أضواء على لقاء الرئيسين البكر والأسد وفكرة الوحدة المجهضة
2026.01.12
علاء الدين تلجبيني
نهض برزان التكريتي وخرج من قاعة الخلد في إشارة على انتهاء المؤتمر، وضرب صدام بإصبعه الأيمن على الطاولة وقال: "ما نحتاج نحن أسلوب ستالين في مواجهة الخونة، وإنما الأسلوب البعثي." ونهض وردد الشعار.
(من كتاب المؤرخ العراقي سيف الدين الدوري)
في 23 تشرين الأوّل/أكتوبر سنة 1978 وصل الرئيس السوري حافظ الأسد إلى بغداد في زيارة رسمية تاريخية بدعوة من نظيره العراقي أحمد حسن البكر. في بغداد أعلن الرئيسان في السادس والعشرين من تشرين الأول عن ولادة ميثاق العمل الوطني المشترك السوري العراقي.

أعلن الطّرفان في 15 كانون الثاني سنة 1979 الاتّفاق رسميًّا على قيام دولة الاتحاد السوري العراقي، وتم تشكيل لجنة عليا أُعدّت لترتيبات الوحدة بين البلدين بقيادة الرئيسين.
كان الرئيس السوري يسعى من خلال الميثاق إلى البحث عن حليف عربي في مشروع إعادة التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل بعد خروج مصر من المعادلة. أما الرئيس البكر فكان متوجسًا من طموحات نائبه صدام حسين، خاصة أن أعضاء القيادة القطرية في العراق ليسوا أكثر من موظفين لدى صدام، وهو ما أشار إليه العضو القيادي السابق صلاح عمر العلي — المحسوب على خط البكر — في محاضرة ألقاها في مركز الفكر العربي في الأردن عام 2009. فقد كانت الفرصة الأخيرة للرئيس البكر لأن يتمسك بوثيقة العمل الوطني المشترك بين سورية والعراق لإعلان الاتحاد بينهما.
كان نائب الرئيس صدام حسين يتطلع نحو السلطة في العراق، وكان قد استكمل سيطرته على الكثير من مرافق الدولة والحزب الحاكم والأجهزة الأمنية في انتظار استيلائه على السلطة كاملة. وكان واضحًا أن دولة الوحدة بين العراق وسوريا لو تمت فسيكون البكر رئيسها، والأسد نائبًا له، وبعد انتهاء ولاية البكر من المفترض أن يصبح الأسد رئيسًا في الاتحاد الجديد، ويكون فيها رئيس العراق نائبًا له، ما يعني ضياع طموحات صدام في حكم العراق نهائيًا. وكان على صدام التحرك بسرعة من جهة لوأد محاولة الوحدة بين البلدين، ومن جهة أخرى القضاء على ما تبقّى من قادة بعثيين غير متماشين معه أو موالين له.
أعرب البكر للأسد عن رغبته في تسريع عملية الوحدة، حيث كان يخشى أن عناصر داخل حزب البعث العراقي قد تحاول قتل خطة الوحدة بين البلدين، التي هي أولى المبادئ الأيديولوجية لحزب البعث الذي يتزعم السلطة في الدولتين. وكان من المقرر أن تدخل هذه الخطة حيّز التنفيذ في تموز/يوليو 1979.
في حزيران زار الأسد العراق مجددًا، وصدر إعلان سياسي عبّر عن رغبة البلدين في بناء وحدة بينهما، وتدارست الهيئة وسائل تعزيز الموقف العربي في مواجهة (الإمبريالية)، وقررت الهيئة السياسية العليا تشكيل قيادة سياسية موحدة (للقطرين) تضم الرئيسين بالإضافة إلى كبار المسؤولين في البلدين، أُنيط بها وضع السياسة الخارجية وإقرار مسائل الحرب والسلم والسياسات الدفاعية للبلدين. كان هذا الاجتماع آخر اجتماع علني يجمع رئيسي العراق وسوريا.
بعد شهر من زيارة الأسد، أي في 16 تموز 1979، أُعلن في بغداد عن استقالة الرئيس أحمد حسن البكر وتسلّم صدام حسين دفة الحكم في البلاد.
يقول عبد الحليم خدام في مقابلة له على قناة العربية:
"في 18 تموز/يوليو 1979 كان لدى العراقيين احتفال بذكرى ثورة تموز/يوليو، دعوا له العماد حكمت الشهابي للحضور والمشاركة. وذهب الشهابي إلى العراق فوجد مقعده إلى جانب مقعد الفريق أمين الحافظ، الرئيس السوري السابق. في سوريا استغرب الشهابي هذا الأمر، لكنه قال: يمكن أراد العراقيون من جلوسنا متقاربين أن يجري الحديث بيننا كمقدمة للانفتاح... وإلى آخره."
في 22 تموز/يوليو، وبعد ستة أيام من الاستيلاء على السلطة، دعا صدام حسين رفاقه البعثيين إلى قاعة الخلد، في بغداد حيث نفذ عملية عُرفت بـ(مجزرة الرفاق)، صفّى فيها صدام حسين جمعًا من رفاقه البعثيين المحسوبين على الرئيس البكر والداعمين للوحدة مع سوريا.
يقول خدام:
"في 25 تموز/يوليو جاءتني برقية من سفارتنا في بغداد أن النظام في العراق اكتشف مؤامرة، واتهم سوريا بالتورط بها، وتم اعتقال عدد من أعضاء القيادة، وتم إعدامهم وعدد من العسكريين."
وبذلك أنهى صدام جميع العلاقات الثنائية بين البلدين، ثم تخلى في وقت لاحق عن كامل خطة التحالف وبرنامج الوحدة بين الدولتين. في تشرين الثاني/نوفمبر 1979 علّقت الدولتان العلاقات كلٌّ مع الأخرى رسميًا، وسحبت كلٌّ منهما بعثتها الدبلوماسية لدى الأخرى. كانت الحرب بين إيران والعراق وتقارب الأسد المتزايد مع إيران قد أنهيا فعليًا أي آمال في التقارب والوحدة بين البلدين. وفي كانون الثاني/يناير 1982 أُغلقت الحدود بين البلدين، وجرى إيقاف جميع أشكال التجارة وحركة المواطنين بين الدولتين حتى عام 1998.
مصادر:
_الجيش والسياسة في مرحلة التحول الديمقراطي في الوطن العربي، صادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
_العراق البلد العربي الذي نخره السياسيون 1914 - 2003م، لإبراهيم عبد الطالب.
_العراق بين الأمم: رؤية جديدة لعلاقات العراق الخارجية، لطالب عزيز.
_الرواية المفقودة، لفاروق الشرع.
_اللغز في إعدام ناظم كزار وعبد الخالق السامرائي وأربعة آخرين من أعضاء مجلس قيادة الثورة 1973 - 1979م، لسيف الدين الدوري.
الصور للتوقيع على الميثاق، يبدو في الخلف عبد الحليم خدام وصدام حسين.