كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

16/11/1937 ذكرى ولادة الحزب القومي السوري اللاجتماعي

علاء الدين تلجبيني

"في مثل هذا اليوم تماماً، هذا اليوم تاريخي في حياة الأمة، منذ سنتين تماماً، أُعلن للعالم أنّ الأمة السورية قد ابتدأت تاريخها"، مثبتاً أنّ يوم انكشاف الحزب السوري القومي الاجتماعي (من قبل السلطات اللبنانية) هو يوم إعلان تأسيسه في السادس عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني سنة خمس وثلاثين وتسعمئة وألف).
مقالة نشرتها جريدة النهضة (العدد 29 – 16/11/1937) أعلن فيها للمرة الأولى عن تأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي.
انطلاقا من أفكار الجغرافي الفرنسي اليزيه ريليكس في كتابه "الجغرافية العالمية الجديدة" الذي وضع فيه مايميز بين السوريين والعرب، وانطلاقا من كتابات المبشر البلجيكي هنري لامنس في كتابه "سوريا نبذة تاريخية" وتلميذه جاك تابت، بداية القرن العشرين، متأثّرَين بمَنْ سبقهما، وماساقاه عن تميز الأمة السورية غير العربيّة، والحاضرة منذ زمن الفينيقيّين، وأنها أمة تشكّلت داخل الحدود الجغرافيّة الطبيعيّة لسورية. لمعت في ذهن شاب ينحدر من بلدة ضهور الشوير في لبنان ونشأ بين المنطقة والمهجر يدعى انطون سعادة (1904 - 1949) فكرة ((العقيدة القومية السورية)).
أنطون سعادة هو ابن عائلة مهاجرة أقامت في البرازيل درس اللغات وقرأ التاريخ والسياسة وعلم الاجتماع والفلسفة، أمن بالأمة السورية، وكتب عن استقلال سوريا وخطر سايكس بيكو وخطورة المشروع الصهيوني على الأمة السورية. منذ 1925 حاول سعادة أن ينشأ مع بعض رفاقه في المهجر تجمعا يحيي فيه العقيدة القومية السورية، ولكن لم يكتب لمشروعه النجاح الا حتى عام 1930 حين انتقل لتدريس اللغة الالمانية في الجامعة الاميركية في بيروت ما أتاح له المناخ الملائم لنشر العقيدة القومية الاجتماعية بين طلابه والمحيط، ومن هنا تأسس الحزب الذي لاقى قبولا لدى المتعلمين وعامة الناس في سوريا على عكس مواقف الكثيرين في لبنان، وعلى الرغم من ذلك استطاعت الافكار العلمانية للحزب جذب المثقفين من الأرثوذكس والبروتستانت وبعض الشيعة والدروز والعائلات السنية البيروتية التي اعتادت على الاختلاط مع الأرثوذكسيين، وأعجبت بشخصية سعادة الشاب الذي أقام في حي رأس بيروت.
لم يكن سعادة منغلقا بل كان يطور عقيدته استنادا إلى أبحاثه، حيث تغير مفهوم جغرافية الأمة.
أما في سوريا فقد لاقى الحزب في الفترة من 1936 وحتى 1955، انتشارا واسعا في جبال العلويين بفضل نشاط أفراده المتعلمين الذين وصلوا إل وظائف في الإدارة الانتدابية وفي مكتب حصر التبغ والتنباك في اللاذقية. فكان موظفو الريجي من القوميين السوريين يزورون قرى الجبال بحكم عملهم ويقيمون العلاقات مع العائلات التي كان يتحفظ كبارها من أفكار زعيم الحزب اللبناني المسيحي الغربي التعليم كما لاقى الحزب انتشارا بين المسيحيين الارثوزوكس والدروز في سوريا. إلّا أن العداء للعروبة والشيوعية قلل من شعبيته ومساحة انتشاره، فكان خصمه الأكبر خالد بكداش زعيم الحزب الشيوعي» وذلك قبل صعود «حزب البعث». ورغم ذلك، ترك حزب سعادة أثرا كبيرا في كل الأحزاب التي ظهرت بعد تأسيسه الثاني عام 1936 فكانت تقلده في التنظيم والإدارة، وفي اللغة العقائدية ومفرداتها. ولعب دورا هاما في الحياة السياسية في سورية وفي صفوف قواتها المسلحة حتى العام 1955.
تقوم عقيدة سعادة على أن "سورية للسوريين، والسوريون أمة واحدة.. مصلحة سورية فوق كل مصلحة.. الأمة السورية مجتمع واحد.. فصل الدين عن الدولة.. إلغاء الإقطاع". ووضع دستور الحزب في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 1937 المتضمن «بعث نهضة سورية قومية اجتماعية تكفل تحقيق مبادئه وتعيد إلى الأمة السورية حيويتها وقوتها، وتنظيم حركة تؤدي إلى استقلال الأمة السورية... ويرفع مستوى حياتها والسعي لإنشاء جبهة عربية).. والوطن السوري هو البيئة الطبيعية التي نشأت فها الأمة السورية.
فسوريا في مفهوم الحزب هي بلاد الشام التي تضمنت الأراضي الواقعة بين سفوح جبال طوروس شمالا وسيناء جنوبا وبادية الشام شرقا شاملة لبنان وفلسطين وشرق الأردن وقبرص وأن هذه البلدان الأربعة سلخت عن سورية الأم.
في لبنان التي كان يقيم فيها سعادة لوحق اعضاء الحزب بتهمة إنشاء جماعاتٍ سرية والإخلال بالأمن العام والإضرار بتشكيل الدولة. قبض على سعادة وحُوكم نتيجةً لذلك اكثر من مرة. كما أدت افكار الحزب وخطرها على الكيان اللبناني الوليد الى اشتعال صدامات دامية بين انصار الحزب وأنصار حزب الكتائب اللبنانية مدعومين من السلطات ما أدى الى الاستيلاء على مكاتب الحزب ووثائق ادعت السلطات انها الحزب كان يهدف للاستيلاء على السلطة بدعم من الصهيونية!
استطاع سعادة عبور الحدود الى سوريا بعد اتهامه بالتورط بمحاولة انقلابية في 4 تموز 1949، فاستقبله حسني الزعيم ورحب به، ومالبث ان غدر به الزعيم فسلمه للسلطات اللبنانية التي حكمت بإعدامه سريعا خلال 24 ساعة دون ان يسمح له بالدفاع عن نفسه، وتم حل الحزب في لبنان ولوحق اعضاءه. ترك تصرف الزعيم تجاه أنطون سعادة انطباعا سيئا لدى الرأي العلم، وأدى فيما بعد الى فتح باب الانتقام من حسني الزعيم.
انتقلت قيادة الحزب بعد وفاة سعادة الى رفيقه جورج عبد المسيح، والذي اتهم بالتدبير لاغتيال عدنان المالكي الذي شكل اغتياله نقطة فارقة في حياة الحزب أدت الى انهاء الحزب من الحياة السياسية في سوريا وملاحقة أفراده وإغلاق مكاتبه في سوريا.
برز الحزب في الحرب الأهلية اللبنانية عبر العمل الفدائي، وكان اغتيال الرئيس اللبناني بشير الجميل بقرار حزبي على يد حبيب الشرتوني نقطة تحول في الحرب الأهلية اللبنانية.
عاد الحزب الى نشاطه في سورية في نهاية التسعينات، وانضم الى الجبهة الوطنية التقدمية كعضو مراقب، وله أعضاء في البرلمان والحكومة للحزب فروع في بلاد الشام والمهجر وفي العراق.
في 2019 أصدرت محكمة الاستئناف المدنية الأولى بدمشق، قرارا بحل الحزب السوري القومي الاجتماعي ـ الأمانة العامة، القرار صدر بصفة المبرم والنهائي، وغير قابل للاستئناف.
وكان هناك حزبان في سوريا يحملان اسم “الحزب السوري القومي الاجتماعي واحد الحزب القومي السوري المركزى وهو ممثل في الجبهة الوطنية التقدمية، الثاني الحزب القومي السوري الأمانة العامة، وسادت خلافات خلال السنوات الماضية بين الفرعين على أحقية الترخيص، وبناءً على الحكم القضائي، تم اغلاق “الأمانة العامة”.
كانت تجربة الحزب في سوريا صاخبة جدا عبر مختلف مراحلها حيث خاض الحزب انتخابات 1947 وانتخابات 1954، وحاز في كلاهما نائبا في البرلمان، كان الحزب المقرب من الرئيس الشيشكلي والذي جنّبه الحل بعد حل جميع الأحزاب
ارتبط اسم الحزب باغتيال عدنان المالكي. كما حاول بعض المقربين من بشار الاسد توريط الحزب في النزاع الدائر في سوريا، كذلك استغلاله من أجل خلق نفوذ موازي لسلطة دمشق في الساحل السوري، في النهاية يبقى حزبا سوريا ترك بصمته ووبقوة في الحياة السياسية في سوريا.
المصادر:
-سعاده وهشام شرابي لجان داية
-صفحات من تاريخ الاحزاب السياسية في سوريا ل عبد الله حنا
-دراسة في تاريخ سوريا لأمل بشور
-تاريخ سوريا المعاصر لكمال ديب
-مِن الولادة إلى الشّهادة مقالة على موقع الحزب
-مقتطف الصحيفة في المقدمة نقلا عن مقالة في جريدة البناء