كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

المجازر العثمانية في سورية الطبيعية والأناضول

نبيلة غصن

 هذا هو تاريخهم الحقيقي الموثّق مهما حاولوا أن يزوّروا
المجازر العثمانية في سورية الطبيعية والأناضول
من إبادة الشعوب إلى بيع فلسطين: قرن من الدم والخيانة (1516–1918)
منذ أن وطئت جيوش العثمانيين أرض سورية الطبيعية عام 1516 بعد معركة مرج دابق، بدأت مرحلة قاسية من التاريخ، عنوانها القمع والتتريك والتدمير الممنهج لهويّة الشعوب.
لم يكن العثمانيون فاتحين كما روّجت دعاياتهم، بل قوّة استعمارية طمست خصوصيات المنطقة، وارتكبت سلسلة من المجازر المروّعة ضد العرب والأرمن والسريان والدروز والروم والأيزيديين والأكراد والشيعة، وصولًا إلى التفريط بفلسطين وبيع أراضيها للحركة الصهيونية.
أولًا: مجازر العرب في سورية الطبيعية
مارس العثمانيون بحق السوريين سياسة قتل وتجويع وإرهاب ديني وقومي.
منذ حملات السلطان سليم الأول على حلب ودمشق، إلى مجازر جمال باشا السفّاح في بيروت ودمشق عام 1916، راح عشرات الآلاف من المثقفين والعلماء والوطنيين ضحية المشانق والسجون والنفي.
كما استُخدمت سياسة التجويع خلال الحرب العالمية الأولى في جبل لبنان وسورية الداخلية، ما أدى إلى وفاة أكثر من 200,000 إنسان بسبب الحصار ومصادرة المحاصيل.
1516–1521: المجزرة ضد شيعة حلب وانطاكية وتفكيك شمال سورية
بعد معركة مرج دابق، أمر السلطان سليم الأول بحملة تطهير ضد شيعة حلب وانطاكية، متّهمًا إياهم بالولاء للصفويين. قُتل نحو 40,000 إلى 70,000 شخص من سكان المدينة وضواحيها، خصوصًا في الأحياء الجنوبية والشرقية.
 ودُفنوا في مقابر جماعية عند جبل الإنصاري (جبل العظام).
هرب الناجون إلى جبال الساحل السوري.
كانت هذه المجزرة أولى حلقات “التطهير المذهبي المنهجي” في تاريخ السلطنة داخل سورية الطبيعية.
ثانيًا: مجازر الأرمن (1894–1916)
بدأت الإبادة الأرمنية على يد السلطان عبد الحميد الثاني بين 1894 و1896، وتوّجها “الاتحاد والترقي” بالمجزرة الكبرى عام 1915–1916:
أكثر من 1.5 مليون أرمني قُتلوا أو ماتوا جوعًا وعطشًا في الصحراء السورية.
نُهبت القرى، واغتُصبت النساء، وسُبيت آلاف العائلات.
كثير من الناجين وُزّعوا قسرًا في دير الزور والرقة وحلب، حيث مات معظمهم لاحقًا.
كانت المجازر الأرمنية أوّل جريمة إبادة جماعية حديثة في القرن العشرين.
ثالثًا: مجازر السريان والآشوريين (1915–1918) في الوقت نفسه، استهدفت القوات العثمانية بالتعاون مع ميليشيات كردية المكوّن السرياني–الآشوري في طور عابدين، أورفة، ماردين، وديار بكر.
قُتل أكثر من 250,000 سرياني وآشوري.
دُمّرت الأديرة، وأُحرقت الكنائس، وسُبيت النساء.
أُجبر عشرات الآلاف على الإسلام قسرًا أو التهجير نحو العراق والشام.
سُميّت هذه المأساة في الذاكرة السريانية بـ السيفو (أي السيف)، نسبة إلى السلاح المستخدم في ذبح الأبرياء.
رابعًا: مجازر الإيزيديين في جبل سنجار
تكرّر استهداف الإيزيديين منذ القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر، إذ شنّت السلطنة أكثر من 70 حملة عسكرية على جبل سنجار وشيخان ولالش:
في عام 1832، ارتكب بدري باشا العثماني مجزرة بحق الإيزيديين قُتل فيها نحو 10,000 شخص، وخُطفت آلاف النساء.
في 1892، قاد عمر وهبي باشا حملة جديدة ضد سنجار وشيخان بدعم ديني من المشايخ الرسميين، أُحرقت خلالها القرى وسُلبت الممتلكات.
كانت هذه الحملات تهدف إلى “أسلمة” الإيزيديين بالقوة ومحو معتقدهم، ما جعلهم من أكثر الجماعات اضطهادًا في تاريخ المنطقة.
خامسًا: مجزرة الدروز في أنطاكية (1852)
في منتصف القرن التاسع عشر، شنّ الوالي العثماني في أنطاكية حملة عسكرية على قرى جبل السماق وجبل بهسنا، بذريعة العصيان ورفض الضرائب.
قُتل أكثر من 2000 درزي خلال أيام قليلة.
أُحرقت القرى وصودرت الأراضي ونُفي المئات إلى الأناضول.
جرى تغيير الأسماء والسجلات العائلية قسرًا لطمس الهوية الدرزية.
هذه المجزرة كانت جزءًا من سياسة تتريك ممنهجة ضد المكوّنات السورية التي رفضت الخضوع.
سادسًا: مجازر الروم
منذ عام 1821 حتى 1922، استهدفت الدولة العثمانية الروم الأرثوذكس في الأناضول وبونتوس وإزمير وكابادوكيا:
أُعدم أكثر من 350,000 روم بين 1914 و1922.
هُجّر مئات الآلاف من منازلهم قسرًا نحو اليونان أو حلب وحمص.
أُحرقت مدينة إزمير (سميرنا) عام 1922 في واحدة من أكبر جرائم الإبادة الحديثة.
هذه المجازر التي تُعرف باسم إبادة الروم (Greek Genocide) جاءت استمرارًا لسياسة التطهير العرقي ذاتها التي طالت الأرمن والسريان.
سابعًا: مجازر العثمانيين ضد الأكراد
رغم استغلال العثمانيين بعض الزعامات الكردية في حملاتهم ضد الأرمن والسريان، فإن الأكراد أنفسهم تعرّضوا لاحقًا للاضطهاد والقمع الوحشي:
في القرن التاسع عشر، تمرد الزعيم الكردي بدرخان بك مطالبًا بالحكم الذاتي، فهاجمته الجيوش العثمانية عام 1847 وقتلت الآلاف من أتباعه.
بين 1890 و1910، أُعدم أو نُفي عشرات الزعماء الأكراد في ديار بكر وبدليس بتهمة “التمرد”.
بعد 1916، دمّرت قوات “الاتحاد والترقي” قرى كردية بأكملها بحجة التعاون مع الروس.
بلغ عدد الضحايا الكرد حتى عام 1920 نحو 100,000 شخص بين قتيل ومهجّر.
ثامنًا: من الإبادة إلى التفريط بفلسطين (1839–1917)
لم يكتفِ العثمانيون بإبادة شعوبهم، بل شاركوا في جريمة من نوع آخر: بيع أرض فلسطين للحركة الصهيونية.
سمح قانون الأراضي العثماني لعام 1858 للأجانب بتملّك الأراضي باسم “الاستثمار”، فاشترى اليهود الأوروبيون آلاف الدونمات بواسطة سماسرة عثمانيين.
رغم رفض السلطان عبد الحميد الثاني العلني لمشروع هرتزل، إلا أن الفساد الإداري والرشاوى فتحت الباب أمام الجمعيات الصهيونية لتسجيل الأراضي رسميًا.
بين 1880 و1914، انتقلت ملكية أكثر من 400,000 دونم من أيدي الفلسطينيين إلى الجمعيات اليهودية.
كما استخدم حزب الاتحاد والترقي بيع الأراضي لتمويل حروبه، فباع مساحات واسعة في مرج ابن عامر والحولة وصفد ويافا.
بهذا، انتقلت خيانة العثمانيين من قتل الإنسان إلى بيع الأرض، فمهّدوا الطريق لاحتلال بريطاني وجد في فلسطين بنية استيطانية جاهزة وشرعية قانونية عثمانية.
تاسعًا: الخريطة الزمنية لمجازر العثمانيين
الفترة. الحدث
1516–1916 احتلال سورية الطبيعية وتطبيق سياسة التتريك ومجازر الشيعة في حلب.
1821–1922 إبادة الروم واليونانيين في بونتوس وإزمير
1832–1892 حملات الإبادة ضد الإيزيديين في سنجار وشيخان
1847 مجزرة الأكراد بقيادة بدرخان بك
1852 مجزرة الدروز في أنطاكية وجبل السماق
1894–1896 المجازر الحميدية ضد الأرمن
1908–1914 بيع الأراضي الفلسطينية للحركة الصهيونية
1915–1918 الإبادة الأرمنية والسريانية الكبرى
1916 مجازر جمال باشا ضد العرب والمثقفين السوريين
1917 سقوط فلسطين وانتقالها إلى الانتداب البريطاني
: الخاتمة
إن تاريخ العثمانيين في المشرق ليس تاريخ “خلافة”، بل سجل دموي طويل من المجازر والتطهير العرقي، انتهى بخيانة الأرض الفلسطينية.
من الأرمن إلى العرب، ومن الدروز إلى الإيزيديين، ومن الروم إلى الأكراد والشيعة، مرّ على هذه المنطقة قرن من النار والدم، ترك في ذاكرة الأمة جرحًا لا يُشفى.
إن استعادة الوعي بهذه الحقائق هي دعوة للنهضة، ولتدوين التاريخ كما عاشه السوريون الحقيقيون، لا كما كتبه الجلادون.
من حلب إلى كيليكيا، ومن دياربكر إلى جبل العرب وفلسطين
ترك العثمانيون وراءهم ذاكرة من الدم والنار.
إنها ليست “صفحات من الماضي” كما يحاول البعض طيّها، بل جرح تاريخي مفتوح يفسّر تشظي المشرق اليوم، ويذكّر بأن النهضة لا تقوم إلا على الوعي والعدالة التاريخية.
إنّ مجازر العثمانيين في سورية الطبيعية، من لبنان إلى فلسطين، ليست حوادث معزولة بل سياسة ممنهجة هدفت إلى محو الشخصية الحضارية لهذه البلاد وإخضاعها للهيمنة التركية باسم الدين.
لقد سالت الدماء في بيروت ودمشق وحلب وسنجار وماردين والجليل، وسُلبت الأراضي تحت أعين “الولاة المؤمنين”، وسُفكت أرواح الجائعين في زمن الخلافة.
إنّ إحياء الذاكرة التاريخية لهذه الجرائم ليس حقدًا، بل وعيًا دفاعيًا في وجه كل محاولة جديدة لتكرار الماضي بثوبٍ معاصر.
 المراجع والمصادر
1. خير الدين الزركلي، الأعلام.
2. نعمان قساطلي، الروضة الغناء في دمشق الفيحاء.
3. يوسف الحكيم، سورية والعهد العثماني.
4. سلمان فهد، شهادات جبل السماق (أرشيف روايات محلية).
5. أحمد بن يحيى، تاريخ أنطاكية وسكانها في العهد العثماني.
6. British Blue Book (1919): Acquisition of Land by Jews in Palestine under Ottoman Rule.
7. Theodor Herzl, The Complete Diaries (1896–1903).
8. Walid Khalidi, Before Their Diaspora (1984).
9. Charles Issawi, The Economic History of the Middle East (1982).
10. IFPO – Études sur les minorités du Levant (2021).
11. Taner Akçam, A Shameful Act: The Armenian Genocide and the Question of Turkish Responsibility (2006).
12. Raymond Kévorkian, The Armenian Genocide: A Complete History (2011).
13. David Gaunt, Massacres, Resistance, Protectors: Muslim–Christian Relations in Eastern Anatolia during World War I (2006).
14. British National Archives, FO 424/180, Reports on Syrian and Anatolian Atrocities (1915–1918).
15. Y. Sarafian, The Greek Genocide: Testimonies and Documents (2007).
16. N. Omarkhali, The Yazidis in the Ottoman Empire: Persecution and Resistance (2016).
17. محمد كرد علي – خطط الشام (دار الفكر، دمشق).
18. نعمان قساطلي – الروضة الغناء في دمشق الفيحاء.
19. يوسيف نعمة – تاريخ العلويين من الجذور إلى القرن العشرين (بيروت، 1999).
20. Halil İnalcık – The Ottoman Empire: The Classical Age, 1300–1600 (London, 1973).
21. André Raymond – La Syrie ottomane au XVIe siècle.
22. فوزي القاوقجي – مذكرات القائد العربي (بيروت، 1956).
23. الوثائق البريطانية – British Blue Book on the Treatment of Armenians in the Ottoman Empire (1916).
24. وثائق جمعية المؤرخين الحلبيين – أرشيف تاريخ حلب في العهد العثماني (2012).
25. وثائق الأمم المتحدة عن الإبادة الجماعية (قرار 96/1946).