كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ما تشهده سورية حاليًّا كنّا قد توقّعناه حرفيًّا عام 2012

ما تشهده سورية حاليًّا كنّا قد توقّعناه حرفيًّا عام 2012، ونشرناه في صحيفة “كلّنا شركاء” الإلكترونيّة، ضمن دراسة بعنوان: “الثورة السوريّة والتدخّلات الخارجيّة وموقف اليسار الديمقراطي.”

إنّ نظرةً سريعة على جغرافية الحراك الشعبي الذي انفجر في سورية منتصف آذار 2011 وما يزال مستمرًّا حتى الآن، تكشف أنّ مادته الأساسية هي جيل من مئات آلاف الشباب؛ أبناء الأحياء الشعبية في المدن وضواحيها، ولا سيما الضواحي العشوائية، وأبناء المناطق الريفية شبه المدينية التي تدهورت فيها الزراعة خلال العقدين الماضيين من دون أن تحلّ محلها مصادر أخرى للعمل والمعيشة. وإلى جانب هؤلاء، برز عشرات آلاف من خريجي الجامعات والعاطلين عن العمل.

لقد وجد مئات آلاف الشباب أنفسهم أمام واقع مسدود، بعدما امتصّ ثلاثي الاستبداد والفساد والبرجوازية الطفيلية معظم الثروة الوطنية، وأغلق أمامهم أبواب العمل والرزق والمستقبل. فقد أدّت السياسات الاقتصادية لذلك الثلاثي إلى تبديد القطاع العام، وتدمير الصناعة والزراعة الوطنيتين، لصالح اقتصاد ريعي طفيلي لا يولّد فرص عمل، ولا يحقق تراكمًا لثروة وطنية، إلا في جيوب المنتفعين وحساباتهم الخارجية.

كان المجتمع السوري، ما بين عامَي 2000 و2010، يرفد سوق العمل بما يزيد على مئتين وخمسين ألف يد عاملة جديدة سنويًّا، بينما لم يكن الاقتصاد السوري، بقطاعيه العام والخاص، يوفّر أكثر من خمسين إلى ستين ألف فرصة عمل. وقد أدّى هذا التراكم المستمر للبطالة من سنة إلى أخرى إلى تهيئة الظروف لانفجار اجتماعي حتمي. في الوقت نفسه، ظلّت الشريحة الحاكمة ماضية في استبدادها وفسادها واستهلاكها الاستفزازي الباذخ، غير آبهة بدبيب ذلك البركان الذي كان يغلي تحت الرماد.

لقد تحوّل مئات آلاف، بل ملايين من الشباب، إلى وقود قابل للاشتعال عند أول شرارة من شرارات الربيع العربي الذي اندلعت نيرانه في تونس ومصر وليبيا واليمن، وكان طبيعيًّا أن تمتد ألسنة اللهب إلى سورية. وكما كان متوقّعًا، لم يكن للحراك الشعبي، بعد سنوات طويلة من القمع وتجفيف الحياة السياسية، هوية سياسية واضحة؛ إذ اقتصرت شعاراته على التعبير عن المعاناة من الظلم والقهر والاستبداد. وقد شكّل هذا النقص في الهوية السياسية ثغرة سارعت قوى المعارضة التقليدية، ولا سيما في الخارج، إلى استغلالها، محاولةً طبع الحراك بطابع سياسي تراوح بين الإسلام السياسي وقوى ليبرالية معظمها نتاج “يسار” ارتدّ عن شعاراته ومواقفه التاريخية، ولم يجد حرجًا في التقرّب من الغرب عامة، والولايات المتحدة خاصة، أو في قبول الدعم المالي (بركات النفط القادمة) والسياسي القادم من السعودية وقطر وغيرهما من الأنظمة الرجعية العربية وحلفائها الإقليميين. (كسعد الحريري وسمير جعجع وفريقهما!! (أعلن سمير نشار مسؤول المكتب المالي في المجلس الوطني السوري بتاريخ 12-7-2012 أن المجلس لم يتلق حتى تاريخه سوى خمسة عشر مليون دولار كمساعدات من بعض الدول الصديقة).

ومن المثير للتساؤل أنّ أيًّا من هذه القوى لم يطرح برنامجًا اقتصاديًّا أو اجتماعيًّا يعالج جذور الأزمة التي فجّرت الانتفاضة الشعبية، وقدمت معالجات للقضايا المصيرية التي تواجه الجماهير المسحوقة الثائرة. بل اكتفت بشعارات عامة حول الحرية والانعتاق التي رفعتها قوى الحراك الشعبي غير المسيسة، ثم سارعت إلى تقديم تنازلات مجانية للتحالف العربي-الغربي في قضايا استراتيجية مثل الموقف من المقاومة والصراع مع إسرائيل والاصطفاف الإقليمي. هذا كلّه ساهم، من جهة، في تكريس عفوية الحراك الداخلي وإبقائه هشًّا أمام محاولات جرّه إلى المزالق الطائفية والمذهبية، وعرضة لاختراقات خطيرة من قِبل مجرمين أطلق النظام سراحهم عمدًا في بدايات الأحداث لتشويه صورة الثورة، فضلًا عن الاختراقات الأمنية التي دفعت الحراك أحيانًا إلى معارك خاسرة معدّة سلفًا. (بالتنسيق مع مشغلي هذه الاختراقات، في مناخ الفوضى التي كرستها تلك العفوية المقدسة…) ومن جهة أخرى، أفسح ذلك المجال أمام قيام تحالف مصالح بين المعارضة الخارجية و”منبوذي” البرجوازية الطفيلية الذين أقصاهم زملاؤهم النافذون عن مغانم السلطة، فوجدوا في دعم المعارضة فرصة للانتقام ولتعزيز مواقعهم الاقتصادية والسياسية.

وهنا، من الضروري الإشارة إلى أنّ البرجوازية الطفيلية السورية، بطبيعتها وأسلوب عملها ونشاطاتها واستثماراتها وارتباطاتها الخارجية، القائمة كلّها على استغلال النفوذ السياسي والأمني للاستيلاء على المغانم والصفقات، لا تشكّل طبقة أو شريحة طبقية متجانسة ومتماسكة ومتعاونة فيما بينها، بل هي، على العكس تمامًا، شريحة مافيوية متنافرة يمكن وصفها بـ “الضبعية” – إذا صحّ التعبير – لأنّها تتخلّق بأخلاق الضباع التي تتنازع على الفريسة، ويسعى كلّ منها إلى إقصاء الآخرين عن ساحة نفوذه.

وقد أدّى هذا التزاحم بين فرسان تلك البرجوازية “الضبعية” إلى خروج العديد من أثريائها خارج البلاد بعد أن اضطرّهم النافذون الآخرون إلى ذلك. فوجد هؤلاء “المنبوذون” فرصتهم الذهبية لردّ الصاع صاعين لخصومهم في الداخل، عبر تلقّف قوى المعارضة المهاجرة، و”رعايتها”، وتلبية حاجتها الماسّة إلى “التواصل الدولي” وإلى الأموال والمساعدات التي يتطلّبها “النضال” في الخارج. وهكذا، دخل التجّار ورجال الأعمال السوريون المبعدون في صلب الغطاء السياسي الخارجي للحراك الشعبي الداخلي.

وقد أعلن منتدى رجال الأعمال السوريين في الخارج، في ختام مؤتمر عقده في الدوحة بتاريخ 7 حزيران/يونيو 2012، عن تأسيس صندوق لدعم “الثورة السورية” بمبلغ ثلاثمئة مليون دولار. وقال رئيس المنتدى مصطفى الصباغ، وهو يتلو البيان الرسمي، إنّ الهدف هو “مأسسة عمليات الدعم والإسناد العسكري للثورة السورية”، وذلك وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية في حينه.

إنّ هذا التناقض الصارخ بين الطبيعة الطبقية لمادّة الحراك الشعبي في الداخل، وبين الهوية السياسية لقوى المعارضة التي تولّت تسويقه في الخارج، هو ما أسّس لحالة من التجاذب والتوتّر بين الطرفين. ففي حين رفع الحراك الداخلي في بداياته يافطات كتب عليها: “المجلس الوطني يمثّلني”، عاد في الأشهر الأخيرة ليجأر بالشكوى من أنّ هذا الخارج غريب عن معاناة الداخل، ومقصّر أشدّ التقصير في توفير الدعم المطلوب للثورة وجماهيرها وأهلها.

الموقف الغربي

من خلال هذا “المسوّق الخارجي”، وجدت القوى الغربية وملحقاتها العربية الرجعية طريقها إلى الأزمة السورية، محاولةً توظيفها في معركتها الاستراتيجية مع موقع سورية السياسي. واللافت أنّ هذه القوى لم تسعَ يومًا إلى إسقاط النظام السوري، بل اقتصرت مطالبها، منذ زيارة كولن باول إلى دمشق عام 2003، بعيد غزو العراق، على “تغيير السلوك” لا “تغيير النظام”. وتمثّلت تلك المطالب أساسًا في:

  1. التخلي عن العلاقة مع إيران.
  2. التوقف عن دعم حزب الله، في مواجهة إسرائيل.
  3. التوقف عن دعم منظمات المقاومة الفلسطينية، خصوصًا “حماس”.
  4. التوقف عن دعم قوى المقاومة العراقية.

أي بعبارة أخرى: نقل سورية من موقعها الاستراتيجي الراهن إلى معسكر “الاعتدال العربي”. والإقليمي. ومن دون أي اهتمام بطبيعة النظام الاستبدادية أو معاناة شعبه!!

أما سبب هذا الحرص الغربي الدائم بما هو دون إسقاط النظام السوري، على الرغم من كل ما عرفه المسرح السياسي الإقليمي والدولي من أزمات عاصفة، كان فيها الغرب وسورية على طرفي نقيض، فيعود إلى عاملين رئيسين:

  • أوّلًا: الخشية من خطر الديمقراطية في سورية، وإمكانية عودة الشعب السوري إلى تأدية دور طليعي في نهضة عربية جديدة تهدد مصالح الغرب وعروش حلفائه في المنطقة.  استثمر الغرب فيها الكثير من الجهود والإمكانات حتى باتت تشكل الأسس التي ترتكز عليها شبكة مصالحه الحيوية فيها.
  • ثانيًا: القلق من الفوضى غير المحسوبة التي قد تخلّفها مرحلة ما بعد سقوط النظام، بعد سنوات طويلة من الاستبداد والقمع اللذين أديا إلى تصحير الحياة السياسية السورية، خصوصًا بعد التجربة المريرة في لبنان حين أدى تفريغ الساحة من منظمة التحرير إلى صعود المقاومة الوطنية ثم الإسلامية، التي شكّلت خطرًا أكبر على المصالح الغربية والإسرائيلية من المنظمة ذاتها. وتكرار هذا السيناريو في سورية سيكون أكثر خطورة بأضعاف مضاعفة.

وقد أثبتت تجربة الأشهر الستة عشرة الماضية أن مواقف القوى الغربية من النظام السوري لم تتغير أبدًا، وأن تجاوزها نحو دعوة الأسد للتنحي لم يتعدَّ المجال الكلامي لمسايرة الغطاء السياسي للحراك الشعبي السوري، وهو مجال كلامي لا يتمتّع بأي مصداقية أو جدية، إلا بمقدار ما تتأكد القوى الغربية من أنّ نفوذها، بل سيطرتها على قوى المعارضة، سيجنبها – في حال سقوط النظام بضغط الحراك الشعبي أو لأسباب داخلية أخرى – الخطرين المشار إليهما فيما تقدم: بأن يتوفّر لها البديل الذي يضمن الحيلولة دون تمتع الشعب السوري بفرصة حرية وديمقراطية حقيقية، ويضمن أيضًا عدم حصول فوضى تحيل سورية إلى ساحة “منفلتة” للمنظمات والتشكيلات الشعبية المسلحة غير المضمونة وغير المسيطر عليها.

الموقف الإسرائيلي:

في صلب هذا الموقف الغربي، وعلى هامشه أيضًا، يقع الموقف الإسرائيلي الذي يهمه أكثر ما يهمه تعطيل دور الشعب السوري وطنيًا وعربيًا وإقليميًا. وإذا كانت لدى إسرائيل بعض المنغصات من مواقف النظام السوري الحالي، فيما يتعلق بمسار التسوية السلمية للصراع العربي-الإسرائيلي، وبالدعم الذي يقدمه هذا النظام لحزب الله ولمنظمات فلسطينية، وبعلاقاته مع إيران، فيبدو أن كل هذه المنغصات كانت مقبولة على مدى العقود الأربعة الماضية مقابل الإطباق الاستبدادي على رقبة الشعب السوري وتعطيل دوره الوطني والقومي، الذي يشكّل البديل الأخطر عن كل ما تقدم.

كما أنّ هذا النظام كان، خلال عقود، يشكّل عقبة أمام قيام جبهة شرقية فاعلة أو تضامن عربي حقيقي، يغيّران موازين القوى بشكل جدي، ويحتضنان الثورة الفلسطينية ويشكلان عمقها القومي، بدلًا من تطويقها وتعطيل فاعليتها وتشريد قواتها في المنافي العربية.

أما بعد الانفجار الشعبي في سورية، فإنّ المصلحة الإسرائيلية سرعان ما فرضت تدارك الأمور والتأقلم مع المستجدات، فتركّزت حسابات تل أبيب الجديدة على ما يأتي:

١- تحويل الثورة السلمية إلى اقتتال طويل الأمد يؤدي إلى تفكيك الجيش السوري بحيث لا تعود هناك فرصة أمام أي نظام سوري قادم لإعادة بناء جيش قوي، وتسليحه بشكل يتجاوز الحدود التي ترضاها إسرائيل. وهي قادرة، في ظل الظروف الدولية الراهنة، على التأثير الفعال في جميع مصادر التسليح العالمية لضمان التزامها بالشروط الإسرائيلية. (قد يكون هذا عاملاً مهمًا في تردد الجهات الدولية تجاه مسألة تسليح الجيش الحر).

٢-إنهاك سورية ككيان وشعب وتهديد وحدتها الوطنية، وصولًا إلى تقسيمها على أسس مذهبية وطائفية وعرقية، وما من شك في أن تمديد عمر الاقتتال يصب في هذا الاتجاه.

٣-أن ينجلي الوضع في نهاية المطاف عن فراغ قوة كبير في سورية، تكون فيه إسرائيل القوة المجاورة الأكبر والأقدر على التدخل بذريعة تحجيم أو السيطرة على الأسلحة السورية غير التقليدية، تمامًا كما استخدمت ذريعة أسلحة الدمار الشامل لغزو العراق، ولا نعتقد أن هناك من سيكون قادرًا على منع إسرائيل من القيام بذلك، تمامًا كما حصل مع عودة إسرائيل لاحتلال الضفة الغربية في العام 2000. فالجغرافيا السياسية لها أحكامها الصارمة، وقد شاهدنا كيف أنّ الولايات المتحدة، بكل جيوشها الجرارة، “عجزت” عن منع إيران من ملء فراغ القوة في العراق.

الموقف الروسي:

إذا كان الموقف الغربي يتلخّص بالعمل للاستيلاء على الموقف السياسي لسورية، سواء عن طريق تغيير سلوك النظام أو إسقاطه، فإنّ الموقف الروسي يشكّل النقيض تمامًا، أي الحرص على الموقع والموقف السياسي لسورية، سواء من خلال بقاء النظام الحالي أو تغييره ببديل موالٍ لموسكو في حال أصبح سقوطه حتميًا. وذلك لأسباب كثيرة، بعضها وارد فيما تقدم من تحليل، وبعضها يمكن إضافته، كالتخوف الروسي من السيطرة الأمريكية على الحلقة المركزية في جغرافيا “الجدار الجنوبي”، الذي تسعى الولايات المتحدة منذ أيام الرئيس ترومان إلى إقامته في جنوب غرب آسيا لاستكمال تطويق الاتحاد السوفييتي سابقًا والروسي حاليًا، وهذه الحلقة هي سورية.

كما يمكن إضافة التخوف الروسي والصيني من عودة الغرب إلى استئناف الرهان على الظاهرة الإسلاموية للسيطرة على مجال حيوي واسع يحيط بروسيا من الجنوب والشرق ويجاور الصين من الغرب، في عمق الدول الآسيوية السوفييتية السابقة، وللروس تجربة مريرة مع ذلك في أفغانستان سابقًا وفي الشيشان لاحقًا.

ويضاف أيضًا موضوع الثروة الغازية في المنطقة، بما في ذلك مشروع خط الغاز القطري عبر السعودية والأردن وسورية وتركيا وصولًا إلى أوروبا، منافسًا شديد الخطورة للغاز الروسي الذي يحتكر تلك السوق المهمة.

لأسباب كثيرة، إذًا، التزمت موسكو موقفًا من الأزمة السورية محوره العمل بكل الوسائل للحيلولة دون سقوط النظام السوري الحالي في أحضان الغرب، الذي يبدو أنّه أحكم سيطرته على معظم قوى المعارضة وضمن انسياقها في مجرى مخططه المعد للمنطقة على المستويين الإقليمي والعالمي.

كما أنّ قادة المعارضة أنفسهم لم يقوموا إلا بما يؤكد هذا الانسياق، حيث كان حديث الدكتور برهان غليون لصحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية بتاريخ 2-12-2011 إعلانًا صريحًا عن تبنّي شروط كولن باول المذكورة أعلاه، سواء من حيث القطع مع إيران وحزب الله، أو الانحياز لمعسكر الاعتدال العربي، أو حصر النزاع مع إسرائيل بموضوع الجولان وحده، والمراهنة على التفاوض والصداقة مع الغرب للوصول إلى حل لهذه المشكلة، ما يذكرنا بحديث السادات عن أنّ “99 بالمائة من الأوراق بيد أمريكا”.

هذا الانسياق في ركاب الغرب أكد للكثير من الأطراف أنّ نجاح هذه المعارضة في إسقاط النظام سيكون فرصة للغرب لتحقيق ما لا يكف عن الدعوة إليه: كسر الحلقة المركزية في “محور الشر” الممتد من طهران إلى جنوب لبنان، وهذا ما جعل هذه الأطراف ترى في وقوفها إلى جانب النظام السوري نوعًا من الدفاع المصيري عن النفس.

أما موضوع البديل الموالي للروس، الذي يتساءل عنه سوريون كثيرون ما زالوا يحنون للدور السوفييتي القديم، فيتوقف على ما إذا كانت موسكو، الرافضة لسقوط النظام في أحضان الغرب، قادرة بنفوذها الخاص على القيام بذلك بعيدًا من الموقف الغربي ومشروعاته.

في الحقيقة، سؤال الاستفسار مشروع ومُطروح في أوساطٍ عديدة. وللمحاولة الجادة في استكشافه لا بدّ من الإحاطة ببعض المعطيات الأساسية:

١-ظلت روسيا غائبةً عن الساحة السورية منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، أي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. هذا الغياب الطويل أفقد موسكو امتدادات تنظيمية واستخباراتية مهمة داخل بعض مؤسسات النظام السياسية والعسكرية والأمنية التي شهدت تغيّرات وتبدلات عديدة خلال ربع القرن الماضي.

٢-لا شكّ أيضًا أن النظام الروسي الحالي يفتقر إلى الهوية العقائدية (الشيوعية) التي كانت سائدة في عهد الاتحاد السوفييتي، والتي كانت تُسهل لموسكو جذب وتجنيد عناصر وقوى ذات ميول عقائدية مشابهة. وهذا النقص يزيد من ضعف النفوذ الروسي في ملعب الأزمة السورية اليوم.

بناءً على ما سبق، يمكن القول إن رهان موسكو في الأحداث السورية الحالية يتركَّز على عاملين رئيسين:

  • الأول: حقّ النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، وهو ما يمنع منح الغرب قرارًا دوليًّا يبرّر تدخّلًا عسكريًا في سورية على غرار ما حصل في ليبيا. كما يتيح الفيتو لموسكو، بدعم من الصين ودول “البريكس”، خوض مناورة دولية تمنحها وشركاءها موقعًا مؤثرًا في موازين القوى الدولية، وتعيد بعض التوازن الذي اختلّ بعد انهيار المعسكر الاشتراكي واستفراد الولايات المتحدة بالقرار الدولي.
  • الثاني: مكوّنات النظام السوري نفسه والقوى السياسية والاجتماعية الموالية له على الأرض. فهذه القوى تشعر بالامتنان للدعم الروسي في هذه المرحلة الحرجة، وترى في هذا الدعم محورًا لحلف مصلحي حاسم بالنسبة إلى الطرفين.

بفضل هذين العاملين تمارس روسيا دورًا فاعلًا على مسرح الأزمة السورية والمنطقة ككل، فيمتد حضورها من أفغانستان وإيران إلى سورية والعراق ولبنان، مع الانخراط في أزمات إقليمية ودولية متعددة. ومنطقيًا، ستواصل موسكو العمل لمنع سقوط النظام السوري ما دام مقتنعةً أن هذا السقوط سيكون في أحضان الغرب!

وليس مستغربًا أن يقوم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في خضمّ الأزمة السورية، بزيارات وصفها البعض بالتاريخية إلى إسرائيل والضفة الغربية والأردن؛ فقد كانت التطورات السورية من أبرز بنود محادثاته مع المسؤولين الإسرائيليين. وهنا تبرز مصلحة تل أبيب في إطالة أمد الأزمة السورية، لأنّ ذلك يخدم رؤيتها في إضعاف الكيان السوري دولةً وجيشًا ومجتمعًا ووطنًا موحَّدًا.

تجربة جورجيا بعد تحوّلها إلى “أحضان الغرب” تُبيّن أيضًا أن موسكو قد تقبل في حالات معيّنة بترسيم واقع جديد يتضمن احتفاظها بأجزاء متنازع عليها (كما حصل مع أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية). ومن ثمّ يطرح السؤال: هل تراهن إسرائيل على احتمال أن تقبل موسكو بتقسيم سورية، بما يترك لبعض القوى المحلية أو الخارجية مواقع تأثير “مجزأة” يسهل التعامل معها؟ هذه رهانات خارجية كبرى تواجه الشعب السوري، فهل سيتمكّن من عبور كلّ هذه المطبات “الدفرسوارات” والكمائن التي تحيط بالوطن وثورته؟

موقف اليسار الديمقراطي

في ضوء هذه الخريطة المعقّدة للأحداث السورية وتفاعلاتها الإقليمية والدولية، كيف ينبغي أن يتحدد موقف القوى اليسارية الديمقراطية السورية لضمان حماية الوطن ووحدة ترابه، وفي الوقت نفسه حماية الهدف الأساس للثورة: إسقاط النظام الاستبدادي الطفيلي الفاسد وإقامة نظام مدني ديمقراطي تعددي تقدمي بديل؟

ثمة مجموعة من الأسئلة المحورية التي لا بدّ من الإجابة عنها أو السعي إلى تبنّي إجابات عملية لها:

١- هل يمكن للحراك بمادته الداخلية أن يتجاوز عفويته ويُفرز، بعد عام ونصف من التجارب الدموية، بنية قيادية قادرة على الإمساك بزمام الأمور السياسية والعسكرية والإدارية للثورة، وتنظيم صفوفها، وتقديم رؤية سياسية تحمي مصالح الفئات الفقيرة والمهمّشة التي مثّلت مادتها البشرية؟

٢- هل يستطيع الجسم القيادي المنتظر، المنبثق من مجالس محلية (مدنية وعسكرية)، أن يضمن ولاء غالبية قوى الحراك، ليضمن لاحقًا مدنية النظام البديل، بحيث يتقصّد العسكريون الدور الدستوري في حماية الوطن ويخضعون طوعًا للسلطات السياسية المنتخبة؟

٣- هل لا يزال بالإمكان استعادة اللحمة الوطنية عبر بلورة قناعات الفقراء والمهمّشين بأنّ مصلحتهم المصيرية واحدة في مواجهة التركيب الاستبدادي الطفيلي، وكذلك في مواجهة تجار الدم الطائفيين مهما كانت جهاتهم؟

٤- هل بإمكان الجسم المرشح لمثل هذا الدور أن يخرج مسألة الوحدة الوطنية من خانة المناشدات الطوباوية التي لم تعد تعني شيئًا في ظل شلالات الدم المتفجرة في كل مكان؟ لم يعد يهم أحد ما قاله المرحوم فارس الخوري في الجامع الأموي أيام الانتداب، أو ما طرحه الزعيم سلطان باشا الأطرش من شعارات للثورة السورية الكبرى. فقد كان المسلمون الذين خاطبهم فارس الخوري، والعلوية الذين كان يترسمون خطى الشيخ صالح العلي قائد الثورة السورية الأولى، ممثلين بقادة مجتمعهم آنذاك.

أما نحن اليوم، فنحن في زمن التكفير والتشبيح والذبح على الهوية، وهو ما لا يمكن تجاوزه بالمناشدات العاطفية الطوباوية، بل عبر بناء تنظيم ونظام طبقيين يربطان المصالح الحقيقية والمصيرية للناس بمسألة وحدة الوطن؛ وطن هؤلاء البشر المعانين الذين لا يربطهم أي رابط بفرسان الفساد الطفيليين، سواء النافذون داخل البلاد أو خصومهم المنبوذون خارجها.

٥- هل يستطيع الجسم المرجو أن يخرِج مسألة الوحدة الوطنية من خانة المناشدات الطوباوية إلى منطق تنظيمي موضوعي يربط مصالح الناس الحقيقية بمسألة وحدة الوطن؟ فالوحدة اليوم لا تُستعاد بمناشدة عاطفية بل ببناء تنظيمين ونظامين طبقيين مؤسَّسين على مصالح مشتركة تردّ الناس إلى أرض الوطن.

٦- يتطلب الأمر وضع برنامجٍ شفاف وعادل لمصادرة أموال الفاسدين وممتلكاتهم، ووضعها في خدمة الثورة وجماهير الوطن ومهجّريه. كما ينبغي إقامة جهاز قضائي ثوروي عادل وشفاف يحظى بمشاركة شعبية واسعة لمحاسبة المجرمين والطائفيين والعملاء الذين أساؤوا إلى الثورة، مع ضمان محاكمات عادلة وعلنية للشبيحة والقتلة.

٧- تنظيم ونظام بهذه المواصفات وحده قادر على إدراك خطر أموال الرجعية النفطية العربية التي تزرع الفساد، وعلى كشف منافقة القوى الغربية المتربصة بسورية والمنطقة. كما أنّه الجهة الوحيدة القادرة على إقناع أصدقاء الشعب السوري الحقيقيين بأنّ النظام البديل لن يكون صنيعةً للغرب أو لرجعيّاتٍ عربية، بل نظامًا وطنيًا ديمقراطيًا معاديًا للإمبريالية والصهيونية، كما كانت سورية في خمسينيات القرن الماضي، فيستحق منذ الآن دعمهم وتأييدهم بدلًا من الشكوك الموظفة في خدمة النظام الحالي!

٨- تنظيم ثوروي بهذه المواصفات هو القادر على إقامة نظام ديمقراطي تقدمي لا مركزي عادل، يتساوى فيه كل المواطنين بالحقوق والواجبات، وتتآخى فيه مكونات المجتمع من دون قهر أو ظلم أو تمييز. وتُستمدُّ حقوق هذه المكونات وصلاحياتها الديمقراطية من سلطة الدولة ومؤسساتها، لا من وحدة الشعب أو وحدة الوطن.

نعم، من حقّ اليساريين الديمقراطيين، بعد أن اختلط الحابل بالنابل، أن يمتلكوا رؤيةً واضحة حول ثورة شعبهم ومستقبل وطنهم ومصير البلاد، وأن يعملوا مع رفاقهم في مختلف المناطق بمنطق التفاعل الإيجابي مع هذه الرؤية، حتى لا يضيع هذا النضال البطولي في دوّامات السياسات الإقليمية والدولية ودهاليزها التي كانت دومًا معادية لوطننا ومتربّصة به ومهدِّدة لوحدته ومصيره.

تموز 2012