كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ملاحم الدفاع عن قمة جبل الشيخ

علي سليمان يونس

في مثل هذه الايام عام 1973 م.. أخصص الحديث عن المقاتلين المغاوير الذين تبدت صفاتهم البطولية في أكثر الأيام بلاء وصموداً فوق مرتفعات جبل الشيخ.
أقول:
إن خلف كل صخرة وكل تبةٍ, مأثرة الدفاع البطولي الذي تجسد في شجاعة المغاوير وتفانيهم. كان جبل الشيخ موضع الاهتمام الزائد للقيادة العسكرية للعدو، وكان تفكيرهم مركزا على استعادة المرصد الذي أقاموه فوق جبل الشيخ من أيدي القوات العربية السورية. ومنذ أن سقط المرصد المعادي في أيدي المقاتلين السوريين وعشرات الطائرات المعادية تغير في موجات على المواقع الدفاعية فوق التباب المحيطة بالمرصد. وان ما حدث في 21 و22 تشرين الأول عام 1973 في منطقة جبل الشيخ أمر يفوق التصور والخيال... ففي هذه المنطقة جرت معركة دفاعية مستميتة... كان هدير الطائرات المنقضة يختلط بالقصف المدفعي ورمي الهاونات، محدثا دويا مستمرا وكان يبدو من المحال في بعض الأحيان أن يظل المرء حيا، وأن يصمد في هذا الخضم من النيران... جرت معارك طاحنة.. وحارب أخوتكم وأبناؤكم ببسالة رائعة قل نظيرها...
ففي الساعة 15 و 15 من يوم 21 تشرين الأول اتصل النقيب "سليمان الحسن" من الكتيبة 82 مظلات بالمرصد الصديق في جبل الشيخ يستفسر عن الموقف، وكان الموقف ينبئ عن معركه عنيفة ستدور بالقرب من المرصد الصديق ولا سيما وأن العدو قد ركز نيرانه على هذه المنطقة منذ الدقائق الأولى للمعركة، وهنا دوى فجأة صوت طلقات على التباب المحيطة بالمرصد القديم. التي هبطت عليها طائرات عمودية معادية تحمل مجموعات من "كوماندوس" العدو. لم يكن هجوم العدو على المرصد الصديق إلا تمهيدا للهجوم الكبير على المرصد الجديد الذي حررته قواتنا في أول يوم من أيام حرب تشرين المجيدة، لم يمضِ وقت طويل حتى شدّد العدو قصفه الجوي و رمايات مدفعيته وهاوناته على منطقة المرصد الجديد الذي يتمسك به المقاتلون السوريون.
غربت الشمس، ولكن الجو ما زال مضيئا، وفوق المرتفعات والتباب بدت السماء حمراء كالدم، وليس من الصعب أن تحكم أن سبب هذه الحمرة هو الانفجارات والأنوار الكاشفة، وليس شفق الشمس الغاربة.... لم تغمض في تلك الليلة عيون المقاتلين الأبطال، كان عليهم أن يكونوا يقظين كي لا يتيحوا للعدو فرصة التسلل في جنح الظلام، ولا يمكنوه من الضربة المفاجئة.
كان المقاتلون المغاوير الذين يقودهم الملازم الأول "محسن سلوم" موزعين على ثلاث مجموعات:
- المجموعة الأولى بقيادة الملازم "صبرا خازم".
-المجموعة الثانية بقيادة الرقيب الأول "منير عيسى".
- المجموعة الثالثة بقيادة الملازم "سميع شحرور"...
وفي الدقيقة الثلاثين من يوم 22 تشرين الأول اعلم قائد المجموعات الملازم الأول محسن رئيس أركان الكتيبة النقيب "صبحي الطيب" أن دبابات العدو وآلياته تتقدم على ثلاثة محاور تؤدي إلى مرصد جبل الشيخ.. وكانت تعليمات النقيب صبحي تقضي بالامتناع عن فتح النيران والسماح للعدو بالتقدم حتى مسافة قريبة جدا... وفي الدقيقة الخامسة والأربعين بدأت عناصر الأسلحة م/ د (ر. ب. ج 7) بالرمي على الدبابات المعادية المتقدمة على المحاور الثلاثة. وفي الوقت ذاته أخبر الملازم صبرا ان العناصر المعادية ترجلت من الآليات، والتفت حول موقع المجموعة الأولى من الجهة الخلفية. ولم تكد تصبح على مسافة قريبة حتى أمطرها المقاتلون المغاوير بنيران مفاجئة، أثارت في صفوفها الرعب والفوضى. وبعد اشتباك عنيف سقط عدد كبير من الأعداء يقدر بثمانين جنديا، وتم تدمير عدد من الدبابات... وفي آن واحد، وجّه مغاوير المجموعة الثانية ضربة نارية مميتة إلى العدو المتقدم أشاعت الفوضى في صفوفه. وفي صوت واحد غاضب غطّى ميدان القتال كانت تجلجل صيحة النصر "الله اكبر". ومن الخنادق والحفر الفردية تدفق سيل من النيران، وأوقع خسائر كبيرة في قلب القوات المعادية المهاجمة. كانت هذه أول ضربة نارية كاسحة كبدت العدو خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد. وقد انتهت كل المحاولات الهجومية التي قام بها العدو للوصول إلى مرصد جبل الشيخ لإستعادته من القوات السورية بالفشل الذريع وأصبحت المحاور الثلاثة المؤدية إلى المرصد تحت نيران كل أسلحة السرية الثالثة من كتيبة المغاوير 133. ومضى الليل وأطل صباح يوم 22 تشرين الأول...
عند ذلك لاحظ الجميع أن القصف اصبح الآن قويا يصم الآذان ويهز الأرض. اتصل الرقيب الأول منير عيسى قائد المجموعة الثانية بالملازم الأول محسن وأخبره أن العدو بدأ بإنزال طائراته العمودية شمال غرب المرصد، وأن قوات كوماندوس العدو الهابطة على بعد 500 إلى 800 متر بدأت تتقدم على أنساق، وإن العدو أنزل عدداً من الطائرات أيضاً على المرتفع 1224 الموجود شرقي المرصد، ترجل منها عدد من العناصر المعادية، أقامت كمائن ونقاطا نارية راحت ترمي على المرصد من الاتجاه الشمالي والشمالي الشرقي بالتعاون مع القوات المهاجمة على المحاور الثلاثة السابقة. واتصل الملازم سميع شحرور بالملازم الأول محسن وأخبره بأن العدو قد بدأ هجومه الثاني مستخدماً الدبابات استخداماً كثيفاً... سمح المقاتلون المغاوير للعدو بالتقدم نحوهم حتى مسافة قريبة وفجأة أمطروه بوابل من النيران، غير أن الدبابات المهاجمة حاولت على الرغم من ذلك اختراق ستارة النيران والتقدم إلى الأمام. وحاول العدو الالتفاف حول قواتنا إلا أن المقاتلين المغاوير قاموا بمناورة سريعة ووجهوا إليهم ضربة مميتة. أصبحت المعركة صعبة ودموية بالنسبة للمدافعين عن المرصد، فالقصف الجوي الثقيل و رمايات المدفعية المتواصلة وتزايد هجوم القوات المعادية والتفوق العددي الكبير كل هذا جعل القتال أكثر عنفاً وضراوة مما كان عليه.. ولقد أثارت هذه الإستماتة في المقاومة حنق قادة العدو الذين كانوا يقودون الهجوم على المرصد، فلم يكونوا يتوقعون مثل هذا الصمود... كانت هذه المعركة الدفاعية قاسية لما تميزت به من طابع العنف والاستماتة.. كان المقاتلون يحاربون في ظروف الجوع والإنهاك ويقاومون العدو في غضب وشجاعة وحتى أولئك الذين جرحوا اكثر من مره لم يلقوا السلاح.. بل ظلوا يواصلون القتال...
وفي هذا القتال الدامي وجد المقاتلون المغاوير قوه هائلة في أنفسهم لخوض معركه غير متكافئة استمرت حتى الساعة 16 و45 يوم 21 تشرين الأول مستخدمين القنابل اليدوية و الأسلحة الفردية والجماعية، قاتلين و جارحين عدداً لا يُستهان به من الأعداء. ولقد ارغموا العدو للمرة الثانية على التراجع بعد أن أوقعوا الارتباك في صفوفه... ولم يمضِ وقت طويل حتى شن العدو هجومه للمرة الثالثة زاجاً في المعركة بقوى جديدة. وفجأة تحولت المرتفعات والتباب المحيطة بالمرصد إلى خط ناري هادر. وعادت مدفعيته تصب قذائفها على المواقع الدفاعية وقد ملأ الدخان والغبار المرتفعات والتباب المحيطة بالمرصد... نشبت في المواقع الدفاعية الالتحامات المباشرة بالسلاح الأبيض والقنابل اليدوية بين المعتدين والمقاتلين السوريين وارتفع هنا وهناك دوي الانفجارات المفاجئة العنيفة و صمد المقاتلون المغاوير أبطالا يواصلون معركتهم الدامية ومستقبلين في شجاعة عظيمة الهجوم المعادي. وقد قاوموه بضراوة صامدين فوق التراب العربي، وحاربوا بعنف وهم يفكرون في الوطن وفي إخوانهم الذين ضحوا بأرواحهم وهم يدافعون عن كل شبر من أرض الوطن. لم يبدُ أمامَ أعينهم أي شيء سوى... النصر أو الاستشهاد...
إن مأثرة هؤلاء المقاتلين المغاوير مثل من أمثلة الإخلاص والوفاء اللذين أبداهما المقاتلون السوريون تجاه الوطن والأمة. ولن ينسَ رفاق السلاح الشهيد الرقيب الأول منير عيسى الذي استشهد وهو يؤدي الواجب العسكري في أشرف معركة دفاعية بطولية، والشهيد المجند محمد نور المنجد الذي كان صائما وكان يردد: "ما أحلى الشهادة في رمضان"، والشهيد العريف نايف كنعان، وغيرهم من الشهداء الذين سجلوا بدمائهم صفحة رائعة من صفحات التضحية والفداء.
لقد تكبد العدو ما يقارب/ 1500 / إصابة بين قتيل وجريح، (600 قتيل و 900 جريح)..
((عندما قامت جولدا مائير رئيسة وزراء الكيان بزيارة جرحى جبل الشيخ الذين وضعوا في ثلاث مستشفيات في تل أبيب اُغميَ عليها ثلاث مرات لهول المشاهد التي رأتها مرتسمة على وجوه الجرحى)).
المجد والخلود لشهداء تشرين ولجميع شهداء الوطن.. والتحية لابطال حرب تشرين وقائد تشرين.. والنصر المؤزر قادم لرجال الله على الارض بقيادة الرئيس بشار الاسد.
عشتم وعاش الوطن..