محطات من قطار الرعب التدمري.. قصة السجين الدكتور محمد مخلص قنوت
2025.08.06
خالد محمد جزماتي
مرة أخرى أتابع مشاركتي لمقالات الدكتور محمد سالم عتال، وهو يحكي حكاية من حكايا نزلاء معتقل تدمر المأساوية... حكاية طبيب حموي من فحول الرجال وقع ضحية خيانة طالب طب من بلده حماة اسمه "عــبــد الــكــريــم رجــب" من عائلة حموية فقيرة خان الأمانة ودمّر حياة العشرات من رفاقه من الأطباء وطلاب الطب البشري والهندسة بمختلف الاختصاصات. وأنا كنزيل من نزلاء معتقل تدمر سمعت من بعض ضحاياه الكثير مثل المهندس عبد السلام نوير والدكتور غسان عبد الباقي، وأيضا قرأت ما كتبه عنه مسؤول الطليعة في سنوات عدة من ثمانينيات القرن الماضي "أيـمـن الـشـوربـجـي"، مما جعلني أشرد بذاكرتي، الى الخائن المقدم مــصـطــفــى حــمــاض الحلبي الأصل، الذي تسبب بإعدام تسعة ضباط وتسعة آخرين بأحكام مختلفة، منهم أنا المحكوم عليّ بالأشغال الشاقة المؤبدة..
انظروا أيها القراء الكرام الى قصص وحكايات جرت في زمن حكم الأسد الأب والولد، وكيف دام أربعة وخمسون عاما، والمجتمع العربي والاقليمي والدولي كان غائبا ـ ولم يدر ماذا حدث في حماة من مجازر متعددة أو ما فعلوه في أفرع الأمن العجيبة وسجن تدمر وصيدنايا والمزة وكثير غيرها...
ولهذا أقول، وأنا صاحب تجربة وأجنح دوما للإنصاف ما استطعت: أقول لليسار ولليمين وأيضا للوسط: لن ينخدع أبناء بلاد الشام الذي هو أحد أقاليم الوطن العربي بأي شعارات كان يطرحها الجواسيس المندسين في بلادنا، ولن نترك لهم حكم البلاد أبداً مهما استخدموا من أفاعيل ومنها الخيانات بالاستعانة بالأجانب، الذين لهم صلات بدوائر خفية....
*****
محمد سالم عتال
عندما قابلت الدكتور محمد مخلص قنوت أول مرة عند التحاقي بكلية الطب في جامعة دمشق نهاية عام ١٩٧٩م، تأثرت كثيراً بشخصيته القوية، وطريقة حديثه المقنعة والممتعة، فقد رأيت شاباً مربوع القامة، عريض المنكبين، بعضلات مفتولة، تدل على ممارسته للرياضة باستمرار، و اهتمامه بصحته، أشقر الشعر، تلمع عيناه الزرقاوتين بالذكاء والحكمة والحماس والحيوية.
كان اللقاء لقاء عادياً، أو قل لقاء تعارف، وجرى بمعية وفي سكن الدكتور ماجد الخطيب، في مساكن برزة، ولأنني كنت طالباً مستجداً، بينما كانا قد انهيا للتو دراسة الطب وينتظران التحاقهما في الاختصاص في برنامج الدراسات العليا، فقد قدما لي الكثير من الدعم و النصائح، وأعربا عن استعدادهما لأي خدمة تساعدني في وضع قدمي على الطريق الصحيح في بداية مشواري الدراسي، وأذكر أن مخلصاً قال لي مشجعاً: صحيح أن طريق الطب طويل ومتعب، لكنه ممتع وفيه أجر عظيم، ويستحق الجهد المبذول له.
كان حديثه يدل على ثقافة واسعة و متنوعة، حتى شعرت أنني أقف أمام عالم موسوعي وطبيب حاذق جاء من عصور العرب الذهبية، فهو يتكلم في كل العلوم والآداب، تماما كما كان أطباء العرب والمسلمين الكبار أمثال ابن رشد وابن الهيثم وابن النفيس والرازي...
وأذكر أنهما حمّلاني من مكتبتهما بعض الكتب والملازم التي ستساعدني في دراستي خلال السنة الأولى للطب.
وقالا لي: نحن أخوة، وأبناء مدينة واحدة، وأي خدمة أو مساعدة لك او لزملائك الجدد، فلا تترددوا بطلبها.
ولد محمد مخلص بن غالب القنوت لوالد يملك محلاً في صناعية حماة لبيع العدد اليدوية والبراغي والعزق واكسسوارات السيارات، ووالدته أم هشام سيدة فاضلة من آل الزعيم العائلة المعروفة في مدينة حماة، تخرج مخلص من كلية الطب بتقدير ممتاز، وبدأ اختصاصه في الدراسات العليا في قسم الجراحة العامة كما كان يحب ويحلم عام ال١٩٨٠، وعندما كان في السنة الثانية للاختصاص، كانت الملاحقات والمداهمات والاعتقالات لطلاب الجامعة الحمويين وخاصة طلاب الطب منهم والذين يدرسون في دمشق على أشدها، وعرفنا فيما بعد أنها بسبب طالب الطب الحموي العميل عبد الكريم رجب، والذي كان يعمل لصالح رئيس أمن الدولة العميد محمد ناصيف خير بيك (أبو وائل).
لقد تسبب عبد الكريم الرجب باعتقال وتصفية العشرات من خيرة شباب جامعة دمشق، وأغلبهم كانوا من مدينته حماة، بل ومن أصدقاء طفولته ومدرسته ثانوية عثمان الحوراني في منطقة الحاضر.
وكان ماجد الخطيب ومخلص قنوت من أوائل ضحايا عبد الكريم رجب رغم أنهما كانا أكثر شخصين وقفا معه وساعداه عند دخوله كلية الطب عام ١٩٧٧، وهو ابن العائلة الفقيرة لأب كثير العيال يعمل حارساً ليلياً بمرتب ضئيل، فقد كانا يكبرانه ويسبقانه بثلاث سنوات.
لقد فعل الرجب في طلاب حماة الجامعيين مثلما فعل جاهد دندش في عدنان عقلة ورجاله.
وبينما كان مخلص يتجه بحذر شديد إلى مكان عمله في مستشفى المواساة حيث كان يعمل، بسبب ما حصل في تلك الفترة من اعتقالات وتصفيات بين زملائه،
وبينما هو في رواق المستشفى، وعندما أنحرف ليصعد السلم نحو غرفة العمليات، حاصره عنصران كانا ينتظرانه من الأمن، وطلبا منه اللحاق بهما بهدوء ودون أن يلفت انتباه المراجعين الذين ازدحمت ممرات المستشفى بهم، لكنه رفض أن يستسلم، وتخلص منهما بمهارة، وهرب مسرعاً نحو باب المستشفى، وهو يركض يمنة ويسرة (بطريقة الزكزاك) ليتجنب الرصاص الذي كان ينهمر نحوه بغزارة، وبينما كان يتجه نحو سور المستشفى الخارجي ليقفز من فوقه حيث كان يركن سيارته (الأودي) خارج المستشفى، بدأ الرصاص ينهمر عليه من كل إتجاه، فأصابت رصاصة ساعده، ودخلت رصاصتان من ظهره وخرجتا من بطنه، فشعر بحرارتهما في جسده ولمعت الدنيا في عينيه من شدة الألم، لكنه تعثر قليلاً، ثم تحامل على نفسه وتابع محاولاً الوصول إلى سور المستشفى من جديد، فأصابت رصاصة أخرى فخذه، لكن الرصاصة الأخيرة التي أصابت ساقه و حطمته، ألقته على الأرض على بعد أمتار قليلة من السور.
حملوه ثانية إلى المستشفى، وأدخلوه مغشياً عليه إلى غرفة العمليات التي كان من المفترض أن يقف فيها جراحاً، وأجروا له عمليات إسعافية، أشترك فيها عدد كبير من أساتذته الجراحين، في إختصاصات متنوعة، "الجراحة العامة، الجراحة العظمية، الجراحة الهضمية، وجراحة الأوعية الدموية"، وذلك بعد أن نقلوا له عدة وحدات من الدم ليعوضوا ما فقده من النزيف الشديد..
وليكتب الله له النجاة من الموت، وبقي بعد خروجه من العناية المركزة حوالي شهرين للاستطباب في غرفة خاصة، تحت الحراسة المشددة من الأمن، وخلال هذه الفترة أيضاً لم يستكن لواقعه، وحاول الهرب من نافذة غرفته في الطابق الثالث للمشفى، بعد أن جدل على مدى أيام حبلاً طويلاً، من الشاش الطبي، لكن جسمه الضعيف خانه، وسقط مغشياً عليه على الأرض أثناء محاولة الفرار.
هذه المحاولة الفاشلة، أدت للتسريع بتحويله إلى فرع الأمن، ومن ثم إلى سجن تدمر، التي قضى فيها سنوات سجنه يعاني من العرج وضعف الحركة، والالتهابات المزمنة، والقيح والصديد الذي لازمه طيلة فترة سجنه، وهو ينظفه بما لديه من الصابون العسكري ونار القداحة (الولاعة) والقمصان وقطع القماش المهترئة.
ورغم سوء حالته المرضية، لكنه كان لا يتوانى عن تقديم الخدمات الطبية لأخوانه في المهجع حسب الإمكانيات المتاحة، فقد كان طبيبا بارعاً، يشخص ويعالج المرضى، داخل المهجع٤ الذي دخله محمولاً من أخوانه الذين كانوا معه في حفلة الاستقبال، حوالي منتصف سنة ١٩٨١، وليس على جسده ألا لباس العمليات الأزرق الذي اعتقل فيه، وعليه ثقوب الرصاصات التي أصابته في بطنه و ساعده و قدمه.
وكثيرة هي الحالات التي ساعد مخلص في تشخيصها وعلاجها داخل المهجع، وفي إحدى الحالات، وعندما دخلت دفعة جديدة من شباب ريف حماة، بعد استقبال شديد تحت الدولاب، انتهى بالرفس والقفز فوق الصدور والبطون، دخلت تلك الدفعة منهكة ومحطمة، وكان أحدهم وهو محمد حسين شعيل، في حالة صدمة وفاقد الوعي، فحمل الشباب مخلصاً ليفحصه، وعندما عاينه ، ورأى انتفاخ بطنه وتصلبها، وشحوب شفتيه وعينيه، وتسرع نبض قلبه وضعفه.
قال: الحالة إسعافية، تمزق طحال، تحتاج تدخل جراحي فوري.
وهمس في أذن المسؤول الصحي، إذا لم يتم نقل الدم له و فتح بطنه فوراً، فسيموت خلال أقل من ساعة، وهذا ما تم فعلا، فقد قرع رئيس المهجع الباب، وبلغ المسؤول الصحي في المهجع عن الحالة، وطلب نقله إلى المستشفى، لكن جواب السجان كان ببرود كالعادة:
"بس يموت حطه على بطانية وطالعه".
وبعد حوالي نصف ساعة، أعلن مخلص وفاة الشعيل، وتمت الصلاة عليه، ووضع على بطانية، وتم تسليمه للبلدية خارج المهجع، لينقل بعدها ويدفن في رمال الصحراء الموحشة.
لم يكن مخلص طبيباً حاذقاً فحسب، بل كان موسوعة في الثقافة والفقه والعلوم الأخرى، يستشار من أخوانه داخل المهجع في كثير من الأمور، وكان أيضاً شاعراً موهوباً، يسهر الليالي ليدون قصائده التي ألفها داخل السجن، مصوراً فيها أهوال السجن ومعاملة المساجين وحقدهم، وحفلات التعذيب والمحاكم الميدانية والإعدامات، وأحوال المساجين ومعاناتهم.
دون بعض قصائده على القمصان البيضاء القطنية الداخلية، بعد أن فتح تلك القمصان، وأزال أكمامها، فأصبحت كاللوحة، ثم قام بتثبيتها داخل سترة جاكيت، بين القماش الخارجي والبطانة، وكان يكتبها بدمه سراً في الليل بعيداً عن أعين زملائه، بعد أن يوخز أصبعه بالدبوس، وكان ينتظر الفرصة السانحة ليرسلها لأهله ليخبرهم عن معانته و معاناة أخوانه في سجن تدمر ويطلب منهم مسامحته، لأنه يعرف نهايته، وهي الإعدام لا محالة.
وسنحت له الفرصة أخيراً عندما طُلب أحد الأخوة في مهجعه وهو محمد ساعور من مدينة دوما في ريف دمشق، إلى فرع دمشق للزيارة (بدعوى التحقيق)، حيث سارع وألبسه السترة وأسرّ له بكلمات، وتم تهريب بعض قصائده الشعرية داخل تلك السترة وعلمنا فيما بعد أنها قد وصلت فعلاً إلى أهله.
عندما خرج مخلص للمحكمة الميدانية، نظر له القاضي المجرم سليمان الخطيب نظرة استهزاء وتشفي، وقال له: عمك مناضل كبير، وأنت مجرم يا حيوان. (وكان يقصد عمه الضابط الإشتراكي عبد الغني قنوت، أحد رجال أكرم حوراني الأوائل، والذي كان يومها عضو الجبهة التقدمية ورئيس حركة الاشتراكيين العرب، وعضو مجلس الشعب، واستلم عدة وزارات في حكومات حافظ الأسد المتعاقبة).
وكعادته في الجرأة والمشاكسة وعدم السكوت لظالم، أجابه مخلص بتحد وذكاء:
"كلنا عم يناضل".
فقال له المجرم الخطيب: بدي أعدمك و ريحك من لسانك الطويل يا حقير..
وعندما طُلب للأعدام في صباح يوم ١٧-١- ١٩٨٣ خرج وهو يعرج ويستند على الحائط، فطلب منه الرقيب العلوي الحاقد مرهج، أن يضع يديه خلف ظهره ليتم تكتيفه وتعصيب عينيه، لكنه رفض، ونظر إليهم بتحد وجرأة، وبدأ يكيل إليه وإلى بقية السجانين الشتائم والسباب، ويصرخ بهم: يا كلاب الأسد، يا عبيد الطاغية، الله ينتقم منكم ومن رئيسكم.
فهجم الجمع وتكاثروا عليه، فحاول الدفاع عن نفسه بيديه العاريتين، فلقم الحرس بندقيته من فوق سطح المهجع، وبعد أن تجمع العشرات من السجانين عليه، وهو يدافع بيديه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ألقوه أرضاً، ثم داس مرهج ببصطاره العسكري على رأسه بقوة وثبتها على الأرض، وبدأ يضغط بالقدم الأخرى على رقبته، ومخلص يغرغر، ويتخبط بأطرافه الأربعة، التي أمسك بكل طرف منها أحد السجانين، وبقي على هذه الحال يقاوم حتى أخر لحظة في حياته حين انقطع أخيراً نفسه تحت بصطار المجرم مرهج، وسلم روحه إلى بارئها.
وليس غريباً على مخلص ذلك الموقف، وهو الذي كان يقول لأخوانه في المهجع عند كل دفعة إعدام: -أعجب ممن يخرج إلى الإعدام ماشياً على قدميه.
وبعد أن صمت صوت مخلص أخيراً، وهو الذي لم يعرف الخنوع طيلة حياته، حمله عناصر البلدية إلى الباحة السادسة، حيث أعواد المشانق منتصبة هناك، ليرمى إلى جانب جثث أخوانه الذين أعدموا في ذلك اليوم، ومن ثم ليقذفوا بعدها إلى الشاحنة التي ستقلهم ليدفنوا في المقابر الجماعية في وادي العويضة في صحراء تدمر الكئيبة...
وبعد انتهاء حفلة الإعدام، لم يفوت السجانون كالعادة الانتقام، فلا مكان للتذمر والاعتراض داخل هذا السجن الرهيب، وبدأت حفلات التعذيب الشديدة التي استمرت لعدة أيام، وذلك ليقتلوا فينا روح التذمر والغضب ويدفنوا رغبة الاعتراض والاستياء في أنفس السجناء.
ونالت باحتنا الأولى التي شهدت هذه الحادثة الفريدة النصيب الأكبر من العذاب، وخاصة المهجع ٤ الذي خرج منه الشهيد البطل محمد مخلص قنوت رحمه الله.
ولا شك أن حفلات التعذيب الانتقامية التي كانت تلي أي حادث لتذمر أو اعتراض سجين، والتي كانت تعم على الجميع وفيهم الشيخ والمريض والضعيف، كان لها الأثر الأكبر، في منع تكرار هذه الحوادث، وخاصة بعد فتوى أغلب المشايخ والعلماء داخل السجن بعدم جوازها، فلا ضرر ولا ضرار، وليس من نتائجها إلا العذاب والانتقام.