عن حال العالم وما ينبغي أن يكون معروفا ومفهوما جيداً
نصر شمالي
كي نستوعب أكثر أبعاد أزمة العالم نكرر أنه في العام 1960 كان المرفهون في العالم يشكلون 20 بالمائة من سكانه، أي الخمس (الخمس الذهبي كما أسموه!). وفي ذاك العام 1960 كان الخمس المرفه يستحوذ عنوة على 75 بالمائة من مجمل ثروات العالم أجمع.. أما في العام 1996 فقد صار هذا الخمس الذهبي يستحوذ لوحده عنوة على 85 بالمائة من مجمل ثروات العالم أجمع!
وقد شكل الفقراء فقراً مدقعآ، حينئذ، 20 بالمائة من سكان العالم، أي الخمس.. وفي ذلك العام 1960 كان ذلك الخمس الفقير يحصل بالكاد على أقل من 3 بالمائة من مجمل ثروات العالم أجمع.. أما في العام 1996 فقد صار ذلك الخمس المسحوق يحصل بالكاد على أقل من 2 بالمائة! وفي ذلك العام 1960 كان 60 بالمائة من سكان العالم يحصلون على 22 بالمائة من مجمل ثروات العالم.. إنهم الطبقة الوسطى العالمية!
أما في العام 1996 فقد صارت هذه الطبقة العالمية الوسطى تحصل بالكاد على 13 بالمائة من مجمل ثروات العالم وبدأت تنحدر بسرعة ليلتحق معظمها بالخمس البشري المسحوق الذي بدأ يتحول إلى أكثرية عالمية ساحقة!
وفي العام 1998 صار 350 مليارديرآ دولاريآ عالميآ يستحوذون لوحدهم عنوة على ما يعادل مداخيل 45 بالمائة من سكان العالم جميعآ! إنهم 350 شخصاً مليارديراً! فهل أصبح واضحآ سرً ما تتعرض له بلادنا اليوم من أهوال ينظمها المليارديرية العالميين بمساعدة أعوانهم وشركائهم المحليين الصغار؟
----
المصدر إحصاءات هيئة الأمم المتحدة.
*****
نتابع في هذه الأيام، على مدار الساعة، كيف يتفنن الرئيس الأميركي ترامب في إذلال وابتزاز حلفائه الأوروبيين! لكنه ليس أول من مارس هذه السياسة ضدهم وإن هو بلغ بها الأوج، فمتى بدأت حالة الإذلال والابتزاز هذه؟
نقول: إبتداءً من العام 1969 تحولت الولايات المتحدة من دولة دائنة إلى دولة مديونة، ومن دولة مصدرة إلى دولة مستوردة (في ميدان النفط خاصة)، وفي ذلك التاريخ كانت قد تجمعت معظم الكتلة النقدية العالمية (العملة الصعبة) عند حلفاء واشنطن الأوروبيين واليابانيين.. والسبب، هو أنً الإنفاق الحربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية كان واقعآ على كاهل الولايات المتحدة، في معظمه، بينما حلفاؤها متفرغون للصناعة والتجارة، ولا يتحملون إنفاقاً عسكرياً يستحق الذكر قياساً بالإنفاق الآميركي، فتجمعت الكتلة النقدية الدولية عندهم في معظمها!
وكانت الولايات المتحدة مرغمة على قبول ذلك، فهي تعتمد على إنفاقها العسكري الهائل في الحفاظ على مركزها القيادي الأول في النظام الدولي، فكان أن حدث ما حدث بصدد الكتلة النقدية الدولية وبصدد تقدم حلفائها عليها في ميادين المال والأعمال.. وهكذا وجدت واشنطن نفسها وقد تحولت من دائنة إلى مديونة ومن مصدرة إلى مستوردة، فكانت خطوة الرئيس الأميركي نيكسون المذهلة، مطلع السبعينيات، في إعلانه رسميا في خطاب متلفز عن أنً الحلفاء ملزمون بالإسهام في المجهود الحربي الأميركي الدولي من دون مقابل (أي سلبطة!) على أن تحتفظ واشنطن بمكانتها القيادية قسرا وعنوة! وعلى الفور عقب الخطاب مباشرة أعلنت طوكيو خضوعها!
ثم كانت حرب تشرين /أكتوبر 1973 التي "رعتها" واشنطن، والتي جعلت واشنطن تتحكم بأسواق النفط دوليآ أكثر بما لا يقاس، فترفع أسعار النفط رفعآ كبيرآ أو تخفضها كما تشاء، وبهذا السلاح النفطي استعادت واشنطن الكثير من الكتلة النقدية الدولية التي في حوزة حلفائها، حيث جعلت النفط (وبخاصة النفط العربي) غطاءً للدولار الأميركي بدلاً من الذهب، وبدأ عهد الدولار النفطي المستمر حتى يومنا هذا!
أما بقية الحكاية، عن حرب الخليج وخفاياها وما تلاها، وعن ما لا يزال يتلوها حتى اليوم في بلادنا العربية وفي أوكرانيا الأوروبية، فهو موضوع يحتاج لعرض آخر!
*****
في التسعينيات استقر قرار الإستراتيجيين الصهاينة في واشنطن على أنً العالم جاهز لتقسيمه إلى ستة آلاف دويلة! وهم كانت لديهم مسبقاً وما زالت عناوين الدويلات التي سيصنعونها، وقد أقاموا مسبقاً اتصالاتهم التحضيرية مع أقلياتها! وهذا يعني بالطبع، في حال تحقيقه، زوال دول العالم القائمة بتحويلها إلى دويلات/كانتونات/كحظائر المواشي! ويعني زوال أمم العالم بتحويلها إلى عدد هائل من الأقليات المسيرة كالقطعان!
والوطن العربي في مخططاتهم سيتضاعف عدد دويلاته إلى ضعفين أو ثلاثة! أي أنه سيزول جغرافياً وسياسياً كوطن وأمة وكأوطان وشعوب في حال نجاحهم! فهل سينجح مخططهم؟ أعتقد أنهم هم أنفسهم غير واثقين من نجاحه، فتركيبة العالم اليوم مختلفة كلياً عما كانت عليه بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهي تركيبة في غير صالح تحقيق مشاريعهم الإجرامية.
وهذا يعني قطعاً أن لا خلاص في هذه المواجهة لأي قطر عربي لوحده، فحتى لبنان المقسم سيقسم أكثر إلى كانتونات/حارات.. بل والفلسطينيين حتى الذين تحت الاحتلال سيقسمون حسب المخطط! وهكذا، يبقى المعول في أن تنهض أمة النصف مليار وتواجه خطر ضياعها بثبات وتنتصر، وهو ما سوف نشهد بداياته قريباً بإذن الله.