كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حقول طائفيّة 7

عبد الكريم الناعم

*جاءت مناسبة عيد الأضحى، وأحداث الاخوان، رغم الاعتقالات.. ما تزال قائمة، وبمناسبة العيد يذهب الكثيرون لقضاء فترة العيد بين أهلهم وأقاربهم، واستغلّ الاخوان هذه المناسبة، فوضعوا متفجّرات في الحافلات الذاهبة باتجاه مدن وجبال الساحل، وبدلا من أن يصلوا إلى قراهم، مزّقت الانفجارات الرجال، والنساء، والأطفال، وكانت مجزرة لا مسوّغ لها إلّا أنّ مَن قُتلوا وُلدوا من أبوين علويين!! وهذا يستحضر بيتين للأمير المكزون السنجاري، أحد شعراء هذه الجماعة، وهو من شعراء القرن السابع الهجري، فقد قال:
قد بدتِ البغضاءُ منهم لنا
كما لهم منّا بدى الحبُّ
وما لنا إلّا موالاتنا
لآلِ طهَ عندهم ذنبُ
حتى لكأن جرثومة الصراع الهاشمي الأموي لم يُمتْها الإسلام، الإسلام الذي يروي الجميع فيه إنّ امرأة دخلت النار في هِرّة حبستْها، فلا هي أطْعمتها، ولا أشْربتْها، ولا هي تركتْها تأكل من خشاش الأرض، امرأة تدخل النار في هرّة، إسلاميّا، ورجل يصعد إلى جنان الرب بدماء سفكها، وأصحابها يشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمدا رسول الله، فدقّق، واعجب!!
*في تلك الأثناء جرت محاولة اغتيال للرئيس حافظ الأسد، فبينما كان ذاهبا لممارسة مهامه، فوجئ بإلقاء قنبلة عليه، وحين وصلت قربه، ضربها بقدمه فأبعدها، وأعقب ذلك رشقات رصاصية، وكان قريبا من القنبلة عريف في الجيش، فألقى نفسه فوق القنبلة، فمزّقتْه، وحمى الرئيس من آثارها،
حدّثني أحمد إسكندر وزير الاعلام آنذاك، أنّ الرئيس قال له: "لقد كان الرصاص يمرّ قرب أذني، ومن أمام وجهي".
على أثر هذه المحاولة أرسل رفعت الأسد، قائد سرايا الدفاع، مجموعة من قوّاته إلى سجن تدمر، وأطلقت النار على مَن كانوا فيه من الاخوان، وقد خلق هذا مشكلة فيما بعد، إذ لم يُعلَن عن موت، أو إعدام أحد، وهذا خلق مسائل تتعلّق بالطلاق، والإرث، وما شاكل ذلك.
*السؤال المركزي، لماذا هذا الاستهداف لأبناء العلويين، فهم ليسوا من المستفيدين من عهد حافظ الأسد إلّا بمقدار، لا يُذكَر مقارنة بما استفاد منه الآخرون، وكانت قراهم في الجبال، وما زالت، تشكو من الإهمال، وعدم العناية المطلوبة، لا سيما فيما يختص بمنتوجات أراضيهم، والغالب عليها الزيتون، والحمضيات وبقية الأشجار المثمرة، والتّبغ، وما زالوا حتى الآن حين إعطاء المواسم، تسعّر الجهات المختصّة الكيلو بما لا يسدّد النفقات، وبعضهم يتركها في الأرض كسماد، والمستفيد من التسعير تجار سوق الهال، ومَن وراءهم، الذين يشترون بالرخيص ويبيعون بالأغلى، وتلك المنتجات لو أُحسن استخدامها فسوف تشكّل موردا اقتصاديا نوعيّاً.
مَن يريد الضغط يستطيع الوصول إلى مفاصل مؤلمة في السلطة، وهذا لم يحدث إلاّ مرة واحدة، في محاولة اغتيال عبد الحليم خدام، حين كان نائبا لرئيس الجمهورية، ولم يُستهدَف أيّ سنيّ آخر، مما يؤكّد أنّ الغاية هي إحداث حرب أهليّة داخل البلد بين العلويين والسنيين، وهذا خطير جداُ على مصير كلا الطائفتين، والذي انفجر علناً في الحريق الداعشي الذي سنمرّ عليه،
العلويون أقلّ المستفيدين، ممّن هم في السلطة، استفاد البعض منهم من موقعه، وهي استفادات فرديّة. الاستفادات الكبرى، والمواقع الحساسة كانت معظمها لأفراد حزبيين من السنّة.
قلتُ ذات مرّة لأحد المسؤولين العلويين، وكنتُ في زيارة لدمشق: "هل شاهدتَ تلك القصور المشيدة في أعالي جبال الساحل، تنظر إلى البناء في رأس الجبل، فتظنّ أنّ طائرا أسطوريّاً قد أنشب مخالبه فيه ويريد أن يطير به"؟!!
قال لي: "كم قصرا بُني في تلك الجبال"؟، قلتُ: "لا أعلم"، قال: "خمسون"؟ قلت: "لا أعلم" قال: "مئة؟"، وأنا أقول لا أعلم، وظلّ يزيد في الرقم حتى بلغ رقم ثلاثمئة، فقلت لإنهاء العدّ، لنقلْ: "ثلاثمئة"، فأجاب: "كل ما بُني في تلك الجبال لا يعادل صفقة يجريها (فلان) وسمّى رئيس وزراء تلك الفترة، فقلت: "لم تخرج عن كونك قارنتَ لي لصوصاً صغاراً بلصّ كبير"، ولو كان لدى مَن بنوا تلك القصور معرفة بكيف تُدار الأموال لوظّفوا أموالهم فيما يدرّ عليهم الأرباح، بدلا من تجميدها على شكل حجارة، يبني أحدهم قصرا يُشبه القلعة، وبطوابق متعدّدة، وهو لا يزوره في العام إلّا في أيام قليلة في موسم الصيف، فأيّة عقلية هذه؟!! إنّها عقليّة التشبّه بـ(الأكابر)!!
*ممّا يزيد المُفارقة أنّ ثمانين بالمئة من نزلاء السجن السياسي كانوا من الشباب العلويين، وكلّ ذلك لم يشفع لهم عند الذين تمترسوا عند فتاوى ابن تيميّة، والفتوى الحامديّة التي صدرتْ أثناء احتلال العثمانيين لهذه البلاد، والتي أفتت بكفر العلويين، وإباحة دمائهم، وسبي نسائهم، وقتْل الذكور منهم ممّن بلغ السابعة فما فوق، والصغار إذا ظهر منهم ميل لآبائهم يُقتلون!!
تُرى أيّ دين هذا الذي يبيح قتل مَن يشهد أن لا إله الّا الله، وأنّ محمداً رسول الله، وأنّ القرآن كتاب الله، ولقد وُلدتُ في هذه الطائفة، وأُشهد الله أنني ما سمعتُ، ولا رأيتُ من يخالف هذه الشهادة، وما من بيت من بيوتهم يخلو من القرآن، فعلامَ كل هذا الضخّ السامّ، والذي ليس فيه أية مصلحة للوطن الذي وُلدْنا فيه؟!
إليك هذه الحادثة، التقى زائران على باب سجن المزّة، جاءا لزيارة مَن لهما فيه، وكما تعرف في بلادنا يتعارف الناس بسرعة، قال الأوّل للثاني: "حضرتك من أين"؟ فأجابه: "أنا من مدينة الأبطال"، وثقّل لفظ (الأبطال)، يعني من (حماه)، جئتُ لزيارة أخي"، فأجابه: "والنّعم"، فسأله الحموي: "وحضرتك من أين"؟ فأجابه: "أنا من قرية أبو حكفة الشمالي (قرية كلّها علويون، تبعد قرابة ستين كيلو مترا إلى الشمال الشرقي من حمص)، فسأله الحموي باستغراب: "ومَن لك هنا"؟! فأجابه ببساطة: "لي أربعة أبناء كلّهم خريجو الجامعة"، فبدا على الحموي شيء من الانكماش.
*******
*بعد أن استقرّ الوضع للرئيس حافظ الأسد، ونعمتْ سوريّة بفترة من الهدوء، وفي عهده، بتوجيه منه، كان لدى سورية من احتياط القمح ما يكفي البلاد لمدّة خمس سنوات، ووصلت مرحلة ليس عليها دين لأحد، ومُدّت الطرقات، ووصلت الكهرباء إلى أقاصي البلاد، وساد الأمن، فقد صرّح نائب رئيس هيئة السياحة في العالم،- أظن هكذا اسمه- أنّه شاهد نساء في مدن سورية عدّة، يخرجن وحدهنّ من بعض البيوت، بعد الساعة الثانية ليلا دون مرافقة أيّ رجل، يسرن إلى بيوتهن مطمئنات، غير خائفات، وأنّ مثل هذا لا يحدث في أرقى عواصم الغرب،
*بدتْ بعض علامات الطائفية في الحزب، في المحافظات التي فيها سنيّون وعلويّون، وفي المحافظات التي ليس فيها تعدد طائفي برزت العائليّة، والمناطقيّة، والعشائريّة، وتكتّلات مصلحيّة، واهتم الرئيس حافظ الأسد بالجيش، وبفروع الأمن، أكثر من اعتماده على الحزب، ممّا جعل الحزب صورة مصغّرة عن الواقع، بدل ان يكون رافعة للتخلّص من السلبيات المتوارثة،
ذات انتخاب حزبي في فرع الحزب بحمص، كان ثمّة قائمتان توضعان في صندوق الانتخاب، القائمة الأولى ليس فيها أيّ اسم حزبي علوي، والثانية ليس فيها اسم أيّ حزبي سنّي، وكان هذا مؤشِّرا خطيرا يستدعي المعالجة.. المنظمات الأخرى، في معظمها، كاتحاد الفلاحين، والشبيبة، والطلاب، والصيادلة، والأطباء، العمال، الخ.. بدت أشبه بالديكور، وإن لم تخلُ من بعض الإيجابيات، وبظنّي أنّ القيادة القطرية حين قرّرت أن على كل فرع أن ينسّب عدداً محدّدا في كلّ عام.. هذا دفع الفِرق، والشعب، والفروع الحزبيّة، إلى تنسيب أناس لم يطلبوا الانتساب للحزب، ومن خلال هذا وغيره تسرّب الكثيرون للتنظيم، وإلّا فما معنى أن نجد مَن كان أمين فرع للحزب، حين بدأ الحريق الداعشي، وهو من الناشطين لصالح ذلك الحريق، ولقد قُتل في تلك الفترة.
أرسلت في 31/10/2024