كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

وثيقة تاريخية تنشر للمرة الاولى من عهد أديب الشيشكلي

سعد فنصة

أود ذكر هذه الشهادة التاريخية التي أنشرها للمرة الأولى عن قضية تغيُّر دفة السياسة السورية الخارجية فجأة خلال العام 1955 باتجاه المعسكر الشيوعي، وعقد صفقة السلاح التشيكي، بإيعاز من موسكو، والتي ساهمت فيما بعد بفتح سوق تصريف السلاح السوفييتي إلى سوريا ومصر في آن واحد.
كان الرئيس الشيشكلي بحسب وثائق الخارجية البريطانية، قد وقع عدة اتفاقيات مع بريطانيا لتزويد الجيش السوري باثني عشر طائرة حربية من صنع بريطاني، لكن البريطانيين تعللوا بأعذار تتعلق بعدم موافقة الشيشكلي على اتفاقية الدفاع عن الشرق الأوسط، ومَنَعت وزارة الخارجية البريطانية تنفيذ الصفقة، بسبب احتجاج إسرائيل، والطلب الأمريكي بتعويض إسرائيل عن أي نقص دفاعي ينتج عن صفقة كهذه مع أي بلد عربي. كذلك كان العرض البريطاني سبباً لتذمر فرنسا كما ورد في مراسلات الخارجيتين البريطانية والأمريكية، بأن تنفيذ التدريب على الطائرات المباعة للسوريين سيضع احتمال احتكاك فرنسي بريطاني إذا تم تدريب الطيارين السوريين في المنشآت العسكرية البريطانية.
كذلك أجرى الشيشكلي عدة صفقات لتزويد سلاح المدرعات بدبابات فرنسية، إضافة إلى أربعة عشر طائرة نفاثة تدخل لأول مرة في سلاح الجو السوري، من إنتاج المصانع الفرنسية من طراز 450MD-. وقع كذلك عدة اتفاقيات عسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية، لتدريب طيارين وفنيين من سلاح الجو السوري في القواعد العسكرية لسلاح الجو الأمريكي، ومن بين هذه الاتفاقيات العسكرية كانت صفقة أسلحة لتزويد الجيش السوري بمعدات عسكرية، هي عبارة عن أسلحة خفيفة ومتوسطة وسيارات عسكرية شاحنة وسيارات نقل جنود صغيرة.
بعد رحيل الشيشكلي بقيت الاتفاقيات العسكرية سارية، ولكن الأمريكيين أوقفوا إرسال الشحنات العسكرية، فأوفد الرئيس القوتلي الصحفي نذير فنصة سفيراً فوق العادة إلى واشنطن بمباركة وتكليف شخصي من رئيس الأركان شوكت شقير، ليتحرى قضية إيقاف شحن السلاح الأمريكي إلى سوريا. يقول لي نذير فنصة: "مكثت في واشنطن أحد عشر شهراً، اراجع وزارة الخارجية الأمريكية، التي أحالت الملف إلى إدارة البنتاغون وغرقتُ حينها في تفاصيل بغاية السخف في دوائر البيروقراطية الأمريكية، كما لحظت، أنها متعمدة في عرقلة تنفيذ هذه الاتفاقية. وفي كل مرة كنت ألتقي فيها الوزير جون فوستر دالاس والمسمى (صاحب الرأس العنيد) لإقناعه بأن كل تفاصيل الصفقة متفق عليها سابقاً، وهي لن تُخِل بالتوازن العسكري مع إسرائيل، كان يُعاد أمامي، المرة تلو الأخرى دراسة حجم ونوعية الأسلحة والعتاد العسكري وتعداده". "إلى أن حدد لي البيت الأبيض موعداً مع الرئيس الأمريكي دوايت ايزنهاور ليبلغني رسمياً القرار النهائي، في شأن تزويد وزارة الدفاع الأمريكية بالأسلحة الموعودة".
وما قاله لي الرئيس الأمريكي: "إننا مستعدون لتزويد سوريا بما تحتاجه من سلاح، بالمقابل فإن رسالتنا إلى الرئيس القوتلي هي أن يعمد إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل، لإيجاد حل نهائي للصراع العربي الإسرائيلي". أجبت الرئيس الأمريكي: "سيدي الرئيس ليس من مهامي الخوض في قضايا سياسية، سأبلغ رسالتك إلى الرئيس القوتلي، ولكنني هنا من أجل الإفراج عن صفقة السلاح التي سبق أن تم الاتفاق عليها خلال حكم الرئيس أديب الشيشكلي، ولست أرى مبرراً موضوعياً لإيقاف شحنها إلى بلادي".
وقف الرئيس منهياً المقابلة قائلاً: "أبلغ إذن الرئيس القوتلي رسالتي بالجلوس على طاولة المفاوضات مع الإسرائيليين".
وفي الوقت نفسه كان الرئيس شكري القوتلي ورئيس أركانه قد بدآ بإجراء الاتصالات مع موسكو لتحريك صفقة السلاح التشيكي، التي تثبت وثائق الخارجية الأمريكية انها كانت قد تمت أيضاً في عهد أديب الشيشكلي وعندما علمت الدوائر الأمريكية، بإجراءات تنفيذ الصفقة، وافقت أخيراً على تزويد سوريا باحتياجاتها العسكرية. وسعى السفير الأمريكي بدمشق موس لإبلاغ قيادة الأركان السورية في الساعات الأخيرة، قبيل توقيع الرئيس القوتلي على أوراق الصفقة التشيكية، إذ جرت عدة لقاءات ومفاوضات تمت في منزل نذير فنصة مع رئيس الأركان وممثلين عن وكالة الاستخبارات الأمريكيةلتدارك الموقف. ولكن (سبق السيف العذل) كما يقولون، مما كان له منعكسات خطيرة قادمة على سير الأحداث في سوريا، مع تغول الضباط البعثيين والشيوعيين، وتغيير الدفة باتجاه الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، حين رفض أرباب الحكم الجديد العرض الأمريكي في ساعاته الأخيرة..
وهو ما حصل فعلاً خلال الأشهر القادمة من العام 1956 مع زيارة الرئيس القوتلي إلى موسكو في شهر تشرين الأول \ اكتوبر من العام 1956، وفتح بوابة الشرق الأوسط أمام النفوذ السوفييتي الذي استمر خلال العقود اللاحقة.
(صفحة من المذكرات السرية لنذير فنصة نشرت لأًول مرة في كتاب "الحقيقة المغيبة" عن عهد اديب الشيشكلي من تأليف بسام برازي وسعد فنصة )
اصدار دار رياض الريس في بيروت 2022.