ستون عاما على المجزرة.. حين تم ذبح الحزب الشيوعي الإندونيسي من الوريد إلى الوريد!
2025.12.02
د. صالح ياسر
في اكتوبر 1965 وقع انقلاب عسكري أطاح بالرئيس الإندونيسي احمد سوكارنو (1901 – 1970)، وتم في هذا الانقلاب ذبح الحزب الشيوعي الإندونيسي – بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى – حيث قتل ما بين 300 ألف إلى مليون عضو من اعضاء الحزب (طبقا لإحصائيات متضاربة)، إضافة إلى مئات الآلاف من أنصاره ومؤيديه. ليس مهمة هذه الملاحظات كتابة تاريخ هذا الحزب بل تقديم عرض مكثف لتجربته في مجال التكتيكات الملموسة واستراتيجيته التي قادت إلى هذه الكارثة، بهدف استخلاص بعض الدروس المفيدة للحاضر. وسنعتمد في عرضنا المكثف هذا على وثيقة صادرة عام 1974 بعنوان: الحزب الشيوعي الإندونيسي – الاخطاء والدروس كتبها ثلاثة من قادة الحزب المذكور ونشرتها باللغة العربية"دار إبن خلدون"ضمن سلسلة"دليل المناضل"، وسنشير اليها للإختصار لاحقا"الوثيقة". وبداية لا بد من الاتفاق مع الاستنتاج الذي توصلت اليه هذه الوثيقة وهو:"وحدهم الثوريون الحقيقيون يملكون الجرأة على تصحيح الاخطاء. ويشكل النقد والنقد الذاتي أفضل وسيلة لبلوغ خط أكثر صحة. إن الأخطاء أمر سيئ، غير أن عدم فهم الأخطاء أمر أسوأ، والاشد سوءا هو الإحجام عن تصحيح خطأ بعد إدراكه"(1).
تشير"الوثيقة"، في سياق إستخلاص الدروس من التجارب القاسية التي مرّ بها الحزب الشيوعي الإندونيسي، إلى أن أحد اسباب النكسة التي حلت بنضال الشعب الإندونيسي يعود إلى الخطأ الذي ارتكبه الحزب الشيوعي الإندونيسي في تقييمه الطبيعة الطبقية لسلطة الدولة في إندونيسيا (2).
لقد حقق النضال الثوري للشعب الإندونيسي منذ عام 1949 نتائج معينة، مما أضعف طبيعة السلطة البرجوازية المعادية للديمقراطية. غير أن ذلك لم يغير تغييرا أساسيا الطبيعة الطبقية لهذه السلطة. لقد أدى التقييم المبالغ فيه لمكتسبات النضال الثوري في هذه المرحلة إلى بلورة اطروحة نظرية خاطئة فحواها أن السلطة السائدة في إندونيسيا تتألف من وجهين:"وجه معاد للشعب"و"الوجهة المؤيدة للشعب". ويكمن خطأ هذه"الأطروحة النظرية"في تعارضها مع الماركسية التي تحدد طبيعة الدولة الطبقية ووظائفها المحددة ومن بينها ان الدولة في المجتمعات الطبقية هي أداة قمع بيد الطبقة السائدة ( او الائتلاف الطبقي المهيمن) تستخدمها ضد الطبقات الاخرى. ويفهم من هذه"الأطروحة"أنه بالإمكان تحويل الدولة إلى أداة تتقاسمها الطبقات المضطهِدة (بكسر الهاء) والطبقات المضطهَدة (بفتح الهاء)، وهذه مغالطة لا تستقيم لا على صعيد النظرية ولا الممارسة.
على صعيد الممارسة قادت هذه الاطروحة النظرية الخاطئة إلى سيادة الوهم القائل أن التغيير الاساسي في سلطة الدولة، والمقصود هنا ولادة سلطة شعبية، يمكن تحقيقه سلميا عن طريق تطوير"الوجه المؤيد للشعب"، والتصفية التدريجية لـ"الوجه المعادي للشعب"(3). ماذا ترتب على هذه الاطروحة على صعيد الممارسة؟ بإختصار شديد، لقد ساهم هذا الوهم النظري في تجريد البروليتاريا الإندونيسية من استقلالها الضروري في الجبهة المتحدة مع البرجوازية الوطنية، وأدى ذلك إلى تذويب مصالح البروليتاريا ضمن موقع ذيلي للبرجوازية الوطنية. هذا هو الدرس المهم الاول.
ومن جهة أخرى فقد استعار الحزب الشيوعي الإندونيسي وبشكل خاطئ ما توصل اليه المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفيتي من استنتاج يقول بتوفر الإمكانية الفعلية لبعض البلدان للوصول إلى الاشتراكية عبر طريق سلمي. ولهذا فقد أمن الحزب بإمكانية تحقيق الاشتراكية في إندونيسيا عبر الوسائل السلمية، وثبت ذلك في دستوره، وأهمل أشكال النضال الأخرى وتحضير الحزب لأي انعطافة في الوضع السياسي. ولهذا يمكن فهم عدم قدرة الحزب للتكيف مع الوضع الجديد الذي نشأ عشية انقلاب الجنرال سوهارتو في اكتوبر 1965 وعدم استعداده للنضال المسلح عندما وقع الانقلاب وحلت الأزمة. وبتركيزه على البرنامج"الشرعي"أو شكل النضال"الديمقراطي البرلماني"يكون الحزب الشيوعي الإندونيسي قد حصر نفسه في شكل نضالي واحد ووحيد، وتجاهل كليا تحضير الحزب لأية انعطافة سياسية قد تجبره على تغيير تكتيكاته وأشكال النضال في اللحظة الملموسة. لقد كان رهان الحزب على شكل"النضال الديمقراطي البرلماني"معروفا جيدا للقوى الرجعية، ولهذا السبب شرعت بعمل وحشي سريع وحاسم وعاصف من أجل تصفية الحزب وكوادره ومناضليه وجماهيره الواسعة. وأمام عنف القوى الرجعية وقمعها اللامحدود من جهة، وعدم استعداد الحزب لمثل هذه التطورات"المفاجئة"، فإنه لم يعد بوسعه إلا البحث عن تراجعات مأمونة، ولكن كان قد فات الوقت، وكانت الخسائر جسيمة ولا يمكن تعويضها. هذا هو الدرس المهم الثاني.
ومن جهة أخرى اتبع الحزب الشيوعي الإندونيسي"نظرية المرحلتين"في تحقيق الثورة: أي مرحلة وطنية ديمقراطية، تعقبها مرحلة اشتراكية. وترتب على هذا التحقيب إشكالية هامة تتعلق بالقوى المشكلة للتحالف في كل مرحلة. وهنا وقعت أخطاء جوهرية في تشخيص طبيعة المرحلة وتحديد القوى التي يتعين التحالف معها إنطلاقا من فهم دقيق للتناقضات الخاصة بكل مرحلة وترتيبها بشكل صحيح. بهذا الصدد يقول اديت قائد الحزب الشيوعي آنذاك حول ضرورة الجبهة المتحدة مع البرجوازية الوطنية ما يلي:"أحب أن اشدد مرة أخرى انه بالرغم من كون التحالف مع البرجوازية الوطنية ليس بأهمية التحالف مع الفلاحين، فإن نجاح واستكمال قيادة الطبقة العاملة في الثورة سيقررها نجاح التحالف بين العمال والبرجوازية الوطنية".
ماذا نتج عن هذه الممارسة على الأرض؟ في الواقع لقد أدى رهان الحزب الشيوعي الإندونيسي على اتباع سياسة التحالف بين الطبقة العاملة والبرجوازية الوطنية، إلى تقويض التحالف بين الطبقة العاملة والفلاحين. هذا مع العلم أن التجربة الملموسة تشير إلى أن قيادة"الجبهة الوطنية المتحدة"لم تكن في يوما من الأيام بيد الطبقة العاملة أو حزبها، بل كانت بيد البرجوازية الوطنية، إضافة إلى أن هذه"الجبهة"التي كان يتزعمها سوكارنو كانت تضم عناصر رجعية أخرى بما فيها الجنرالات. وتشير"الوثيقة"وهي على حق إلى استنتاج مهم هو ان هذا الخط قد"قاد…. بالفعل إلى التعاون المتعدد الطبقات تحت قيادة البرجوازية الوطنية، منزلِقا إلى مساومات على الايديولوجيا والممارسة تحت غطاء ما يسمى (المشاورات للوصول إلى التفاهم"(4). هذا هو الدرس الثالث المهم.
دعا برنامج الحزب الشيوعي الإندونيسي لجعل الحزب"حزبا جماهيريا، وحزب كادر في آن معا". ومنذ عام 1952 وحتى وقوع الانقلاب في عام 1965 تنامت عضوية الحزب بصورة مدهشة، من حوالي 10000 عضو إلى حوالي 3 ملايين عضو. من المؤكد أن التجنيد السريع من جانب الحزب الشيوعي الإندونيسي قد أرعب القوى الرجعية التي شنت حملة قمع وحشية وشاملة. ولكن هذه القوى كانت على ما يبدو ملمة بالضعف المميت للتنظيم الحزبي ومشكلاته والعلاقة بين جماهير الحزب وكوادره. فقد كانت الكوادر الفعلية للحزب بعيدة عن جمهور أعضاء الحزب. لم تثق الكوادر ثقة تامة بجمهور الأعضاء، ونزعت إلى تكوين حلقات سرية متماسكة، داخل الحزب، وبالتالي جرى ترسيخ الطبيعة البيروقراطية للحزب. وحين وقع الانقلاب لم يكن الحزب قادرا على القيام بأي عمل يساهم في تجنيب قوى الحزب مذبحة حقيقية. وبدل إصدار توجيهات للجهاز الحزبي تتضمن ما ينبغي القيام به لصد المذبحة الوحشية التي شرعت بها القوى الرجعية، هرولت القيادة العليا إلى أماكن أمنة ( علما أن البعض منهم ذهب إلى قصر الرئيس سوكارنو !)، تاركة جمهور الأعضاء في مأزق حرج. وبلغت الأوهام والتقديرات الخاطئة لدى قيادة الحزب الشيوعي الإندونيسي مداها الأبعد حين لم تصدر اية توجيهات لصد القمع العسكري الفاشي عبر الانتقال إلى تكتيك النضال المسلح، كتكنيك جديد يحتمه تطور الأحداث والقمع الوحشي الذي مارسه الانقلابيون تجاه الحزب ورفاقة ومنظماته وجماهيره، لأن"سوكارنو ما زال رئيسا"، و"ما زالت العناصر المؤيدة للشعب في الحكومة"! (5). بل والاسوأ من هذا أنه وحتى بعد شهرين من وقوع الكارثة كانت هناك أعداد كبيرة من الاعضاء العاديين لا تعرف حقيقة ما جرى حتى تم ذبحهم. وتسمح هذه التجربة بالتأكيد على أهمية وجود قيادة سياسية مناضلة، تمتلك خطا سياسيا واضحا ووعيا طبقيا سليما، ومنخرطة في العمل السياسي بين الجماهير، وتمتلك الجرأة على الانتقال المرن من تكتيك إلى آخر إنطلاقا من الطروحة اللينينية الصائبة: "التحليل الملموس للوضع الملموس"، وبالتالي إنتاج تكتيكات جديدة واعتماد تحالفات جديدة والبحث عن قوى جديدة، وعدم التمسك بنظام"الوصفات الجاهزة". هذا هو الدرس الرابع المهم.
ــــــــــــــ
الهوامش:
(1) ايديت، اديتورت، ت. سودارسو: الحزب الشيوعي الإندونيسي – الاخطاء والدروس، سلسلة دليل المناضل، دار ابن خلدون، بيروت 1974، ص 41. وسنشير اليها لاحقاً بـ"الوثيقة".
(2) "الوثيقة"، ص 15
(3) "الوثيقة"، ص 16.
(4) "الوثيقة"، ص 33.
(5) "الوثيقة"، ص 41.