كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عن الاخوان والبعث.. حقول طائفية6

عبد الكريم الناعم

 *سأتحدّث عن الاخوان والبعث،
لقد اعتبر الاخوانُ الشيوعيين، والبعث، احزاباً كافرة، والسوريين القوميين، إلى حدّ ما، ولم يتعرّضوا لحزبي الشعب والوطني اللذين حكما سوريّة زمناً طويلا، وذلك لأنهما كانا يعبّران عن تطلّعات التجار، والملّاك، وبعض هذه الطبقة كان، بشكل ما متحالفا مع الاخوان، بل ويشكّل رافداً مالياً لهم، وإذا كان الشيوعيون يعتبرون الالحاد مبدءً لهم، ولا يخفون ذلك، ولا أتّهم جميع الشيوعيين بذلك، فما الذي يسوّغ لهم تكفير البعث؟!
عام 1953طُلب منّا كبعثيين أن نخرج في مظاهرة، وكانت مظاهرة طلّابيّة، فالتقينا قرب مقرّ السرايا القديمة في حمص بمظاهرة كبيرة جداً للإخوان، وكانوا إذا مرّوا بعامل يعمل يقولون له: "هذه أجرتك واخرج معنا"، وإذا وجدوا عاملا ينتظر من يدعوه لعمل ما، يقولون له: "هذه أجرتك وامش معنا"، وقاد تلك المظاهرة أحد أقطاب الاخوان في حمص، عبد المجيد الطرابلسي، وحين وقف يخطب، ويُحرّض طائفيّاً، صرخ أحد البعثيين بصوت عال: "لا تستمعوا إلى هذا الدجّال"، فصاح الطرابلسي جملته الشهيرة من قتل بعثياً دخل الجنّة، وانهالت علينا الرفوش، والمعاول، والعصيّ.
هذا الطرابلسي صار فيما بعد رئيسا لبلديّة حمص، وعضواً في مجلس الشعب، ووزيرا للأوقاف في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد!!
*في ذلك الزمن كانت الدعوة للاشتراكية قد أصبحتْ همّاً لدى الشعوب الفقيرة، يدعم ذلك الاتحاد السوفياتي بمنظومته، فاستجاب لتلك الدعوة بطريقة خاصة، المرشد العام للأخوان الشيخ الدكتور مصطفى السباعي، وأصدر كتابه "الاشتراكيّة في الإسلام".
*حين نجح انقلاب الثامن آذار 1963 كان من أشدّ المعارضين كبار التجار، وأصحاب رؤوس الأموال، والاقطاعيون، يدعمهم الاخوان، وحين أغلقت الأسواق في دمشق، وحمص، وحماه، وحلب في وقت واحد، تعاملت سلطة البعث بالقوّة، وهدّدتْ بفتح المحال وتسليمها (للحرس القومي)، وفي هذه المعمعة قتلوا في حماه حارساً قوميّا هو الأخ الشقيق للكاتب والصحفي نصر الشمالي، فكان أوّل مَن قُتل من أجل البعث.
الجدير بالملاحظة أنّ مدينة حماه كانت في كلّ التحرّكات المناهضة للسلطة يظهر فيها العنف أكثر من غيرها، فأحدهم اعترف على شاشة التلفزيون السوري آنذاك، بأنّه أخذ أحد مؤيدّي الحكم، وجرّه إلى الجبّانة وذبحه، قالها بهدوء مدهش، وقد نقلت الفضائيات في بدء تحرّك الدواعش كيف قتلوا عدداً من أفراد الشرطة ورموهم في نهر العاصي، في حماه.
*حين غدر السادات بما اتّفق عليه- مع الرئيس حافظ الأسد، فيما خططا له لحرب تشرين 1973 توجّه الأسد باتّجاه بغداد التي كان يحكمها البعث، جناح القوميّة، ولقد كانت اللقاءات الأولى مشجّعة، وقد سألت ذات لقاء وزير الاعلام الأسبق أحمد اسكندر، وكان وزيرا للإعلام، وعضوا في القيادة القطرية، كيف هي اجتماعاتكم مع العراقيين، فقال بتفاؤل: "كأنّنا في اجتماع خليّة حزبيّة واحدة" غير أنّ جماعة الاخوان كانوا قد أعدّوا مفاجأة مُذهلة، فحين كان الرئيس الأسد في بغداد يجري تفصيلات مباحثات الوحدة بين بغداد ودمشق، أقدم النقيب ابراهيم اليوسف، وهو ضابط (بعثي) في مدرسة المدفعيّة بحلب، أقدم على مجزرة طائفيّة مُفزِعة، فقد فرز طلاب الضباط إلى سنيين وعلويّين، وحين تمّ الفرز رأى أنّ أحد طلاب الضباط السنيين بقي مع العلويين، فسأله: "لماذا أنت هناك ولستَ علويّاً؟"، فأجابه: "هؤلاء رفاقي ولا أريد أن أتركهم"، وكان مع الذين استشهدوا، وكانوا أكثر من سبعين طالباً على أهبة التخرّج، وقد وصل الخبر إلى الرئيس حافظ الأسد وهو في بغداد يُجري مباحثاته.
المجريات بشأن وحدة دمشق وبغداد بعد ذلك معروفة، وإلى ما آلت إليه، بعد أن غادر البكر رئاسة الجمهوريّة.
اللافت بعد ذلك أنّ بعض قيادات هؤلاء الاخوان كانت تقيم في بغداد، وتتلقّى الدعم بالمال والسلاح.
*في النصف الثاني من عام 1975، وعلى الأغلب في أواخر عام 1978 بدأتْ اغتيالات لأسماء معروفة من العلويين، لا يُعرف من يقوم بها، ومنها الحقوقي اللامع الدكتور محمد الفاضل، أستاذ الجامعة، والذي دافع عن الفدائيين في إحدى المحاكم الدوليّة، والعقيد الدكتور محمود شحادة، الفذّ في اختصاص جراحة الأعصاب، والذي حين سمع أساتذة السوربون بمقتله، الجامعة التي تخرّج منها أوقفوا الدراسة لمدة ساعتين حزنا عليه، وبدأت التكهّنات، وسرت أقاويل أنّ وراء ذلك رفعت الأسد، الأخ الشقيق لحافظ الأسد، وقائد سرايا الدفاع، وربّما كان نشر هذه الشائعة من صُنْع من يتدبّرون أمر الاغتيال.
كثّف الأمن من دورياته، على مخالف الطرق، وبالمصادفة اعتقلوا "حسني عابو"، وهو مواطن حلبي، وعثروا في سيارته على ما يدلّ أنّه من جماعة الأخوان، واعتُقل واستُجوب، وأدلى باعترافات هامّة، جعلت الأمن يعرف مَن هو وراء هذه الاغتيالات، وقد أُجريت معه مقابلة، بُثّت من التلفزيون السوري، وقد حدّثني وزير الاعلام أحمد إسكندر، أنّه طلب أن يُحضر عابو إلى مكتبه بعد إذاعة المقابلة، وحين أحضروه استقبله، وقام من وراء مقعده، وجلس قريبا منه، وطلب له ضيافة، وقال له: "تعال نتحدّث كاثنين نعتبر أنفسنا مثقفين وواعين، لا أنا وزير، ولا أنت متّهم، هل أنت مقتنع بهذا القتل الطائفي"؟ فأجابه: "لا، أنا لستُ مقتنعاً به، وقد أدليتُ برأيي في الاجتماع الذي ناقشنا فيه هذا الموضوع، وجرى التصويت، فكان التصويت ليس لصالحي، ولكنْ.. أنا ابن هذا التنظيم، وعليّ أن أنفّذ، وكان القرار أن نختار أشخاصا معروفين في الأوساط العامة من العلويين، بحيث يترك أصداء واسعة اجتماعيا ونفسياً، وحين لم يعطِ هذا القرار نتيجته المطلوبة، تقرّر أن نقتل أيّ علويّ ولو كان كناساً في الشارع".
*ذات عام تحرّك الاخوان تحرّكاً مسلّحا في حماه، وسيطروا على معظم أحياء المدينة واستخدموا مكبّرات الصوت في المساجد لاستنهاض الهمم، وقتلوا من قتلوا ممَن هو مع الدولة، وكانوا يُحضرون البعض من المسؤولين، والحزبيين الى مسجد، سمّي فيما بعد "جامع التوبة"، ليُعلن، عبر مكبّر الصوت، توبته، وانسحابه من الحزب، وحين اشتدّ شغبهم أرسل الرئيس الأسد القوات الخاصة بقيادة اللواء علي حيدر، ودارت معارك طاحنة، فتهدّمت أحياء بكاملها، واستغرق إخلاء المدينة منهم أكثر من خمسة عشر يوماً.
- أنا أدرك أنّ عدم ذكر التاريخ نقص في المعلومة، وأثق بأنّك قادر على تحديدها أكثر مني فاعذرني.
*أشير إلى ما جرى في حمص مدينتي، كشاهد، قُتل في البداية الرئد جابر عليا، من مدرسة االمدرعات، وهو يشتري دواء من إحدى الصيدليات، ثمّ قُتل تاجران للأقمشة في سوق الناعورة، ثمّ رئيس تحرير جريدة العروبة فائق محمد، ثمّ ثلاثة من البائعين المتجوّلين الذين يدفعون عرباتهم وعليها بضاعة يسترزقون الله.. الأطباء والمهندسون العلويون، تركوا مكاتبهم وانتقلوا إلى أحيائهم، لحماية أنفسهم.
*جماعة الاخوان كانوا مدرّبين تدريبا عاليا، أحد أفرادهم من مدينة حماه، أعلن أنّه تدرّب في إحدى الدول الافريقية، وأنّه أطلق، في التدريب مليون ومئتي ألف طلقة كلاشنكوف، ومسدس، وكان بإمكانه أن يضع رصاصته حيث يريد، وهو يقود سيارته بسرعة مئة وعشرين كيلو مترا في الساعة.
تُرى مَن يدفع هذه التكاليف الباهظة؟!
*لوحظ أنّهم اختاروا أهدافا، درسوها بعناية، فقد اغتالوا، علي سبيل المثال اللواء عبد الكريم رزوق، قائد سلاح الصواريخ، على باب بيته، وهو عائد من ثكنته، كما نصبوا كمينا لسيارة مبيت ضباط قرب مصياف وأوقعوا ما أوقعوا بها، وهم من ضباط الدفاع الجوي.
*في تلك الفترة أرسل لي العقيد غازي كنعان، رئيس فرع المخابرات العسكريّة، أنه يريد أن يراني، وأثناء مقابلته أبلغني أنّهم قد ألقوا القبض على واحد من اثنين قاما برصد تحركاتي، متى أخرج من البيت، وأين أنزل من الحافلة، وتوجّهي إلى نادي المعلمين القديم، حيث كنتُ مديرا له، وطلب مني أن أحترس، قلت له ماذا أفعل؟ لقد استطاعوا اغتيال ضباط معهم مُرافقة، فما الذي أستطيع فعله؟.. بعد يومين اتصل بي المقدم مصطفى أيوب رئيس فرع أمن الدولة، وطلب أن يراني، وفي اللقاء أبلغني أنّ الأمن قتل أحد جماعة الاخوان، في سوق الحشيش، ووجدوا في جيبه مخططا للبيت الذي أسكنه، وقد وُضعت عليه إشارة ضرب.
لقد عشتُ خوفا حقيقيا، فأنت أمام عدو يعرفك ولا تعرفه، وكانت حيطتي الوحيدة أنني لم أعد أغادر البيت في وقت محدّد، ولا أعود في أوقات محددة، كل هذا وأنا لستُ منظما في الحزب، وليست لي أية مسؤولية، بل أنا مستهدَف لأنني مولود من أبوين علويين!
*لقد لاحق ظلّ الاخوان سورية حتى في علاقاتها مع الأصدقاء، فقد حدّثني المرحوم اللواء إبراهيم يونس، سفيرنا في إيران، أنّه حمل رسالة من الرئيس حافظ الأسد للإمام الخميني، أثناء اشتداد المواجهة مع الاخوان المسلمين، فاستقبله الخميني بغير طلاقة وجه، وسأله بما يشبه الاحتجاج "أنتم في سورية، كيف تقتلون أناسا يشهدون أنْ لا إله إلّا الله وأنّ محمدا رسول الله، ويصومون ويصلّون"؟!! فأجابه بديبلوماسية: "ابن ملجم، قاتل الامام علي (ع) كان يصوم ويصلي ويشهد هذه الشهادة"...
أرسلت في 28/10/2024