) في دمشق
مؤسسة أشاروين بوران عبجي للسجاد في دمشق
مؤسسة نور الدين الشرباتي وأولاده في دمشق
مؤسسة أوهانسيان ماليكينيان وشركاهم في حلب
على أن تؤول 75% من ملكيتها إلى الدولة و25% لأصحابها.
على إثر ذلك، ارتفعت وتيرة الاحتجاجات أكثر، وتوافد المئات من المواطنين إلى المسجد الأموي، حيث جرى اعتصام كبير في ساحته الداخلية، تمهيدًا للسير في مظاهرة عارمة باتجاه منزل الشيخ حسن حبنّكة في حي الميدان، الأب الروحي لسكان العاصمة من أجل رفع التصعيد في وجه سلطة البعث.
قُطعت الكهرباء عن المسجد الأموي وانتشر الجيش فعمد المحتجون إلى إغلاق الباب الكبير للمسجد. عندها حصل ما لم يكن متوقعًا، إذ جرى تحطيم الباب الكبير باستخدام آلية ثقيلة بقرار من قائد المغاوير سليم حاطوم، وفُتحت نيران الرشاشات على المعتصمين. طالب حاطوم المعتصمين بالاستسلام، وهو ماحصل فتم اقتيادهم بالقوة إلى سيارات اللوري والشاحنات، ليُصار لاحقًا إلى محاكمة قادة تنظيم كتائب محمد وتنظيم المرابط بمحاكم ترأسها القاضي صلاح الضللي.
وقد تدخل أمين الحافظ لاحقًا للعفو عنهم
بتاريخ 27 كانون الثاني، خرج البعثيون في مظاهرة داخل أسواق دمشق، مرّوا خلالها بشارع الصالحية، حيث حطّم عناصر الحرس القومي والكتائب العمالية المسلحة، بقيادة خالد الجندي وبدعم من الجيش، بعض أقفال وواجهات المتاجر المغلقة بالمطارق والأدوات الحادة.
وانتهت المظاهرة عند قصر الضيافة، حيث أطلّ الرئيس أمين الحافظ من شرفة القصر، وألقى كلمة نارية تاريخية أمام جموع المتظاهرين، وصف فيها التجار بـ«المتآمرين الذين استغلوا الدين لعرقلة القرارات الاشتراكية»، وحمّل المحامين مسؤولية مشاركتهم في الإضراب، وقال:
«إنهم سينالون عقابًا عادلًا حتى يتعلموا كيف يكون الحق وكيف يكون الوقوف إلى جانب الحق».
كما هاجم الموظفين، ولا سيما الإخوان المسلمين منهم، متعهدًا بـ«تطهير جهاز الدولة منهم»، ولم ينسَ الساسة القدماء الذين وصفهم بأنهم «العملاء حقًا، الذئاب حقًا».
وبعد أن قامت السلطات بالتواصل المباشر مع التجار وتهديدهم بالإعدام، فتحت دمشق متاجرها وعادت عن إضرابها. وبلغ عدد المعتقلين، بحسب تصريح وزير الداخلية محمد خير بدوي، 400 معتقل، وصدرت بحق بعضهم أحكام بالإعدام لم تُنفّذ، إضافة إلى مراسيم تشريعية بمصادرة أملاك اثنين وعشرين تاجرًا وتسعة وستين مخزنًا.
استمرّ صدور مراسيم التأميم بوتيرة متصاعدة، فيما انغمس الرفاق في صراعاتهم الداخلية ومزاوداتهم الأيديولوجية حول تطبيق الاشتراكية، سواء في مواجهة رفاقهم في العراق أو في خصومتهم مع الناصرية في مصر. وفي خضمّ هذا المناخ المشحون، غادر عدد كبير من أصحاب رؤوس الأموال البلاد، ليدخل الاقتصاد السوري، ومعه البنية الاجتماعية، منعطفًا تاريخيًا حادًا ترك آثارًا عميقة وطويلة الأمد على سوريا و لتنشغل البلاد بعدها بقضية إيلي كوهين التي شغلت الرأي العام في سوريا لشهور طويلة.
المصادر:
مذكرات الحوراني
الجيش والسياسة في سوريا – بشير زين العابدين
الصراع على الشرق الأوسط – باتريك سيل
سورية: البنية والبناة – يحيى سليمان قسام
الإخوان المسلمون في سوريا – عدنان سعد الدين
الصحف
الصراع على السلطة في سوريا – بيير بوداغوفا