كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الاعتقالات التعسفية ضد الشيوعيين السوريين في عهد الوحدة مع مصر

علاء الدين تلجبيني

 في 3 كانون الثاني/يناير 1959، اشتدت حملة الاعتقالات الواسعة ضد الشيوعيين في سوريا، وهي حملة كانت قد انطلقت شرارتها عقب اجتماع أمني ترأسه عبد الحميد السراج، وانتهت إلى مداهمات شاملة طالت قيادات الحزب الشيوعي وكوادره في مختلف المدن السورية. لم تميّز الحملة بين فلاح أو عامل أو طبيب أو مهندس أو مدرس؛ فكل من وقع في قبضة الأجهزة الأمنية كان عرضة للاعتقال، ومن بينهم الشيخ ثابت العزاوي في دير الزور وجرى نقله مع معتقلين آخرين نذكر منهم كمال عدوان، ودكران أنوسيان وعبد الحميد الحافظ وعبد الكريم فتيح.. إلى دمشق وأدخلوا إلى سجن المزة حيث التقوا بمعتقلين آخرين منهم أيوب شمعون وياسين جعفر وأحمد حلبي كانت تتوافد الشاحنات الى السجون تحمل العشرات من منتسبي الحزب.
وزّع المعتقلون على سجون المزة العسكري، والطلياني، وسجون المحافظات، ومورست بحقهم أبشع أساليب التعذيب، من الشبح إلى الصعق بالكهرباء. ولم يخرج بعضهم أحياء من زنازين التحقيق؛ إذ قضى تحت التعذيب عدد من المعتقلين، من بينهم سعيد الدروبي، بيير شديرفان، جورج عدس، عبد القادر عقاب، إضافة إلى فرج الله الحلو الذي جرى إذابة جثمانه بالأسيد في واحدة من أكثر الجرائم قسوة في تلك المرحلة.
خرجت حمص بالآلاف لتشييع سعيد الدروبي، الذي قضى تحت التعذيب على يد مخابرات المكتب الثاني، ثم خرجت بعد أشهر قليلة بالآلاف نفسها لاستقبال جمال عبد الناصر؛ في مفارقة تُعدّ من أكثر المسائل إشكالية في محاولة فهم عقلية الجماهير السورية وسلوكها السياسي.
الخلفية السياسية: رفض حلّ الحزب
جاءت هذه الحملة في سياق سياسي متوتر، أعقب رفض الحزب الشيوعي السوري حلّ نفسه، خلافًا لبقية الأحزاب، كشرط فرضه جمال عبد الناصر لاستكمال مشروع الوحدة السورية–المصرية. يروي يوسف فيصل تفاصيل تلك اللحظة المفصلية قائلًا:
«في 18 كانون الأول 1958 كان جمال عبد الناصر في دمشق، واستقبل من ضمن الوفود ممثلين من الحزب الشيوعي يضم كلًّا من أحمد محفل وجورج عويشق، وطلب منهم إعلان حل الحزب الشيوعي، وأبلغهم أن جميع ممثلي الأحزاب التي سبق اللقاء معهم قد وافقوا على حل أنفسهم. فرد عليه محفل وعويشق بأنه لا توجد هيئة في الحزب مخولة بحله، ولا اللجنة المركزية، ولا توجد سابقة في هذا الأمر».
ويضيف فيصل أن الموفدين توجها إلى أكرم الحوراني لإبلاغه بما جرى، أملًا في احتواء الأزمة، غير أن رده كان قاسيًا، ولم تمضِ ساعات حتى خرجت جريدة الاشتراكي في اليوم التالي بهجوم حاد على الحزب الشيوعي.
كان الخلاف بين عبد الناصر و الشيوعيين و ان بدا في ظاهره خلافا على حل الحزب الا ان مخاوف عبد الناصر كانت مع الموقف المتمايز للحزب من شكل الوحدة و التي ارادها الشيوعيون وحدة فيدرالية لا اندماجية، ولعل غياب بكداش عن جلسة اعلان الوحدة بمثابة رسالة لموقف الحزب من الوحدة ومازاد مخاوف عبد الناصر الانقلاب على الأسرة المالكة في العراق ووصول عبد الكريم قاسم في تموز 1958 الى السلطة والذي تحالف مع الحزب الشيوعي العراقي لقطع الطريق على الانضمام الى الجمهورية العربية المتحدة وإعلانه تطبيق شعار (جمهورية لا اقليم) وماتبع ذلك من تصفية العناصر القومية الوحدوية من بعثيين وقوميين عرب في الجيش العراقي.
التصعيد الإعلامي والسياسي
في 23 كانون الأول 1958، ألقى عبد الناصر خطابًا في بورسعيد، شنّ فيه هجومًا لاذعًا على الحزب الشيوعي والشيوعية والاتحاد السوفييتي، واصفًا الشيوعيين بـ«العملاء» و«الملحدين» و«التابعين للوحي السوفييتي». وعلى إثر ذلك، صدر قرار بإغلاق جريدة النور، لسان حال الحزب الشيوعي، التي كان يشرف عليها فرج الله الحلو.
يتحدث سامي جمعة عن تطور أخطر بعد ذلك بأيام، إذ يقول:
«في 30 كانون الأول دُعي جميع رؤساء الأجهزة الأمنية في دمشق – الشعبة الثانية، والشرطة العسكرية، والأمن السياسي، والأمن الجنائي، والشرطة المدنية – إلى اجتماع في قلعة دمشق. وافتتح المقدم عبد الحميد السراج الاجتماع بتعداد الأخطار التي بدأ يشكلها الحزب الشيوعي السوري، معلنًا بدء الحملة لتصفية الحزب في سوريا».
ويشير جمعة إلى أن السراج كان قد حصل على قوائم بأسماء أعضاء الحزب الشيوعي خلال فترة التعاون بين الحزب والشعبة الثانية قبل عام ونصف، أثناء صراع الشعبة مع الحزب القومي السوري، وهو ما أسرّ به السراج لاحقًا قائلًا إن «المعركة التالية قد بدأت».
آلة الدعاية والتحريض
بالتوازي مع التحضيرات الأمنية، انطلقت حملة إعلامية ضخمة في الأسبوع الأخير من عام 1958. سخّر إعلام الجمهورية العربية المتحدة طاقاته على مدار الساعة للترويج لفكرة أن المعركة مع الاستعمار انتهت أو شارفت على الانتهاء، مقابل تصعيد الهجوم على الشيوعيين بوصفهم «الخطر الجديد». وكان محمد حسنين هيكل، إلى جانب الاشتراكي الأردني عبد الله الريماوي، في طليعة هذه الحملة، حيث دعا هيكل الشيوعيين – كما ينقل عادل غنيمة في كتابه جمال عبد الناصر – إلى «إغلاق أفواههم».
شهادات من الجحيم
تنقل أسماء الصالح، عضو الحزب الشيوعي، شهادة موجعة عمّا جرى في المعتقلات، فتقول:
«إنني قد أنسى أنكم علّقتموني يومًا من رجلي، مخالفين بذلك كل تقاليدنا العربية، وأن جلادكم قد انهال عليّ بالسياط ضربًا حتى أُدميت قدماي، وقد تمحى من ذاكرتي صورة الوحش الذي جرّني من شعري على أرض السجن، ولكن شيئًا واحدًا لن أنساه مدى الحياة: أنكم حاولتم طعني في شرفي وكرامتي وأخلاقي عندما تنسبونني زورًا إلى الخيانة».
مقدمات سابقة: الجيش والوحدة
لم تكن المواجهة مع الشيوعيين وليدة لحظتها. فبعد إعلان الوحدة مباشرة، أقدم عبد الناصر على تسريح عدد كبير من الضباط اليساريين، وهي خطوة اعترض عليها الفريق عفيف البزري، قائد الجيش الأول (سوريا) والمقرّب من الحزب الشيوعي، ما أدى إلى تقديم استقالته في 21 نيسان 1958 وتعيين جمال الفيصل بدلًا منه.
يقول يوسف فيصل إن الذريعة المعلنة لقبول استقالة البزري كانت اتصاله بعبد الكريم قاسم في العراق، لكن الأكثر غرابة – كما ينقل سامي عصاصة – أن البزري علم بخبر استقالته من الصحف، لا عبر القنوات الرسمية التي تليق بمكانته العسكرية.
ويذكر سامي جمعة في كتابه أوراق من دفتر الوطن أن تقريرًا رفعه السراج إلى القاهرة في آذار 1958 تحدث عن «تنظيم سري» يضم البزري وأمين النفوري والوزير أحمد عبد الكريم، ويستهدف – بحسب التقرير – ضرب الوحدة.
وقد لخص محمد حسنين هيكل في كتابه "ماذا جرى في سوريا" كل ماسبق عن ابعاد البزري بالقول (ركب عفيف البزري الطائرة الى القاهرة يعارض في قرار وقف حركات التنقلات.
و قيل لعفيف
اسمع بصراحة هؤلاء الضباط على صلة بالحزب الشيوعي
وقال عفيف لا اسمح بأي تغيير فيما قررته مهما كانت الاسباب
خبط عفيف بيده على مائدة غرفة الاجتماعات بالقيادة العامة للقوات المسلحة للجمهورية العربية المتحدة، وقال:
اذا لم تنفذ الحركة كما وضعتها، فإني أستقيل.
وهب واقفا لم يترك لأحد فرصة مناقشته وغادر قاعة الاجتماع الى فندق شبرد،
وكانت تلك غلطة عفيف البزري الكبرى انه لم يستطيع ان يتصور ان الظروف تغيرت وانه لم يعد قائد جيش مع حكومة ضعيفة متهالكة كتلك الحكومات التي تعود ان يصدر اليها الامر مصحوبا بالانذارات في دمشق قبل الوحدة، فتهرول للركوع.
لقد تغير الوضع بعد الوحدة ان الجيش في المفهوم الجديد يجب ان يصبح اداة قتال لا أداة سياسة.
خاتمة
هكذا، لم تكن حملة كانون الثاني/يناير 1959 سوى تتويج لمسار طويل من الصدام السياسي، اختلط فيه الأمني بالإيديولوجي، والدعائي بالقمعي. مسار انتهى بتصفية الحزب الشيوعي في سوريا، وترك جرحًا عميقًا في الذاكرة السياسية السورية، جرحًا ما زالت آثاره حاضرة في فهم علاقة السلطة بالمعارضة، وفي قراءة تجربة الوحدة وما آلت إليه.
مراجع
"ذكريات ومواقف" يوسف الفيصل.
"الوحدة السورية المصرية كيف تمت وكيف أفلست وأشرفت على الانهيار" لخالد بكداش.
"دراسة في تاريخ سوريا المعاصر" أمل بشور.
أ"سرار الانفصال" لسامي عصاصة.
"ماذا جرى في سوريا؟" لمحمد حسنين هيكل.
شخصيات لها العجب: ذكريات.. تراجم.. دراسات.. ووثائق لصلاح عيسى.