تاج الدين الحسني في ذكرى وفاته
2026.01.17
علاء الدين تلجبيني
متل اليوم في 17 يناير/كانون الثاني 1943 اغتيل أو توفي في دمشق رئيس الجمهورية السورية تاج الدين الحسني عن عمر ناهز 53 عامًا.
تاج الدين الحسني سياسي سوري ورجل دولة، كان رئيسًا لأربع حكومات قبل تعيينه رئيسًا للجمهورية من 16 أيلول 1941 ولغاية وفاته في يوم 17 كانون الثاني 1943. وهو أول رئيس جمهورية يأتي بالتعيين، وأول رئيس يتوفى في سدة الحكم يوم 17 يناير 1943. كانت وفاته نتيجة تناول كمية زائدة من الدواء بناءً على رأي الطبيب المعالج، حيث كان يشكو من احتقان الرئة، وحامت شكوك حول أسباب موته.
عن وفاته
كتب الأستاذ مطيع النونو مقالًا موسعًا عن الشيخ تاج الدين الحسني في جريدة الشرق الأوسط، العدد 7236 بتاريخ 20/9/1998، مقالًا عنوانه: تاج الدين الحسني ثالث رئيس للجمهورية مات مسمومًا. وفيه يقول:
(أصيب الشيخ تاج الدين بانهيار في صحته ألزمه الفراش، وعندما ساءت صحته تم استدعاء كبار الأطباء في لبنان، ومنهم يوسف حتي وإلياس الخوري، وتبين أنه يشكو من احتقان في الرئة، وتسمم في الدم، وارتفعت نسبة التسمم إلى 3.5 سغ. وعندما سأل الدكتور حتي أطباءه المعالجين عن الكمية التي أُعطيت له من (الداجنان)، فلما علم بعظم الكمية ضرب جبينه بيده وقال لهم: لقد قتلتموه. وقد قضى رئيس الجمهورية الثالث نحبه نتيجة لذلك، دون أن يعرف أحد من هو الذي دسَّ السُّم؟ هل هم الفرنسيون؟ أم هم الإنكليز؟ أم هم الذين يحلمون ببلوغ الرئاسة الأولى من الزعماء السياسيين؟ وقد بقيت هذه الأسئلة من دون جواب. وفي اليوم التالي صدرت جميع الصحف السورية، وهي تتحدث عن وفاة الشيخ تاج الدين الحسني وتتساءل في تعليقاتها عن أسباب وفاته!!)
عن حياته
يقول المؤرخ خير الدين الزركلي في كتابه الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين عن تاج الدين الحسني:
(محمد (تاج الدين) بن محمد (بدر الدين) بن يوسف الحسني، المراكشي الأصل، البيباني، الدمشقي المولد، 1890–1943. أحد من تولوا رئاسة الجمهورية السورية في عهد الاحتلال الفرنسي تعيينًا لا انتخابًا. كان أبوه المحدث الشيخ بدر الدين منقطعًا إلى التدريس والعبادة، وانصرف هو إلى الاتصال بالحكام الذين يريدون إرضاء أبيه، فعُيّن الشيخ تاج مدرسًا للعلوم الدينية في المدرسة السلطانية بدمشق سنة 1912، ثم كان من أعضاء مجلس إصلاح المدارس، ومن أعضاء المجلس العمومي لولاية سورية في العهد العثماني).
أصدر الجيش الرابع العثماني جريدة (الشرق) سنة 1916 فجعله أحد صاحبيها.
في العهد الفيصلي اختير من أعضاء مجلس الشورى، ثم محكمة التمييز، فقاضيًا شرعيًا للعاصمة دمشق، ومرجعًا أعلى لدوائر الأوقاف والفتوى والمحاكم الشرعية، ودرس أصول الفقه في معهد الحقوق.
تولى رئاسة الوزراء لمرتين؛ الأولى لمدة ثلاث سنوات بين 1926 و1931 بعد مفاوضات سرية مع المندوب السامي الفرنسي، وفي عهد هذه الحكومة جرت انتخابات عامة للجمعية التأسيسية نجح الوطنيون بكل مقاعدها.
و تم تعديل الحكومة مرتين
والحكومة الثانية تشكلت بين 1934 و1936، واستقال بعد أن فقدت حكومته كل تأييد واحترام شعبي، حيث تعرض الحسني في الجامع الكبير في حلب لموقف أجبره على الجلوس في إحدى مقصورات المسجد بعد أن احتل أعضاء الكتلة الوطنية مكانه في المسجد، ما خلق فتنة كبيرة واعتقالات.
سافر إلى مصر بعد استقالته من الحكومة ومنها سافر إلى باريس، فأطال الإقامة فيها ودرس هناك السياسة والاقتصاد، وعاد إلى دمشق، فسعى "المسيو كوليه" لدى الجنرال كاترو لتعيينه رئيسًا للبلاد، فأقامه الفرنسيون رئيسًا للجمهورية سنة 1941، واستمر إلى أن توفي. و يقول الزركلي: كان في الشيخ الحسني ذكاء ودهاء وحسن تودد إلى الناس.
عن والده
والد الشيخ تاج هو الشيخ بدر الدين، وكان محدث الشام في عصره. أصولهم من مراكش في المغرب من ذرية الشيخ الجزولي. يقول الزركلي:
(إن الشيخ بدر الدين، والد تاج الدين الحسني، حين اشتد بغي الاتحاديين الأتراك عرض عليه بعض من أهالي دمشق البيعة بالخلافة والثورة معهم، فزجرهم وزاد في انزوائه واعتكافه، وكان يأبى الإفتاء ولا يرغب في التصنيف. غير أنه لما قامت الثورة على الاحتلال الفرنسي في سوريا كان الشيخ بدر الدين يطوف المدن السورية متنقلًا من بلدة إلى أخرى حاثًا على الجهاد، حاضًّا عليه، يقابل الثائرين ويغذيهم برأيه وينصح لهم بالخطط الحكيمة، فكان أبًا روحيًا للثورة والثائرين المجاهدين).
دفنه
تم دفن الشيخ تاج الدين الحسني في مقبرة الباب الصغير بدمشق بجوار والده الشيخ بدر الدين، وبقيت وفاته لغزًا جديدًا في الحياة السياسية السورية.
الرئيس تاج الدين الحسني شخصية جدلية في التاريخ السوري الحديث، وقيل عنه الكثير، ونُسجت عنه الأساطير بالعمالة مع الفرنسيين. لم يكن الرجل عميلًا بالمعنى الخياني، بل كان سياسيًا براغماتيًا حاول التوفيق بين الواقع الصعب والهدف الوطني الأكبر (الاستقلال)، مما جعله يتبنى مواقف مختلفة عن الوطنيين المتشددين. كان الكثيرون ممن حكموا سوريا لديهم شراهة وحب للسلطة. شتمه السوريون كثيرًا، ومنها زجلهم الشهير:
شيخ تاج ويا بومة يا أبو اللفة المبرومة
هات شعرة من دقنك لخيط هالتاسومة
فرد عليهم مؤيدوه بالقول:
يا شيخ تاج ويا عزّينا
ويُذكر له دوره في بناء الدولة وتشكيل أول دستور جمهوري، كما أنه نال لقب "الرئيس المعمار" لجهوده في التطوير العمراني، وتميزت فترة رئاسته الأخيرة بحصول سوريا على استقلالها.
تُروى عنه الكثير من النكات؛ كانت شخصيته بقامته القصيرة وضخامة جثته وبروز بطنه وعرجته قد بدت مضحكة، واستثارت سخرية الفرنسيين والوطنيين معًا، لكنه خلافًا لمظهره كان ذكيًا ولمّاحًا وداهية. يُروى عنه أنه حين أصبح رئيسًا لسوريا قرر أن يصدر طوابع خاصة بمناسبة توليه رئاسة الجمهورية، وكانت الطوابع تُطبع آنذاك في فرنسا. وعندما سأله مصمم الطابع عن الصورة التي يضعها داخل هذا الطابع، فاجأه بأنه يريد أن يضع صورته بالطول الكامل على هذا الطابع.
عندها سأله المصمم باستغراب عن خياره بوضع صورة بالطول الكامل، وقد درجت العادة أن توضع صورة من النصف الأعلى من الجسد، فأجابه الشيخ تاج:
إن بيني وبين هؤلاء المتظاهرين الذين شتموني دينًا قديمًا، وعليّ أن أرد ذلك الدين. لقد شتموني في مظاهراتهم، وحان الوقت لكي يلعقوا (قفاي) كلما أرادوا أن يضعوا طابعًا من هذه الطوابع على معاملاتهم الرسمية ورسائلهم البريدية.
رحم الله الشيخ تاج.
المصادر
"الأعلام": قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، خير الدين الزركلي
"موسوعة سوريا: البنية والبناة"، يحيى سليمان القسام
"سجل الحكومات والوزارات السورية"، مازن يوسف صباغ
"رواية اسمها سوريا"، نبيل صالح