كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

جماعة الإخوان المسلمين والوثائق الثلاث

مروان حبش
قراءة مقارنة تفصيلية بين وثيقة "العيش المشترك 2025" لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا، وبين وثيقتين سابقتين تمثلان محطات أساسية في تطور فكر الجماعة السياسي الحديث:
أصدرت الجماعة على مدى أعوام:
1-المشروع السياسي لسوريا المستقبل – 2004
2-ميثاق الشرف الوطني – 2012
3-وثيقة العيش المشترك – 2025
إن المقارنة على مراحل زمنية وتحليلية توضح تحول الخطاب الإخواني من الإسلامي الدعوي إلى المدني الديمقراطي.
أولاً: المشروع السياسي لسوريا المستقبل عام 2004
صدرت الوثيقة في فترة المنفى، من قيادة الإخوان في لندن، في عهد المراقب العام علي صدر الدين البيانوني. كانت سوريا آنذاك تحت حكم بشار الأسد في سنواته الأولى، وفيها انغلاق سياسي كامل. جاءت الوثيقة بعد عقدين من القطيعة التامة بين الجماعة والنظام، منذ أحداث الثمانينات.
- المرتكزات الفكرية، يطرح "المشروع السياسي" تصوراً لدولة مدنية بمرجعية إسلامية، لكنه يؤكد أن الشريعة ستكون "المصدر الرئيس للتشريع". ويؤمن بـالتعددية السياسية، والتداول السلمي للسلطة، لكنه يصوغها ضمن إطار الشورى الإسلامية، لا الديمقراطية البرلمانية. كما يميز بين المواطن المسلم وغير المسلم في بعض حقوق المواطنة المتساوية (كمنصب رئاسة الدولة). ويركز على هوية الأمة الإسلامية أكثر من الهوية الوطنية السورية.
- الخطاب السياسي، تسعى الوثيقة للتوفيق بين الإسلام السياسي الكلاسيكي ومفاهيم الدولة الحديثة، لكنها تظل في جوهرها دعوية – إصلاحية أكثر منها مدنية – وطنية.
ثانياً- ميثاق الشرف الوطني عام 2012
صدر الميثاق بعد اندلاع الانتفاضة السورية عام 2011، حين شاركت الجماعة ضمن المجلس الوطني السوريكانت لحظة انتقالية، تحاول فيها الجماعة أن تبرّئ نفسها من أي خطاب طائفي وتقدّم نفسها كـجزء من الثورة المدنية.
يعلن الميثاق التزام الجماعة بـالدولة المدنية الحديثة، ويؤكد على حقوق المواطنة المتساوية. ويتحدث عن الشعب مصدر السلطات، وهي صيغة غير مألوفة في الأدبيات الإسلامية السابقة. كما يعترف صراحة بحقوق الأقليات الدينية والقومية، ويطالب بدستور يقرّ فصل السلطات. ويشدد على وحدة الأراضي السورية ورفض التقسيم.
هذه الوثيقة تمثّل تحولاً أولياً نحو خطاب مدني وطني، لكنها ما زالت تحتفظ بمرجعية إسلامية ضمنية. إذ كانت الجماعة في هذا الوقت أقرب إلى التحالفات السياسية من الانعزال الدعوي. حيث يظهر فيها تأثر واضح بـتجربة الإخوان في مصر، خاصة بعد صعود محمد مرسي لاحقاً.
ثالثاً- وثيقة العيش المشترك 2025
بعد تراجع دور المعارضة المسلحة، وتبدل موازين القوى الداخلية، فقدت الجماعة نفوذها التنظيمي داخل سوريا، وتحاول إعادة تعريف نفسها كقوة فكرية ومجتمعية. ولم يعد الخطاب يستهدف إسقاط النظام بل تأسيس قواعد للتعايش الوطني.
إن المرتكزات الفكرية الجديدة في الوثيقة، هي الانتقال الكامل من مصطلح "الشريعة الإسلامية" إلى مصطلحات مثل "سيادة القانون" و"الدستور" و"العدالة". ولا ذكر فيها لمفهوم "الأمة الإسلامية" أو "الحاكم المسلم" أو "الخلافة". وهي تعتمد على مرجعية مدنية دولية، وتستحضر "صحيفة المدينة" كمثال على العقد الاجتماعي، لا كنموذج حكم إسلامي.
تتمثل القيم السياسية في الوثيقة، بأن الدولة ديمقراطية تعددية وليست مجرد "مدنية بمرجعية إسلامية". وبالتأكيد على حرية الاعتقاد وتمكين المرأة والشباب، وهي قيم تتجاوز السقف التقليدي للإخوان. وتؤكد على فصل الجيش عن السياسة، وهي خطوة نادرة في أدبياتهم. كما تركز على السلم الأهلي والمواطنة بدل الدعوة الدينية.
دلالات هذا التحول، نضج سياسي أم تكيّف اضطراري؟ إذ يبدو أن الجماعة تحاول التكيّف مع انهيار نماذج الإسلام السياسي في المنطقة بعد 2013، أكثر من أن تكون قد تبنّت تحولاً فكرياً أصيلاً. خطاب بلا قاعدة تنظيمية: في 2004 و2012 كانت الجماعة تمتلك هياكل فعلية في الخارج والداخل. بينما تصدر الثيقة في هذا الوقت في غياب فعلي لأي نفوذ ميداني، مما يجعلها أقرب إلى بيان هوية رمزية. وهي رسالة طمأنة شاملةا، موجّهة إلى أطراف متعددة مثل المجتمع الدولي، الأقليات، النخب المدنية، وحتى النظام نفسه، لتقول إن الإخوان ليسوا خطراً، بل شركاء محتملون في بناء دولة ديمقراطية.
وواضحٌ تراجع البعد الأيديولوجي لصالح البراغماتية، فالجماعة تتخلى تدريجياً عن دور "الطليعة الإسلامية" وتتحول إلى "مكوّن وطني" يسعى للبقاء ضمن أي معادلة سياسية مقبلة.
يمكن القول إن مسار وثائق الإخوان السوريين من 2004 إلى 2025 يُلخَّص في ثلاث مراحل فكرية:
من الدعوة إلى السياسة 2004 وخطاب إصلاحي إسلامي.
من السياسة إلى الوطنية 2012 وخطاب ثوري ووطني متأثر بالربيع العربي.
من الوطنية إلى المصالحة 2025 وخطاب تصالحي مدني يهدف إلى البقاء والتكيّف.
بهذا، تكون «وثيقة العيش المشترك» آخر حلقة في عملية علمنة تدريجية للخطاب الإخواني السوري، لابمعنى التخلي عن الإسلام، بل بتحويله إلى مرجعية أخلاقية عامة لا تشريعية أو سلطوية.
1-المشروع السياسي، هويته المرجعية إسلامية- دعوية. ومصدر التشريع هي الشريعة الإسلامية. ونظام الحكم مدني بمرجعية تمرجعية إسلامية. وموقفها من الأقليات هو احترامهم ضمن الهوية الإسلامية. ولم يذكر بوضوح الموقف من الجيش والسياسة. أما المرأة فدورها تكميلي. والهدف السياسي هو المشاركة في الحكم. وتبقى اللغة الخطالية وعظبة- دينية.
2-ميثاق الشرف، هويته المرجعية إسلامية منفتحة. ومصدره التشريعي هي القيم الإسلامية العامة. أما نظام الحكم فهو مدني ديمقراطي. وموقفه من الأقليات بالمساواة في المواطنة. أما الجيش والسياسة فيخضع للسلطة المدنية. وتمكين نسبي للمرأة. والهدف السياسي هو إسقاط نظام الحكم. وينتهي بلغة سياسية ثورية- وطنية.

3-مشروع العيش المشترك، هويته المرجعية مدنية وطنية. ومصدر التشريع يتمثل في سيادة القانون والدستور. ونظام الحكم ديمقراطي تعددي. والمساواة الكاملة لكل مكونات الشعب، وحرية الاعتقاد. وفصل تام ورقابة برلمانية على الجيش والسياسة. كما تؤكد الوثيقة على التمكين الكامل ومناهضة التهميش للمرأة. والهدف السياسي هو بناء التعايش الوطني. واللغة الخطابية للوثيقة هي تصالحية- حقوقية.