كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

يوم أعلن عبد الحليم خدام انشقاقه

علاء الدين تلجبيني

يقول الباحث رضوان زيادة في كتابه «الإصلاح في سوريا»:
«لم يمضِ يوم على انشقاق السيد عبد الحليم خدام حتى تبيّن أن كل أعضاء مجلس الشعب يعرفون أنه لص، وأنه دفن نفايات نووية في البادية السورية، وبعد يومين فقط تبيّن لهم أن ثروته تبلغ 1.1 مليار دولار».
مثل اليوم، في 30 ديسمبر/كانون الأول 2005، ظهر عبد الحليم خدام على شاشة قناة العربية من العاصمة الفرنسية باريس، معلنًا انشقاقه عن النظام السوري، معرّجًا على حالة الفقر في سوريا، واصفًا بأن الملايين من السوريين يأكلون من القمامة.
بعد مرور نحو 12 ساعة على بث الجزء الأول من المقابلة، اجتمع أعضاء مجلس الشعب في جلسة استثنائية. لم تكن تلك الجلسة لمناقشة قضايا الفقر في سوريا التي ذكرها خدام أو لإيجاد حلول اقتصادية لها، ولا حتى لمساءلة الحكومة عمّا ذكره خدام من سوء أوضاع السوريين، إنما خُصصت للرد على انشقاق نائب الرئيس، و تلقين الذي تجرأ على القائد والنظام اقسى الدروس ليكون عبرة لكل من يتجرأ ! فتسابق الأعضاء في صفعه بالشتائم من كل حدب وصوب، وطالبوا القيادة السورية بفتح ملفاته فورًا وعدم تأجيلها، لأن النظام إذا رحمه فالشعب لن يرحمه.
طالب أحدهم بفصل خدام من نقابة المحامين، وطالب آخر برفع دعوى ضده بسبب قضية النفايات النووية التي تم طمرها في صحراء سوريا، وآخر طالب بملاحقته بتهم الفساد.
في تلك الجلسة قال رئيس مجلس الشعب محمود الأبرش إن «مئات الآلاف من الاتصالات وصلت إلى مجلس الشعب السوري تطالب باعتقال خدام وطلبه عن طريق الإنتربول الدولي ومحاكمته بالخيانة العظمى». وقال رئيس المجلس إن «اتصالات كثيرة أتته تطالب برمي الكرسي الذي كان يجلس عليه خدام في الشارع و حرقه»، وطالب الأبرش أعضاء مجلس الشعب بإلغاء كلمة «السيد» قبل اسم خدام في كلماتهم. وعندما استخدم أحد النواب اسم «أبو جمال»، وهو اللقب الذي يُعرف به خدام، طلب منه عدم استخدامه لأنه اسم «تحبّب».
من الأوصاف التي أطلقها النواب في تلك الجلسة على خدام:
_ بعير أجرب
_ خسئ وخسر
_ عاهرة تحاضر عن العفاف
_ كم قبض من سعد الحريري والصعلوك جنبلاط
_ كيف وزّع هو وأولاده المارتديلا الفاسدة
_ الخائن
_ الخارج عن دينه ووطنه
وتساءل أحدهم: «كيف تجرؤ زوجة هذا الخائن على تغيير مسار إحدى الطائرات السورية، وتمنعها من الهبوط في إحدى العواصم الأوروبية؟».
وقال آخر إن «خدام ساقط هو وأولاده، ذكورًا وإناثًا، بسلسلة المطاعم والمحلات التي امتلكها، والمناقصات التي فُرضت على المواطنين»، وأضاف: «عُد إلينا يا خدام لنسحقك بأقدامنا».
ولم توفّر حفلة الشتائم قناة العربية، التي وصفها بعض النواب بـ«العبرية» تارة، وبـ«اليهودية» تارة أخرى، و«المأجورة»، وإحدى «الفضائحيات» بدل «الفضائيات» تارة ثالثة.
وتذكّر أحد النواب أن خدام كان وزيرًا للاقتصاد الوطني، واستشهد بقول الشاعر نديم محمد:
قل لي يا وزير الاقتصاد الوطني
كيف أصبحت غنيًّا
لم تسافر، لم تهاجر
لم يورّثك أبوك
إلا جحشًا برَسَن
في الختام، أوصى المجلس بالإجماع بمحاكمة خدام «بجرم الخيانة العظمى»، و«بالوقوف صفًا واحدًا خلف قيادة الرئيس بشار الأسد». فيما اقترح رئيس المجلس محمود الأبرش تبديل اسم خدام من «أبو جمال» إلى «أبو قبح»، وأضاف: «تبت يدا أبي قبح».
الصحف السورية أيضًا انضمت إلى تلك الحملة، فحملت افتتاحية صحيفة تشرين عنوان: «حتى أنت يا خدام؟!!»، متهمة إياه بالبحث عن مجد شخصي ضائع وأحلام زعامية خائبة في عواصم الغرب ومنتجعاته الأسطورية الجميلة. وقالت تشرين: «الحقيقة أننا لم نسمع يومًا أن السيد خدام كان ديمقراطيًا وطرح برنامجًا للإصلاح، أو أنه كان اشتراكيًا ونصيرًا للفقراء، فعلى من تقرأ مزاميرك يا داود».
أما عضو المجلس ورئيس اتحاد الطلبة في سوريا عمار ساعاتي فأشار إلى قصر خدام في بلودان، وهو قصر سماه النائب السابق للرئيس، بحسب عضو المجلس بهاء الدين الحسن، «البيت الأبيض»، وإلى قصوره في باريس، مضيفًا أنه كان يضع 500 سيارة تحت تصرفه وتصرف حاشيته بمهام رسمية.
وقال رئيس اتحاد الفلاحين في مداخلته أيضًا إن خدام «دفع لمجلة لبنانية 500 ألف دولار لتكتب عن ضابط كان يكرهه خدام». وقال عضو مجلس الشعب ورئيس اتحاد الصحافيين صابر فلحوط إنه «كان يتمنى لو أن خدام قال هذا الكلام في مؤتمر الحزب الذي لم يمضِ عليه سوى عدة شهور». وأضاف أن الحديث «عن الحالة المعيشية كان فيه إهانة للشعب السوري»، وتساءل: «هل وصل الناس إلى أكل القمامة لولا المفسدين الذين هو جزء منهم؟»، مشيرًا إلى «قصوره التي تمتد من أبو رمانة إلى بلودان وحتى قصر أوناسيس في باريس».
في 2 كانون الثاني/يناير 2006 قررت القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي طرد عبد الحليم خدام من الحزب واعتبرته خائنًا للوطن والحزب. وقالت القيادة القومية في بيانها إن «خدام خان الحزب والوطن والأمة، وجاءت افتراءاته وتلفيقاته لتشكل تنكرًا واضحًا وفاضحًا للتقاليد والقيم الوطنية والقومية». وأضاف البيان أن «خدام اختار أن يكشف عن وجهه الحقيقي عندما وجد نفسه خارج السلطة ومواقع المسؤولية في الحزب والدولة، وذلك بعد أن أصبح عاملًا معرقلًا ومعيقًا لمسيرة الإصلاح والتجديد، وهذا ما أكدته ممارساته في الحزب والسلطة».
ختامًا، يفرض هذا المشهد سؤالًا جوهريًا حول طبيعة هذه الدولة العجائبية: كيف يمكن لأعضاء مجلس الشعب أن يقرّوا، علنًا ودون مواربة، بمعرفتهم بكل تلك الموبقات والتجاوزات المنسوبة إلى نائب الرئيس، ثم لا يتحرك أيٌّ منهم يومًا لمحاسبته أو مساءلته؟ أي شرعية سياسية أو أخلاقية تبقى لمؤسسة تعترف بالمعرفة وتتنصل من المسؤولية؟
لقد أدرك عبد الحليم خدام متأخرًا أنه خاضع لقانون «قطيع الفيلة» الذي يقصي عجائزه حين تنتهي صلاحيتهم، فاختار المغادرة في جنح الظلام. كان يدرك أن السلسلة التي بدأت باغتيال رفيق الحريري لن تتوقف عنده، وأن سيناريو «الانتحار بثلاث طلقات» ليس سوى تفصيل في نظام يجيد إخراج نهاياته. وهو العارف تمام المعرفة بعقلية هذا النظام، الذي شارك طويلًا في تسويق سياساته وتجميل فظائعه خارجيًا.
لم يكن خدام، في خروجه، كاشفًا لواقع جديد بقدر ما كان موقظًا لواقع مرير قائم. ففي تلك الجلسة الاستثنائية لم يُفضَح خدام بقدر ما فضح النظام نفسه. لم تكن الشتائم الموجهة إليه سوى مرآة عاكسة لطبيعة المنظومة السياسية والحزبية والأمنية والعسكرية بأكملها. لقد تعرّت تلك المنظومة أمام العالم، واتضح أن عبد الحليم خدام لم يكن استثناءً فيها، بل كان، بشكل أو بآخر، تجسيدًا لها.