كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ذكرى انشقاق حمود الشوفي عن نظام حافظ الأسد

علاء الدين تلبجبيني

في مثل هذا اليوم، في 27 كانون الأول/ديسمبر 1979،
تلقت السلطة في دمشق صفعة قاسية، إذ أعلن مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، حمود الشوفي، استقالته من منصبه، احتجاجًا على سياسة النظام السوري تجاه أحداث العنف الدائرة في سوريا خلال الصراع مع جماعة الإخوان المسلمين.
تلا الشوفي بيان استقالته في الأمم المتحدة، مؤكدًا أنه سيدافع عن تطلعات الشعب السوري لنيل الديمقراطية. وفي مؤتمر صحفي عقده لاحقًا، وصف الشوفي حافظ الأسد بالديكتاتور، وتحدث عن الفساد الذي ينخر الجهاز الحكومي في سوريا، وسخر من حملة الأسد على الفساد في ظل غياب الممارسات الديمقراطية الحقيقية. كما سخر من الدعاية والإشادة الإعلامية التي رافقت تلك الحملة آنذاك، مؤكدًا أنها «توقفت فور أن بدأت، واقتصرت على توريط أصدقاء شخصيين وأقرباء في مناصب حكومية وعسكرية منتقاة من قبله».
وردّت وزارة الخارجية السورية على بيان الاستقالة، متهمةً الشوفي بـ«خيانة الثقة التي وضعتها فيه بلاده، والمساس بوطنه وبقضية الأمة التي ينتمي إليها»، وأضافت أن «بعض الدول العربية الشقيقة اتصلت بوزارة الخارجية السورية للفت نظرها إلى النشاط المشبوه الذي يمارسه الشوفي، ولا سيما اتصالاته بالوفد المصري وبعض المؤيدين لاتفاقية كامب ديفيد».
في اليوم التالي لإعلانه بيان الانشقاق، صدر عن عدنان الدباغ، بصفته نائبًا للحاكم العرفي، أمرٌ عرفي بالاستيلاء على جميع الأموال المنقولة وغير المنقولة العائدة للشوفي وزوجته وابنه وابنتيه.
كما حوكم الشوفي غيابيًا، وصدر بحقه حكم بالإعدام بتهمة الخيانة العظمى.
تزامن هذا الانشقاق مع فترة كانت فيها العلاقات بين البعث العراقي، الذي كان قد أصبح خاضعًا لسيطرة صدام حسين، والبعث السوري في أسوأ أحوالها. يذكر أكرم الحوراني تأثير العراق بعد انشقاق الشوفي و العلاقات الوثيقة مع صدام حسين، ناقلًا عن المحامي الشيوعي أحمد محفل، المطلع على بعض الوقائع المتعلقة بالشوفي، قوله إن النظام العراقي كان يستخدم حمود الشوفي كقناة اتصال بينه وبين الولايات المتحدة. ويضيف أن وضع الشوفي في الولايات المتحدة كان يبدو وكأنه سفير العراق ومندوبه، لا السيد صلاح عمر العلي، أحد أركان ثورة تموز 1968، والذي كان قبل انضمامه إلى المعارضة العراقية المندوب الرسمي للعراق في الأمم المتحدة.
وُلد حمود الشوفي في صلخد بمحافظة السويداء عام 1935. بدأ حياته العامة في حزب البعث منذ أن كان طالبًا في المرحلة الثانوية. وبعد تخرجه، انصرف إلى العمل الحزبي، وحصل على إجازة في اللغة العربية، وعمل مدرسًا في محافظة السويداء.
وعند انقلاب 8 آذار 1963، كان من التيار الماركسي البعثي الذي تعرّض أفراده للسجن في عهد الوحدة، وكان متأثرًا بالثوري العراقي علي صالح السعدي والماركسي السوري ياسين الحافظ.
وبحسب ما ذكره سامي الجندي في كتابه البعث، فإن ميشيل عفلق هو من اقترح إضافة اسمَي حمود الشوفي ونور الدين الأتاسي إلى المجلس الوطني، بعد استقالة الفئات الوحدوية منه في منتصف عام 1963، واصفًا إياهما بأنهما «تلميذان حَيّان، مهذبان، ساهران على راحة الأستاذ وتنفيذ رغباته».
وفي المؤتمر القومي السادس الذي انعقد في 5 تشرين الأول 1963، انتُخب الشوفي أمينًا قطريًا للحزب في سوريا وعضوًا في القيادة القومية.
ويقول باتريك سيل إن أعضاء اللجنة العسكرية وجدوا في حمود الشوفي ما يوازي ميولهم الثورية واتجاهاتهم الراديكالية، بديلاً عن إرشادات عفلق والبيطار، اللذين كان أعضاء اللجنة العسكرية يرون في رؤيتهما إصلاحية برجوازية.
بقي الشوفي في موقعه حتى المؤتمر القطري الاستثنائي، حيث صوّتت الأغلبية على سحب الثقة من القيادة القطرية السورية (حمود الشوفي وجماعته)، وذلك بعد سقوط علي صالح السعدي في العراق في شباط/فبراير 1964.
ثم وقع خلاف داخل الحزب، فاستقال من عضوية المجلس الوطني لقيادة الثورة، ومن الحزب في أواخر عام 1965.
وبعد انقلاب 23 شباط 1966، أُبعد الشوفي عن الحزب. ويقول أكرم الحوراني:
«بعد انقلاب 23 شباط، شعر البعثيون من أبناء جبل العرب بأنهم على طريق التصفية من الحزب ومن الحكم، فقد طُرد حمود الشوفي من الحزب، وأُلقي القبض على منصور الأطرش وشبلي العيسمي، وعُزل حمد عبيد، الذي كان وزيرًا للدفاع، وكان يُتوقع أن يبقى في منصبه، لكن بدلًا من ذلك أُلقي القبض عليه وأُحيل إلى المحاكمة بتهمة التمرد».
أُرسل الشوفي لاحقًا سفيرًا لسوريا في إندونيسيا حتى عام 1970، ثم سفيرًا في الهند لمدة عامين. وبعد ذلك، استدعاه حافظ الأسد في سياق سعيه للتقرب من بعض القيادات البعثية السابقة، وعيّنه مديرًا لإدارة الأميركيتين في وزارة الخارجية بدمشق بين عامي 1972 و1978.
ونال لاحقًا ثقة الأسد، فتم تعيينه مندوبًا دائمًا لسوريا لدى الأمم المتحدة حتى انشقاقه وبقائه في نيويورك.
ويمكن فهم انشقاق الشوفي في سياق مرحلة كان يعاني فيها النظام من مشكلات داخلية وإقليمية متزايدة، وترافق ذلك مع ارتفاع حدة العمل المسلح في الداخل. ويذكر أكرم الحوراني:
«اتصل بي السيد حمود الشوفي في باريس، وكان آنذاك مندوبًا لسوريا في الأمم المتحدة، وأخبرني أن بعض الزعامات السورية تقترح توقيع بيان يُقدَّم إلى حافظ الأسد يُرجى فيه سحب القوات السورية من لبنان، وأن هذا البيان يمكن أن يوقعه سلطان باشا الأطرش وصلاح البيطار وجلال السيد. وقد اعتذرت عن توقيع البيان، لاعتقادي أنه لا فائدة تُذكر منه، وأن تقديمه إلى الأسد لا يعني سوى الاعتراف بشرعية نظامه الديكتاتوري الذي فرضه على سوريا. وقد تراجع الأستاذ البيطار لاحقًا عن التوقيع وأبلغني بذلك».
بعد انشقاقه، نسّق الشوفي مع صلاح الدين البيطار من أجل إقامة معارضة علنية للنظام في الخارج، وذلك حتى اغتيال البيطار عام 1980.
وفي عام 1982، تواصل الشوفي مع جماعة الإخوان المسلمين، واليمين البعثي المحسوب على العراق، والجبهة الإسلامية، والحزب الاشتراكي العربي، والناصريين، بهدف تشكيل جبهة معارضة خارج سوريا لإسقاط النظام.
أصيب لاحقًا بمرض عضال، وتوفي في الولايات المتحدة الأميركية في حزيران/يونيو 2011.
كان حمود الشوفي آخر رجل بارز خرج من سلطة حافظ الأسد من الرعيل الذي قاد انقلاب آذار. وجاءت مواقفه بعد خروجه جريئة ومليئة بالتحدي. وقد نقل حديثًا دار بينه وبين حافظ الأسد عام 1971، قال فيه:
«إن نظرة حافظ الأسد للأمور لم تكن نظرة رجل دولة، بل نظرة رجل أمن. كان الأسد يفتخر بأن الناس، بأكثريتها الساحقة، تؤيده كما لم تؤيد زعيمًا من قبل. واعتبر أن التأييد الشعبي الذي حظي به عند قيامه بانقلابه، أو بحركته التصحيحية ضد صلاح جديد ومجموعته، منحه شرعية مطلقة ليحكم البلاد كما يريد وبشكل فردي.
كنت أرى شخصيًا أنه كان يجب استثمار هذا التأييد لبناء مؤسسات دستورية تعيد النظام إلى الديمقراطية. وكانت حجتي الرئيسية أن الناس أيدته لا حبًا بشخصه، بل كرهًا للنظام الفردي الذي سبقه، فإذا أراد أن يكرر الصيغة ذاتها، فسيكون مصيره كمصير من سبقه».
المراجع:
الصراع على سوريا – باتريك سيل
البعث – سامي الجندي
ملفات المعارضة السورية – تمام البرازي
كلمة طارق أبو الحسن، مؤسس حزب العمال الثوري في سوريا، في حفل تأبين حمود الشوفي
مذكرات أكرم الحوراني