كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

غسان جديد ملحمة الغيث والفداء

سيمون خالد علي

 المقدم العلوي السوري القومي الاجتماعي غسان جديد 1918-1957 دوير بعبدة، يمثل نموذجا لفهم مرحلة الخمسينيات العاصفة في التاريخ السوري، فشخصيته مزيج من الكفاءة العسكرية الميدانية والالتزام العقائدي العميق. سيرته تقع في قلب الصراع بين الايديولوجيات العلمانية المتنافسة القومية السورية والقومية العربية والتيار الناصري التي تقاتلت جميعها للسيطرة على المؤسسة العسكرية بوصفها الاداة الحاسمة للاستيلاء على السلطة. التحق بالكلية الحربية في حمص وهي المؤسسة التي كانت المصنع الرئيسي للنخب العسكرية التي ستحكم سورية لاحقا. وفي مطلع عام 1945 أثناء ثورة الاستقلال ضد الفرنسيين كان مدير ناحية، سار على رأس مفرزة من جنوده الى حمص متسللاً معه كافة الأسلحة الموجودة في المخفر، ورفع بيديه العلم السوري فوق سارية ثكنة تلكلخ.
بحلول عام 1947 ومع تصاعد التوتر في فلسطين قام بتشكيل سرية، وزحف الى فلسطين كقائد فوج في حرب 1948 في جيش الانقاذ تحت قيادة فوزي القاوقجي. وفي معركة الزراعة التي وقعت قبل الدخول الرسمي للجيوش العربية أظهر براعة، فقد تنكر بزي سائق بسيط وقاد سيارة قائمقام بيسان ودخل بها مستعمرة الزراعة اليهودية وجمع معلومات استخباراتية دقيقة عن مواقع العدو، وبعد هجوم عنيف وسقوط عشرات الجرحى والشهداء وتناثر أسلحة وذخائر الفوج في ساحة المعركة تحت نيران العدو طلب منه القيام بعمل فدائي لاستعادة المعدات، فقاد سريته في هجوم مضاد وجمع الاسلحة والذخيرة والسيارات المتروكة، وانقذ بذلك كل معدات الفوج الاحتياطي. وفي معارك مشمار هعيمك وزرعين قاد سريته في قتال ضار، بينما كان ميشال عفلق وصلاح البيطار مؤسسا حزب البعث لاحقاً ضيفين عنده، وكانا يراقبان المعركة بالمناظير. وفي عملية وصفت بالجنونية قبل دخول الجيوش النظامية قاد جديد قوة من 120 مقاتلا تنكروا بالبسة الجنود الاردنيين واخترقوا الخطوط البريطانية واليهودية من جنين الى حيفا ونجحوا في الاستيلاء على معسكر بريطاني مليء بالذخائر. وعندما حوصرت قوة من جيش الانقاذ في مستعمرة النبي يعقوب المنيعة وكان يتمركز على بعد عدة كيلومترات في النبي صموئيل تحرك دون ان يتلقى أمراً وقام بعملية عسكرية نجحت في انقاذ القوة المحاصرة.صورة عن سجل ولادة غسان جديد
بعد حرب 1948 أصبح ملحقاً عسكرياً في مصر، وعيّن رئيسا للوفد السوري في لجنة الهدنة المشتركة، وقد استمر في هذا المنصب أربع سنوات متتالية، حيث كانت منطقة بحيرة الحولة المنزوعة السلاح أخطر نقطة اشتباك بين سورية واسرائيل في تلك الفترة، وقد لعب دوراً مزدوجاً في هذه الازمة، فقد قاد ما وصف بدفاع هجومي عندما حاول الاسرائيليون تجفيف البحيرة قامت قواته بنسف جرارات الاسرائيليين وورشهم وتساقط عمالهم وجنودهم قتلى، ثم قاد الجانب الدبلوماسي عندما نقلت القضية الى مجلس الامن قامت القيادة السورية بانتدابه مستشارا عسكريا للوفد السوري في هيئة الامم المتحدة.
كان جديد يجسد مبدا كلاوزفيتس بأن الدبلوماسية هي استمرار للحرب بوسائل أخرى والعكس صحيح، كدبلوماسي مسلح بأخطر ملفات الأمن القومي السوري منحه خبرة ونفوذا هائلين ووضعه في احتكاك مباشر مع قادة الثورة المصرية 1951-1954 مما أكسبه مكانة اقليمية ستكون لاحقاً سبباً في سقوطه.
جاءت سنة 1955 لتكون نقطة تحول كارثية ففي اعقاب اغتيال العقيد عدنان المالكي تم تسريحه من الجيش بسبب انتمائه للحزب السوري القومي الاجتماعي في حملة اجتثاث واسعة للقوميين من المؤسسة العسكرية. لكن هذا التسريح لم ينه مسيرته بل حولها من ضابط نظامي الى ثوري محترف تولى على الفور منصبا قياديا في هيكل حزبه السري عميد الدفاع وهو فعليا وزير الدفاع ورئيس الاركان للجناح العسكري للحزب.
ومن هذا الموقع لم يكن يكتفي بالتنظير بل كان يضع خططا ثورية لحزب طليعي هدفه الاستيلاء على السلطة.
بصفته عميدا للدفاع في الحزب القومي كان النظير المباشر لعبد الحميد السراج رئيس المكتب الثاني المخابرات العسكرية وللقيادة العسكرية لحزب البعث، كان كل منهما يبني جهازه العسكري والامني الخاص، وبالتالي فان الصراع الذي ادى الى مقتله لم يكن شخصياً بل كان صراعاً بين ثلاثة أحزاب القومية، البعثية، الناصرية للاستيلاء على سورية.
نشر جديد مقالات في جريدة البناء الحزبية حلل فيها العدو الأول كان تحليله الاستراتيجي لاسرائيل لافتاً، إذ رأى ان قوة اسرائيل الحقيقية تكمن في الاحتفاظ بزمام المبادرة في المجال الحربي، بالمقابل رأى ان ضعف العرب يكمن في السياسات المسالمة التي تنتهجها الدول العربية والتي ترتكز على التمسك باتفاقيات الهدنة الى حد التزمت، وخلص الى ان اسرائيل رغم تفوقها التكتيكي هي كيان هش يقع بين مجموعة من القوى تعزلها عزلاً شبه تام في منطقة ضيقة قليلة الموارد، وبالتالي يمكن هزيمتها وهو ما لخصه في عنوان "اسرائيل دولة من كرتون".
كان غسان من المناهضين لحكم أديب الشيشكلي الديكتاتوري، حيث سجن لمدة سبعة اشهر بتهمة قيادة حركة للاطاحة بأديب الشيشكلي، وبعد نجاح الانقلاب وسقوط الشيشكلي كوفئ وعيّن قائدا لمدرسة ضباط الاحتياط في حمص 1954 وهو منصب أتاح له تجنيد وتدريب الجيل الجديد من الضباط وفقا لرؤيته.
كان اغتيال العقيد عدنان المالكي نائب رئيس الاركان ذو الميول البعثية على يد رقيب من الحزب السوري القومي الاجتماعي في ابريل 1955 هو الحدث الذي قصم ظهر الحزب القومي، واتهم جديد كعميد للدفاع في كوادر الحزب بالوقوف خلف المؤامرة.
كان العقيد عدنان المالكي يرفع على المصفحات والآليات التي كانت تحت أمرته علم الثورة العربية رداً على ذلك أمر المقدم غسان جديد برفع علم الزوبعة علم الحزب القومي على الآليات والدبابات والمصفحات التي كانت تحت أمرته.
اغتيال المالكي أعطى الذريعة لاطلاق حملة شاملة أدت الى تسريح جديد ومطاردة رفاقه.
بعد تسريحه انتقل الى العمل السري الكامل في أواخر عام 1956، تم الكشف عما عرف بالمؤامرة الكبرى في 24 ديسمبر 1956 نشرت المحكمة العسكرية قرار الاتهام فيما أسمته تدبير مؤامرة مع حكومة نوري السعيد رئيس وزراء العراق تهدف الى قلب الحكم في سوريا.
كان غسان جديد ومحمد معروف من بين تسعة اشخاص اصدرت المحكمة بحقهم حكم الاعدام غيابيا، هذا الاتهام يضعه في قلب الحرب الباردة العربية لقد اصبح يمثل المحور العراقي الغربي الموالي لحلف بغداد في مواجهة المحور المصري السوفياتي الذي كان يمثله نظام دمشق المدعوم من البعث والناصريين بقيادة عبد الحميد السراج.
من هذه اللحظة لم يعد مجرد معارض سياسي، بل اصبح العدو رقم واحد للنظام وهدفا استراتيجيا يجب تصفيته، كان اغتياله ضروريا لتأمين هيمنة المحور المصري الناصري، وهو ما مهد الطريق مباشرة لاعلان الوحدة السورية المصرية عام 1958.
في يوم الثلاثاء 19 فبراير 1957 وبينما كان غسان جديد يتجه بسيارته في شارع السادات في بيروت حيث كان لاجئا سياسيا تعرض لاطلاق نار/ من قبل عميل للمكتب الثاني السوري يدعى سامي مصطفى شعت، مما أدى الى مقتله على الفور.
لجأ القاتل الى بناية قريبة، عزيز ديوب المرافق الخاص لجديد خطف مسدسا وبسرعة اقتحم البناية التي لجأ إليها المجرم، وأطلق عليه النار فأرداه قتيلا.
اعتقلت السلطات اللبنانية عزيز ديوب، لكن اطلق سراحه بعد ستة أشهر بحجة انه أطلق النار على جثة هامدة، في تسوية قانونية سياسية واضحة.
يحمل غسان جديد ارثا مزدوجا ومتناقضا في ذاكرة الحزب السوري القومي الاجتماعي، هو الرفيق الشهيد البطل الميداني لفلسطين الذي تعرض لخيانة رفاق السلاح في دمشق، وفي السردية الرسمية السورية البعثية الناصرية لتلك الفترة هو المتآمر الذي تحالف مع قوى أجنبية نوري السعيد لقلب نظام الحكم الوطني.
لكن المفارقة المأساوية الأعمق تكمن ان بطل حرب فلسطين يقتل على يد فلسطيني "سامي شعت" يعمل لصالح المخابرات السورية بذريعة العمالة لاسرائيل!
ان ارثه لا يتوقف عند عام 1957، فالمصادر تشير عن المؤرخ باتريك سيل ان صلاح جديد كان في الأصل عضوا في الحزب السوري القومي الاجتماعي قبل ان ينتقل الى حزب البعث، كان غسان جديد الأخ الأكبر يمثل الجيل الأول من الضباط الايديولوجيين القوميين السوريين، أدى فشله في الاستيلاء على السلطة ومقتله عام 1957 الى فراغ سياسي عسكري. شقيقه الأصغر صلاح جديد الذي تعلم من تجربة غسان الدموية نجح حيث فشل أخوه لقد استخدم حزبا مختلفا "البعث" ومنهجية اكثر قسوة اللجنة العسكرية السرية.
ان مأساة غسان جديد ليست مجرد نهاية لحياته، بل هي الفصل الاول في قصة آل جديد والجيش السوري، وهي تمثل انتقال السلطة الايديولوجية من الجيل المؤسس للحزب القومي غسان، الى الجيل الأكثر براغماتية لحزب البعث، صلاح الذي سيحكم سورية في النهاية.
الصورتان حصريتان وغير منشورتين سابقا
المراجع:
جهاد جديد. غسان جديد: ملحمة الغيث والفداء. مخطوطة غير منشورة، 2025.
جان داية. غسان جديد والمسألة الفلسطينية. دار سوراقيا، شباط 1990.
الحزب السوري القومي الاجتماعي. كراس "البطل غسان جديد". منفذية الطلبة،
غسان جديد. مقالات منشورة في جريدة البناء الدمشقية. مجموعة أعداد خلال عامي 1954–1955.
"الرفيق الشهيد غسان جديد 1920–1957". موقع ssnp.info، 19 شباط 2010.
"غسان جديد". التاريخ السوري المعاصر (https://l.facebook.com/l.php?u=http%3A%2F%2Fsaadeh.co%2F%3Ffbclid%3DIwZXh0bgNhZW0CMTAAYnJpZBExUFp6cFZRU1gxMTlvb2xsN3NydGMGYXBwX2lkEDIyMjAzOTE3ODgyMDA4OTIAAR7SEQ41S3PlLp2EcZ3YCQ0CXLHB7PLaVxMrgO1sVIfLaJF7FLfKilHUdRvewg_aem_cex_zOtMXn6vkPHjZnzC3A&h=AT3u2PwNNWBoDD_n144_jTuJX3dRwJjc4F37d0OKFDE6a176WnIa2xPh84RA4h-g8Mw840_tYXwRQ69gkcVwzeW2fPV4_Dwu6EZvlp4I061I-Rkor7FOSCECRBC3U_OArWdwNNOo7hZjNze7&__tn__=-UK-y-R&c[0https://l.facebook.com/l.php?u=http%3A%2F%2Falazmenah.com%2F%3Ffbclid%3DIwZXh0bgNhZW0CMTAAYnJpZBExUFp6cFZRU1gxMTlvb2xsN3NydGMGYXBwX2lkEDIyMjAzOTE3ODgyMDA4OTIAAR7jjyID0MAmaVKogkdT-nDZfR_t0DbHSyhb59F118p8pJxjz89qE6sIQkkN6A_aem_7XB045QDfri5CYxga1rDJg&h=AT0oR88CCSjPbbsx6tonQA_OT4W_e6AfOj0YnwGiAsPBqoo766aSBLnsc3YTPl36pBK6V_mjrjeFfTOImDtfq46LiVCOuoGUKDtIqAdJWzUuVB2oMGX17jlUddA_z_0DdrSrvV526kSpsL0Z&__tn__=-UK-y-R&c[0]=AT2c4wn5WKNuBLF5GlGwo6hJ0w_zOxoQgWu8Q_--aHlR0xcSYoSuBHHP-hLjiuivBE4O71zPYIBIG81y4Z5MO3W0VsWcUllVHTHQ18uloVSGJ3v4Uoaq-y_9m1m1IqAuxQUOuHXzlQ_8smXo-0mjkXMg78_KafXIo4nklF9yUNqxx_cxZF52pyuRQEP6laTMEgdwH84pJ4E7Bqg1iA3841trv8aMJ4Ykt97dp4fF2Xw4PvqIEU0ZoqkEJxqMVMg" target="_blank" rel="nofollow noopener noreferrer" class="x1i10hfl xjbqb8w x1ejq31n x18oe1m7 x1sy0etr xstzfhl x972fbf x10w94by x1qhh985 x14e42zd x9f619 x1ypdohk xt0psk2 x3ct3a4 xdj266r x14z9mp xat24cr x1lziwak xexx8yu xyri2b x18d9i69 x1c1uobl x16tdsg8 x1hl2dhg xggy1nq x1a2a7pz xkrqix3 x1sur9pj x1fey0fg x1s688f" style="color: rgb(0, 100, 209); cursor: pointer; text-decoration-line: none; text-align: inherit; font-weight: 600; list-style-type: none; box-sizing: border-box; background-color: transparent; display: inline; outline: none; -webkit-tap-highlight-color: transparent; touch-action: manipulation; border-inline-width: 0px; margin-inline: 0px; border-inline-style: none; padding-inline: 0px; padding-bottom: 0px; border-top-style: none; border-bottom-width: 0px; border-bottom-style: none; border-top-width: 0px; margin-bottom: 0px; margin-top: 0px; padding-top: 0px; font-family: inherit; animation-name: none !important; transition-property: none !important;" tabindex="0" role="link">alazmenah.com)، 23 أذار 2013.