حول المسألة الكردية
2024.08.10
بشّار عباس
كنت قد كتبت مقالا حول الأقليات القومية نشرته مجلة "جيل الثورة" في نهاية عام ١٩٧٠، واوضحت فيه وجهة نظري أن التعامل مع الأكراد يجب أن يكون على قدم المساواة من ناحية الحقوق الثقافية والسياسية مع جميع السوريين، وإلا فإن سورية تخاطر باستغلال الورقة الكردية من قوى أجنبية لا تريد الخير لاهل سورية، في هذا الجانب لا بد من الإشارة إلى مسألتين متناقضتين:
الاولى: عانى الأكراد من إحصاء عام ١٩٦٢ في عهد الانفصال الذي أغفل تسجيل كثير من الاكراد، ومما زاد الطين بلة أن موجات الهجرة القادمة من تركيا لم تتوقف فاختلط القادمون الجدد مع الذين تم اغفالهم في الاحصاء المذكور وبالتالي تعاظمت المشكلة، كما أن سلطات الشمال السوري اخذت تضيق على الأكراد في الشمال وتمنع انتقال الاراضي بالوراثة الا بعد موافقة أمنية يصعب الحصول عليها، وذلك في إطار ما عرف بسياسة الحزام العربي (1965)، وهكذا شعر الأكراد بالتمييز، إضافة إلى انعدام اي ادب مكتوب أو مسموع باللغة الكردية، حرصا على وحدة التراب الوطني، ثم كان من شأن بعض الحريصين بشدة على اللغة العربية أن منعوا تبادل الحديث باللغة الكردية بين تلامذة المدارس، وهذا ما زاد حجم المشكلة وبدلا من تقريب الأكراد من الإحساس بأن وطنهم الأم يقدم لهم افضل معاملة، صاروا يشعرون بنوع من التمييز الذي ستستغله قوى خارجية فيما بعد.
الثانية: وهي المسألة التي تشكل الجانب الآخر من الصورة تكمن في أن القضية الكردية ليست سورية في الأساس بل هي مشكلة تركية بدأت مع تحالف أكراد تركيا مع اتاتورك ضد معاهدة سيفر عام ١٩٢٠ على الرغم من أن هذه المعاهدة منحت دولة للأكراد ولكنها منحت دولة أخرى للأرمن ومنحت مناطق أخرى لليونان (إزمير)، وكانت حجة الاكراد في ذلك أنهم يساندون دولة الخلافة الاسلامية، أما عندما وقع اتاتورك معاهدة لوزان عام ١٩٢٣ والغى الخلافة عام ١٩٢٤ هب الاكراد بقيادة الشيخ سعيد ضد اتاتورك في بداية عام ١٩٢٥، وقد سحق أتاتورك هذه الثورة بكل قسوة ومارس سياسة تتريك الأكراد وباقي الأقليات في تركيا، فكانت اولى الهجرات الكردية الكبرى من تركيا إلى سورية التي لم تتوقف حتى ما بعد السبعينات، وبذلك دفعت سورية ثمن اضطهاد الأكراد في تركيا. وعندما أقول إن المسألة الكردية لم تكن موجودة في بداية القرن العشرين فهذا لا يعني أن الأكراد لم يكونوا موجودين بل إنهم كانوا في دمشق وحلب وجبل الزاوية واللاذقية وحماة وحمص، ولكنهم كانوا مندمجين في المجتمع السوري كباقي الأقليات القومية من شركس وارمن وغيرهم، حتى أن زعيم ثورة الشمال (جبل الزاوية) ضد الفرنسيين ابراهيم هنانو وهو كردي. لم يكن يوجه نداءاته إلى الأكراد بل إلى العرب.
وفي سورية كان وجود مسؤولين كبار من اصل كردي مثل رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس الأركان وقائد الجيش مسألة عادية تماما لا تلفت انتباه أحد. إذاً المشكلة الكردية هي مشكلة طارئة لا يزيد عمرها على قرن واحد. وعلى الرغم من ذلك فإن موجات المهاجرين من تركيا أصبحوا جزءا من النسيج السوري ولا يمكن تجاهلهم، بل ينبغي العمل على اندماجهم في المجتمع.
حزب العمال الكردي ومرحلة سنجار:
وقد استمر النزاع بين الأكراد والحكومة التركية فترات طويلة واشتد بعد تأسيس حزب العمال الكردستاني (بي كي كي) عام 1978 وتصاعد واتخذ شكله العسكري في الثمانينات، لتنخفض حدته بعد اعتقال زعيم الحزب أوجلان في نيروبي في شباط 1999 والذي أعقبه وقف إطلاق النار من الجانب الكردي في أيلول 1999 وإبعاد مقاتلي الحزب إلى جبل سنجار في العراق.
مرحلة الحرب السورية:
وهنا نصل إلى الأحداث التي جرت قبل عقد من السنوات تقريباً فبعد سيطرة تنظيم داعش على الموصل عام 2014 وإعلانه تشكيل دولة تسيطر على مساحة واسعة من الأراضي السورية والعراقية، قررت الإدارة الأمريكية القيام بتصفية التنظيم، وأخذت تبحث عن حليف محلي موثوق يخفف من الخسائر في صفوف الجيش الأمريكي، ووفقاً للروايات فقد عرضت القوات الأمريكية هذه المهمة على فصائل من المعارضة المسلحة السورية فلم تقبل بها من منطلق رغبتها بالتفرغ لمحاربة النظام أو لأنها لا ترى ان داعش هي عدوها الرئيسي، وكذلك كان موقف الحكومة التركية التي كانت ترى ان وجود داعش يفرمل نمو قوة الأكراد، وبالتالي فلم تكن تصفية داعش على سلم أولوياتها، وقد قبلت بعض فصائل المعارضة السورية المسلحة بالالتحاق بهذه المهمة ولكن المخابرات الأمريكية تعقبت مصير الأسلحة التي استلمتها هذه الفصائل، فوجدت أن بعضها تم بيعه إلى جبهة النصرة (التابع لتنظيم القاعدة) وبعضها تم بيعه لتنظيم داعش. وهكذا عقد الأمريكان صفقتهم مع الأكراد الذين نقلوا عدداً كبيراً من مقاتليهم من جبل سنجار ومن تركيا وإيران إلى مدينة عين العرب (كوباني) للدفاع عن المدينة وللقتال ضد داعش.
وهكذا تشكلت قسد بصورة رئيسية من كوادر عسكرية قيادية كردية تركية جاءت من جبل سنجار وضمت في صفوفها عددا من الأكراد والعرب السوريين الذين انضموا بفضل القمع أو اغراء المال، ولا يمكن القول إن قسد تمثل أكراد المنطقة التي تحكمها، كما لا يمكن القول إن داعش أو جبهة النصرة كانا يمثلان السنة في مناطق سيطرة هذين التنظيمية.
مشكلة هذا الشكل الهجين هو أنه يمثل توجه قوتين اجنبيتين: الولايات المتحدة وكوادر حزب العمال الكردي - التركي وهم لا يحاولون اخفاء هذه الانتماءات على الرغم من تناقضها فهم يرفعون صور أوجلان إلى جانب اعلام الولايات المتحدة. أما وجود العرب في هذه التشكيلة فهو وجود رمزي لأفراد اضطرتهم ظروف الحياة إلى الالتحاق بقوات قسد.
خلاصة القول: إن هذا الشكل الهجين غير قابل للحياة وهو مستمر في الوجود بسبب الحماية العسكرية الاقتصادية الامريكية، وهي حماية يمكن أن تتوقف في أية لحظة تجد امريكا أنها استنفدت أهدافها من تشغيل قسد وتجد أنه من الأفضل أن تضحي بها على مذبح المصالح التركية الأمريكية. وخلاصة الخلاصة: لا حل للمشكلة الكردية الا في الإطار الوطني السوري وبالتفاهم بين الأكراد وباقي المواطنين السوريين.