كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الأحزاب السورية في عهد الانتداب الفرنسي

د. عبد الله حنا- فينكس

الكتلة الوطنية
1928 - 1945
اولا
مراحل تكوّن الكتلة الوطنية
بعد خمود الثورة السورية (1925-1927) ظهرت الكتلة الوطنية التي جمعت حولها جماهير واسعة مستلهمة بطولات الثورة السورية، وحاقدة على معاهدة سايكس بيكو وتقسيم بلاد الشام إلى دويلات، ومستاءة من السيطرة الفرنسية وأعمال المستشارين الفرنسيين، الذين مارسوا سياسة توتاليتارية مستبدة.
فمع تراجع الثورة السورية أخذت ترتسم في الأفق، بين سنتي 1926-1927 معالم تكتل سياسي جديد ضمّ قسماً من أعضاء حزب الاستقلال وقسماً من أعضاء حزب الشعب (دون رئيسه الطبيب الشهبندر) ممن لم يشاركوا في الثورة المسلحة. ونتيجة اندماج الحزبين ظهرت في خريف 1927 الكتلة الوطنية، التي لعبت الدور الرئيسي في الحياة السياسية في سورية بين عامي 1928-1945، وترأست النضال الوطني ضد الانتداب الفرنسي. فالكتلة الوطنية هي حصيلة مرحلة الكفاح الوطني السلمي، التي اعقبت مرحلة الكفاح الوطني المسلح (1920 – 1945) وقطفت ثمار تضحيات من رفعوا السلاح في وجه الاحتلال الاستعماري.
عقدت الكتلة الوطنية أول مؤتمر لها في بيروت بتاريخ 25 تشرين الأول 1927 وأقرت بيانا أذاعه هاشم الأتاسي. اطلق عبد الرحمن الكيالي فيما بعد على هذا المؤتمر اسم "المؤتمر الوطني في بيروت" ايذانا بميلاد الكتلة الوطنية ودعوة لانهاء الكفاح المسلح وبدء الكفاح السلمي الذي تزعمته الكتلة الوطنية من عام 1928 إلى عام 1945. وكانت النعومة والكياسة ظاهرة في البيان الذي خاطب المفوض السامي بونسو بالعبارات التالية: "تتهموننا بأننا أعداؤكم وان مصالح الانتداب مهددة مع انكم ادرى الناس بالأمر اللواقع بنياتنا الحسنة... اننا لسنا اعداء فرنسا التي عرفناها بعلمها وحريتها ومدنيتها وثقافتها... ان الشعب السوري مستعد لمد يد الصداقة والمصافحة ونسيان الماضي المؤلم كلما وجد تحقيقا لآمانيه ولسيادته القومية.
ولم يكن ابداء الرغبة في التعاون مع الانتداب الفرنسي نتيجة لقوة الروح المهادنة داخل الحركة الوطنية، بل كان ايضا نتيجة لتوقف رصاص الثورة السورية ورغبة سلطات الانتداب الفرنسي في التعاون مع الاتجاه المعتدل داخل الحركة الوطنية، الذي تطلع الى قطف ثمار الثورة بعد ان قدم غيره التضحيات.
وهكذا بدأت المفاوضات بين سلطات الانتداب وزعيمي الكتلة الوطنية هاشم الاتاسي وابراهييم هنانو، وعلى اثرها قرر الوطنيون الاشتراك في انتخابات الجمعية التأسيسية في 24 نيسان 1928. وقد حققت الكتلة الوطنية انتصارا ساحقا في اتتخابات الجمعية التأسيسية لعام 1928، التي وضعت دستورا وطنيا ليبراليا علمانيا. ولكن الاتجاهات الوطنية الاستقلالية في الدستور لم ترض التفويض السامي الفرنسي الذي حلّ الجمعية وقيّد الدستور بالمادة 116.
وبعد مؤتمر الكتلة الوطنية بأشهر عقد أبناء الساحل في 13 حزيران 1928 مؤتمرا في دمشق ايد ميثاق البلاد الوطني وطلب من الجمعية التأسيسية تحقيق وحدة البلاد السورية بضم جبل الدروز والبلاد المسماة ببلاد العلويين ومناطق بيروت وطرابلس وصيدا ومرجعيون واللاذقية والبقاع وبانياس، التي ضمها المندوب السامي الفرنسي إلى لبنان عام 1920.
ضمّ مؤتمر أبناء الساحل مندوبين عن مدن ومناطق الساحل التي ضمها المندوب السامي إلى متصرفية جبل لبنان وشكل منها دولة لبنان الكبير. وقد دلّ هذا المؤتمر على أمرين: عدم الاعتراف بتجزئة سورية من جهة وسلخ مناطق الساحل عنها وضمها إلى متصرفية جبل لبنان. والثاني التأكيد على وحدة النضال الوطني بين الساحل والداخل والاعتراف بالكتلة الوطنية قائدة لهذا النضال.
ثانيا
القانون الأساسي للكتلة الوطنية
بقيت الكتلة الوطنية منذ ظهورها في اواخر سنة1927 وحتى اواخر سنة 1932 بدون مبادئ واضحة ومنهاج مكتوب وقانون يلزم الأعضاء به. ولهذا تقرر عقد المؤتمر الوطني للكتلة في حمص في 4 تشرين الثاني 1932. اقرّ هذا المؤتمر القانون الاساسي للكتلة الذي بحث في المبادئ العامةوالتشكيلات والمؤتمر العام.
نصت المادة الأولى من القانون الأساسي للكتلة الوطنية على "تحرير البلاد السورية المنفصلة عن الدولة العثمانية من كل سلطة أجنبية وإيصالها إلى الاستقلال التام والسيادة الكاملة وجمع أراضيها المجزأة في دولة ذات حكومة واحدة، على أن يبقى للبنان الحق في تقرير مصيره ضمن حدوده القديمة" أي حدود متصرفية جبل لبنان المؤسسة عام1961.
ومع مطالبة الكتلة الوطنية عام 1932 بالوحدة السورية لم تنس قضية الوحدة العربية وترابطها مع ما يُعرف اليوم بالوحدة القطرية. وقرار الكتلة الوطنية بهذا الشأن يعبر عن واقعية أفتقدتها أحزاب الفئات الوسطى المثقفة التي دعت إلى الوحدة العربية الفورية.
كانت دعوة الكتلة الى تحرر البلاد السورية ووحدتها تعبيرا عن رغبة البورجوازية السورية في ايجاد سوق اقتصادية واسعة وموحدة يسهّل نمو الصناعة ويسير بالبلاد نحو التنمية والتقدم.
كما دعت الكتلة الى "تأمين الحرية والمساواة في الحقوق والواجبات بين افراد الشعب كافة على اختلاف طوائفه، ورفع مستوى الحياة الاجتماعية والاقتصادية ونشر الثقافة وبث الخلاق القومية بين جميع الطبقات مع انمائها وتغذيتها".
*******
الجهاد لله والطاعة للكتلة الوطنية
انطلاقا من الحرص على وحدة الصف الوطني وتأثرا بالموروث الاستبدادي المملوكي العثماني حاولت الكتلة الوطنية المتعددة الزعامات أن تحتكر العمل الوطني وتحجبه عن الآخرين إنْ استطاعت . فقد جاء في القانون الاساسي:
"تعتبر الكتلة الوطنية ان الأمة جمعاء بكل ما لديها من قوة معنوية ومادية وقف على هذا الجهاد الوطني حتى تبلغ اهدافها". "ومن الواجب المحتم جمع قوى الأمة، وتوجيه جهودها لتحقيق الآمال الوطنية، ولذلك تعتبر الكتلة الوطنية تأليف الأحزاب السياسية مخالفا لوحدة الجهود".
وهكذا تبلورت الدعوة إلى شعار: "الجهاد لله والطاعة للكتلة الوطنية". شعار ربط بصورة ذكية بين النضال الوطني ذي الأبعاد الاسلامية وقيادته الكتلوية. ومع ان تلك القيادة كانت في غالبيتها علمانية، إلا انها سعت لاستخدام الدين وسيلة للنضال الوطني من جهة واحتكار القيادة من جهة اخرى. والمعنى المضمر في الشعار هو: من عصا الله فقد عصا الكتلة الوطنية. كما كان هذا الشعار ذا حدين: فهو من جهة يؤدي الى جمع كلمة الشعب في النضال ضد الاستعمار وتحقيق الاستقلال وهو من جهة ثانية سلاح في يد اصحابه لمنع خصومهم من تأليف الأحزاب وتحطيم أي نضال اجتماعي تنادي به الطبقات الدنيا التي لم يُسمح لها بدخول جنة الكتلة الوطنية. فالعضوية في هذه الكتلة اقتصرت عموما على من "ينتسب الى عائلة من اكرم العوائل" في دمشق وحلب وحمص واللاذقية وحماة. وهذا يعني ان القسم الأكبر من رجالات الكتلة الوطنية انتسب الى العائلات المدينية المهيمنة ممن سماهم مؤرخ الشام محمد كرد علي "ارباب الوجاهة".. وقد حرص قادة الكتلة الوطنية على حصر العضوية في الطبقة الغنية والميسورة. فالمادة 37 من القانون الأساسي للكتلة اوجبت ان "يدفع العضو المنتسب الى الكتلة الوطنية رسم تسجيل لا يقل عن ليرة سورية ورسما شهريا قدره خمسة الى خمسة وعشرون قرشا". وهذا المبلغ لم يكن بإمكان الفلاحين والعمال والحرفيين والقسم الأعظم من الطبقة الوسطى من دفعه.
..وفي الدعوة المطلقة إلى الطاعة للكتلة الوطنية يُطرح السؤال التالي: هل ثمة تأثر بالفكر الفاشي في هذه النقطة؟.. وهذا ما نستبعده. ونرجح مقولة الرغبة في توحيد الصفوف الوطنية خلف الكتلة من جهة والتأثر بالجوانب الاستبدادية من التراث من جهة أخرى. هذا مع العلم أن عددا كبيرا من قادة الكتلة الوطنية درس في المعاهد الفرنسية وكان متأثرا بافكار الثورة الفرنسية، وهو بعيد عن المنطلقات الفاشية والنازية.
*******
التركيب الاجتماعي للكتلة الوطنية
عموما لم تكن الكتلة الوطنية حزبا موحدا يجمع عناصر تنتسب الى طبقة اجتماعية معينة بل ضم فئات اجتماعية مختلفة: اقطاعيين وطنيين وبورجوازية تجارية وصناعية (كانت في مراحل تكونها) فئات فتية من الطبقة الوسطى المدينية، عدد من اغنياء الريف ومثقفين نهلوا من الفكر البورجوازي الثوري الأوروبي سواء مباشرة عن طريق جامعات فرنسا او بالواسطة عن طريق استنبول.
فقد ضمت الكتلة الوطنية اشخاصا ذوي نفوذ واعضاء من عائلات كبيرة ومعروفة ذات جاه واملاك. كما ضمت مجموعات مختلفة واحزابا منحلّة كحزب الشعب (دون رئيسه الشهبندر) ومجموعة حزب الاستقلال العربي، التي استطاعت فيما بعد ان تسيطر على الكتلة على اعتاب الحرب العالمية الثانية وفي فترة تراجع شعبية الكتلة. وقد ادى اختلاف المنبت الطبقي لأعضاء الكتلة وتنوع منابعهم الفكرية الى تعدد الزعامات وحدوث انقسامات في قلب الكتلة وتشعب الاراء حول الموقف من الانتداب الفرنسي ومن القضاياالاقتصادية الاجتماعية المتنوعة.
يصف الدكتور عبد الرحمن الكيالي احد الأعضاء البارزين في الكتلة الوطنية الوضع داخل الكتلة في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين على النحو التالي:
" كل شخص في الكتلة يحاول ان يفرض نفسه زعيما... فاصبح لجميل مردم جبهة ولسعدالله الجابري جبهة ولنسيب البكري جبهة. وكان شكري القوتلي وصبري العسلي يتعاونان ومعهما جماعة حزب العمل القومي وحزب الاستقلال وجماعة التجار في دمشق. وتعاون مع مردم جماعة الشباب الوطني مثل سيف الدين المأمون. وتعاون نبيه العظمة مع السلبيين والاستقلاليين امثال منير الريس واخوانه. وكان سعد الله الجابري يتعاون مع افراد عائلته ومع مخائيل ليان وجماعة السوق وبعض المشايخ مثل مصطفى الزرقا ومعروف الدواليبي والسرميني. ولحسن ابراهيم باشا جماعة، ولعبد الرحمن الكيالي جماعة، ولرشدي الكيخيا جماعة منهم ناظم القدسي وبعض من الحرس الوطني. ولمظهر رسلان في حمص جبهة، ولهاشم الاتاسي جبهة. ولتوفيق الشيشكلي في حماة جبهة يقاومها خليط من العصبويين (عصبة العمل القومي) والاقطاعيين من عظميين وكيلانيين وبرازيين. ولعبد القادر شريتح في اللاذقية جبهة".
وكان من نتيجة هذه الانقسامات ان مؤتمرات الكتلة الوطنية، التي كانت تعقد بين الحين والآخر كلما تعقدت المشاكل واضطرب الجو السياسي، سادها "التطاحن والتباين" و "فقدان الثقة". ولا سيما عند استلام الكتلة للسلطة كما جرى في سنتي 1932- 1933 وفي اعوام 1936 -1939. فالتفسخ والبلبلة سادا في صفوف الكتلة من القمة الى القاعدة.
لقد رصد الصحفي نجيب الريّس رصدا دقيقا تطور الكتلة اواخر عام 1932 اذ خشي "ان يضيع كيان الكتلة بين الوزارة والنيابة". وعبّر الريّس عن المخاوف نفسها بعد استلام الكتلة للسلطة او بالاصح لجزء منها في اعوام 1936 - 1939. وقد اراد الريس ان يجد تعليلا نظريا مقبولا للاضطراب والتسيب الواقعين في صفوف الكتلة عاكسا في مقالاته واقع الكتلة دون ابهام.
كتب الريّس في كانون الأول 1932 : " الكتلة الوطنية ليست عبارة عن هذين الوزيرين في هذه الحكومة المختلطة وفي هذا التجانس المصطنع، ولا عن هؤلاء النواب في هذا المجلس المُسَوّد للوجه والمنكس للرؤوس، بل ان الكتلة انما هي فكرة وطنية ثمينة وكيان معنوي يعزّ على هذه الأمة ان يتصدع وينهار... الكتلة كالوفد المصري في مصر ليس حزبا ولا عددا محدودا... كل هؤلاء المخلصين كتلة وطنية سواء منهم القائل بالسياسة الإيجابية او السلبية وسواء الراضي عن الوضع او الناقم عليه...".
لم يكن هذا الوصف للكتلة الا تبريرا للانقسامات المحتدمة في خلاياها. وهذا برهان على تنوع مشارب رجال الكتلة، ويعكس اختلاف آرائهم حول استراتيجية وتكتيك النضال الوطني.
هذا التنوع والاختلاف في جسم الكتلة الوطنية كان في كثير من الأحيان عامل قوة في شحذ الهمم الوطنية والدعوة للقاء والتناصر . يتبدى ذلك في ان الكتلة الوطنية ضمت بين جناحيها عناصر مسلمة ومسيحية وطرحت شعار: (الدين لله والوطن للجميع)، وكانت مظاهرات أنصارها وعراضاتهم تهتف "فلتحيا الوطنية إسلام ومسيحية". وكان لسياسة الكتلة دور في توحيد الصفوف والاسهام في بناء الوحدة الوطنية وطمأنة الأقليات الخائفة من عودة الروح العثمانية المفرِقة للأمة الى مذاهب وملل. وكان انضمام جبل العرب والساحل الى الجمهورية السورية من منجزات الكتلة الوطنية ونتيجة لسياستها العلمانية الموحدة للقلوب.
*******
القمصان الحديدية رديف الكتلة الوطنية
مع النهوض الجماهيري الذي عمّ المدن السورية في أوائل عام 1936 وأدى إلى عقد معاهدة بين الحكومة الفرنسية اليسارية ووفد الكتلة الوطنية شكلت في أيلول 1936 مجموعة من الشباب جمعية مستقلة، كانت في الواقع رديفا للكتلة الوطنية. أطلق أعضاءهذه الجمعية على أنفسهم اسم الشباب الوطني بقيادة كل من سيف الدين المأمون ومنير العجلاني ومنير المالكي ومنير الريس. وقد ألف الشباب الوطني ميليشيا أطلقوا عليها اسم القمصان الحديدية مشكلة من الطلاب وشباب الأحياء وتدربوا على أيدي ضباط محترفين بقيادة نزهة المملوك.
ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أن ظاهرة تشكيل فرق "القمصان الحديدية" في دمشق عام 1936، والتي أرجعها بعضهم إلى الفرق الفاشية، لم تكن إلا مظهرا من مظاهر التأثر بالفاشية شكلا لا جوهرا. وقد اعلن ذلك منير العجلاني، أحد منظمي هذه الفرق، في كلمته في حفلة تسليم الألوية إلى فرق القمصان الحديدية "إن حركتنا لا تنطوي على شيئ من الغرور القومي... ولا تمت بصلة إلى الفاشستية أو النازية". ومع أن شكل وطريقة اخذ التحية والتنظيم لدى القمصان الحديدية كانت مقتبسة من الفاشستية، إلا أن الشباب الوطني مؤسس القمصان الحديدية كانت له اهداف وطنية. فقد جاء في قانون الشباب الوطني أنه "هيئة قومية عربية، غايتها تحرير سورية الطبيعية وتوحيدها، والعمل في سبيل تقارب البلاد العربية واتحادها".
وبصدد القمصان الحديدية ذكر المعاصر للأحداث خالد قوطرش أنها أقامت حفلة سياسية في القنوات، في بيت الحسيبي، وخطب قادة الفرق، والقوا كلمات حماسية، وجاء دور قائد فرقة صلاح الدين الأيوبي وهي فرقة حي الأكراد وكان قائدها محمود قوطرش بوصفه ضابطا مسرحا من جيش الشرق الذي شكلته السلطة المنتدبة لخلاف نشب بين قوطرش والكابتن سالم اللبناني.
ولما طُلِب من قوطرش أن يلقي كلمته، اعتذر وقال: "أنا لا أجيد الكلام ولكنني احسن اصابة الهدف". وسحب مسدسه وأطلق منه عدة طلقات نارية، فضجّ الحفل بالتصفيق والهتاف ورفعوا قوطرش على سواعدعم وهم يصيحون بسقوط الانتداب الفرنسي واستقلال سورية. وعلّق شاهد العيان خالد قوطرش على هذا الحدث قائلا: "من عادة الجماهير ان تصغي إلى السلاح اكثر من اصغائها إلى الكلمات".
*******
قامت الكتلة الوطنية في اواخر عام 1927 مع انتهاء مرحلة الكفاح الوطني المسلح وبداية مرحلة الكفاح الوطني السلمي. وشهدت هذه المرحلة فترات هدوء نسبي كما شهدت اسابيع وطنية عاصفة عام 1933 عاد بعدها الهدوء إلى عام 1936. وما ان اطلّ عام 1936 حتى اندلعت نيران الغضب الوطني الشعبي وعمت المظاهرات الجماهيرية جميع المدن السورية. ولم تلبث ان وقعت الاصطدامات الدامية بين القوى الوطنية وقوىالاحتلال الاستعماري الافرنسي، حيث سقط عشرات القتلى ومئات الجرحى. وفي تلك الاثناء توقفت الحياة الاقتصادية وركدت الاسواق واغلقت المدارس، واصبح واضحا ان سورية تعيش في ربيع 1936 على ابواب ثورة وطنية لاهبة.
قيادة الكتلة الوطنية ببنيتها الاقطاعية – البورجوازية سارت مع النهوض الوطني الجاهيري ويدها على قلبها خوفا من ان يفلت زمام الأمر من يدها. وهذا ما عبّر عنه شاكر العاص بأن "قيادة الحركة الوطنية تسير الآن في المؤخرة لا في الطليعة، وتأثيرها يكاد يكون مما يعيق الحركة لا مما يسهل سيرها". وفي مقال آخر وصف شاكر العاص الحالة في سورية في النصف الأول من عام 1936 بما يلي: "ان ابرز ما تتصف به الحوادث الأخيرة هو كونها شعبية اشترك فيها عدد عظيم من الناس من مختلف الهيئات والجماعات، فهي لم تكن فردية ولم تكن منظمة، بل كانت عفوية...".
ومن مراجعة الصحف في ربيع 1936 يلاحظ تمرد الطلاب والجماهير الشعبية على قيادة الكتلة الوطنية وعدم رضوخ الشعب الى سياستها الداعية الى "الهدوء واالسكينة" و "ترك العمل الوطني" لرجال الكتلة، ولكن الضغط الطلابي اثّر في تغيير قيادة الكتلة تدريجيا لسياستها المهادنة ودفعها للانتظار وترك الأمور تسير على مجراها.
وقد اجبر تصاعد الحركة الشعبية الى الدفع في طريق المفاوضات بين الحكومة الفرنسية والكتلة الوطنية والسماح في اذار 1936 لوفد الكتلة بالذهاب الى باريز للمفاوضة. ومع نجاح الجبهة الشعبية في فرنسا في الانتخابات النيابية وتأليف حكومة يسارية تمهّد الطريق في ايلول 1936 لعقد معاهدة تحالف بين سورية وفرنسا، وجرى على الفور الحاق اللاذقية وجبل العرب بامهما سورية. ولكن المعاهدة المتصفة بالحلول الوسطية ادى الى انقسام الناس تجاهها وتشعب آرائهم مما خلق بذورا لأزمة لم تكن نتائجها في صالح الحركة الوطنية.
ومع ذلك فإن الكتلة استطاعت ان تحتفظ بشعبيتها واقناع الناس بإيجابيات المعاهدة. وقد اسفرت انتخابات المجلس النيابي عن فوز قوائم الكتلة الوطنية في سائر المدن ومعظم الأقضية. وتشكلت حكومة كتلوية في 21 كانون الأول 1936 سرعان ما دخلت في طرق مليئة بالمتناقضات وباختلاف الناس ازاء سياستها وازدياد نشاط المعارضة بقيادة عبد الرحمن الشهبندر العائد من منفاه في مصر. وما حلّ ربيع 1939 حتى كان الحكم الكتلوي يحتضر مخلفا وراءه جراحا تنزف في جسم الكتلة الوطنية مما استوجب تجديد سياستها بقيادة الزعيم الصاعد شكري القوتلي. وبفضل الظروف الدولية ومساندة البورجوازية السورية تمكّن القوتلي من تحقيق فوز للكتلة الوطنية في انتخابات صيف 1943 وانتخابه رئيسا للجمهورية. وبعد نضال مرير نالت سورية استقلالها السياسي واحتفلت في 17 نيسان 1946 بجلاء الجيوش الاجنبية عنها.
كان عام الاستقلال عام انعطاف في مسار كلٍ من النضالين الوطني (ضد الامبريالية ومشاريعها) والاجتماعي المتمثل بتبلور الحركة النقابية وتحركات الفلاحين ضد كبار الملاك الإقطاعيين. الخطوط العريضة للتطورات الجارية في عهد الاستقلال المؤثرة في مسار قيام الإحزاب وتطورها يمكن اجمالها في الظواهر التالية:
1 - رجحان كفة ميزان القوى الاجتماعية لصالح "الطبقة الوسطى" او ما يُعرف بالبورجوازية الصغيرة في المدن اولا ومن ثمّ في الأرياف.
2 - بدء تكون طبقة عاملة سعت الاحزاب لكسبها وظهور حركة فلاحية مناهضة للإقطاعية.
3 - أخذت السلبيات تظهر في الطابع السياسي للبورجوازية التي حاولت ما استطاعت الحد من الحريات. هذا مع الإشارة إلى ان الدور الاقتصادي للبورجوازية بجناحها الصناعي كان من احدى مؤشرات التطور الاقتصادي.
4 - فقدت البورجوازية (بالتعاون مع كبار الملاك) القيادة السياسية المطلقة،
وأخذت البورجوازية الصغيرة الصاعدة تنافسها القيادة معتمدة على تأييد العمال والفلاحين ومساندة العسكر المتكون من جيش لم يكن لأرباب الوجاهة دور في تركيبته.
5 - شوهد النضال الإجتماعي يطفو على سطح الأحداث أو يعيش مرحلة النمو الجنيني.
6 - احتلت الوحدة العربية مكان الصدارة من اهتمام الرأي العام، وجاء احتلال الصهيونية لجزء من فلسطين ليضع البلاد في معمعان الأحداث ويجعل من فلسطين قضية السوريين الأولى.
7 - من نتائج الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945) انهزام النازية والفاشية ودخول خيول الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي الى حقول المشرق العربي اصبح يُرى بالعين المجردة.
كل هذه العوامل وغيرها اسهمت في تبلور الحركة السياسية للأحزاب وقادت في السنوات الأخيرة من اربعينيات القرن العشرين الى تلاشي الكتلة الوطنية مخلّفة وراءها وريثا ضعيفا هو الحزب الوطني.
*******
مواقف الكتلة الوطنية
من كفاح فلاحي الهبيط ضد الإقطاعية
توضيحان:
في الربع الثاني من القرن العشرين كان الاستثمار الإقطاعي للفلاحين لا يزال واضح المعالم في أجزاء عديدة من الأرياف السورية. وقد أرخت الهيمنة الإقطاعية بظلالها الثقيلة على الحياة الحزبية في البلاد. ولا يمكن اكتشاف مكنونات الحياة الحزبية دون الرجوع إلى كشف العلاقة بين كبار الملاك من الإقطاعيين والفلاحين الباحثين عن حلفاء لهم في المدينة. ويقدم هذا الفصل إحدى صور الصراع الإقطاعي الفلاحيومواقف مختلف القوى الإجتماعية والسياسية من هذا الصراع. ولعل النظرة الأولى المتسرعة لعنوان هذا الفصل تدفع الكثيرين للظن بأن هذا الفصل مقحم على الكتاب. ومردّ ذلك إلى عدم اعتياد هؤلاء على السباحة والغوص في اعماق بحار الأجواء الإجتماعية لإكتشاف سيرورة تكوّن الأحزاب وصعودها أو هبوطها. وكفاح فلاحي الهبيط في منتصف القرن العشرين خير دليل على ذلك.
تقع قرية الهبيط إلى الغرب من خان شيخون على الطريق الواصل بين خان شيخون وقلعة المضيق في الغاب. وبعبارة أخرى تقع الهبيط إلى الشمال الغربي من حماة إحدى معاقل كبار ملاك الأرض الإقطاعيين، ومن الطبيعي ان تكون قرية الهبيط ضمن المجال الحيوي لتمدد إقطاعيي حماة.
***
1
في سنوات الحرب العالمية الأولى 1914 تمكّن جابي ضريبة الأعشار مصطفى بك العظم (أبو ناصح) من تطويب قرية الهبيط باسمه وتحويل فلاحيها المالكين الأحرار إلى فلاحين مرابعين (محاصصين) لدى قطب من أقطاب ذوات حماة.. هكذا "ببساطة" تحول الفلاحون من أحرار إلى عبيد في الدولة العلية العثمانية.
2
بتاريخ 25 آب 1984 التقينا في الهبيط بالفلاح المسن محمد حمادو (من مواليد 1894) وما زال محتفظا أثناء اللقاء به بقوته البدنية. وروى كيفية استيلاء مصطفى العظم على أراضي الهبيط في سنوات الحرب العالمية الأولى، عندما مات الناس جوعا قال:
"كنا خمسين فدانا وناس عندهم أملاك، وناس ما عندهم والبواطلية يعملون شكاير... راحت أرضنا أيام الجوع.. والمختاران أخذا براطيل من مصطفى بك، الذي كان يأخذ 12 ونصف بالمئة هذه ضريبة العُشر، التي جباها مصطفى بك بصفته ملتزم العشر في الهبيط).. ديّن مصطفى بك أهل الهبيط ألف ليرة.. وبعد ثلاث سنوات صار الجوع وفي السنة الرابعة من الجوع (1918) أخذ الأرض بدل الدين، وأعطى المخاتير برطيل، حتى يختموا له شهودا بملكية الأرض.
الفلاح عبد القادر بن علي أبو راس قال عن والده أنه سِيق إلى العسكرية، وكان في سنوات الحرب في بئر سبع. وعندما رجع عام 1919 "وجد الضيعة رايحة" (أي منتقلة ملكيتها إلى آل العظم) وكان المختار... متفقا مع ابن العظم". وأضاف عبد القادر: لقد "أخذوا عم أبي وأعطوه عشر ليرات ومضى (أي وقع) لهم أنه باع الأرض.. نحن أول ملّاكة في الهبيط وكنا نملك فدانين".
يتبين من أقوال الفلاحين ومجريات الأحداث في مختلف مناطق بلاد الشام، أن مصطفى بك العظم تمكن من استغلال جوع الفلاحين لشراء الأرض بأسعار رخيصة بعد أن صادرت الحكومة العثمانية الحبوب وساقت الرجال الفقراء والمنتجين إلى العسكرية، وعندها تمكن المتنفذون وأرباب الوجاهة من شراء الأرض بأسعار زهيدة من فلاحين فقراء جياع بائسين.
أثناء ثورات الشمال لم يكن مصطفى بك العظم على وفاق مع ثوار جبل الزاوية، الذين فرضوا ضريبة الأعشار على المنطقة، وبالتالي شملت الضريبة مالك الهبيط. ولكن مصطفى بك تمنّع عن دفع الضريبة عام 1921 وقدرها 300 ليرة ذهبية إلى صندوق الثوار. وبعد مدة هاجمت مجموعة من الثوار قصر مصطفى بك في الهبيط، وبعد معركة بالرصاص قُتل مصطفى بك. وقد أتُهِم أهل الهبيط بالمشاركة في عملية الهجوم وإرشاد الثوار إلى أفضل الطرق للهجوم. ولم يكن هذا الأمر سراً فقد أشار إليه وزير الداخلية سعد الله الجابري أثناء مقابلة وفد من الهبيط وكفر سجنة لمعاليه عام 1937.
3
تدل حادثة مساعدة أهل الهبيط لثوار جبل الزاوية انتقاما من مصطفى بك، الذي جردهم من أرضهم على الأبعاد الطبقية لثورات الشمال الوطنية المناهضة للاحتلال الاستعماري الفرنسي. وننقل فيما يلي ما سمعناه في الهبيط بتاريخ 25 – 8 – 1984 من الفلاح محمد حماد المعروف بحمادو وهو أحد الموقعين على الرسالة الموجهة إلى فخري البارودي بتاريخ 27 آذار 1937 وموقعة من اربعة فلاحين أحدهم حمادو تشكو من تعديات ناصح بك العظم وغيره على الفلاحين. وقد استعاد حمادو من ذاكرته ما جرى للوفد الفلاحي المؤلف من فلاحي الهبيط وكفر سجنة، الذي أمّ دمشق عام 1937 وقابل عددا من الوزراء ورجالات الكتلة الوطنية والشخصيات الشعبية في دمشق. قال الفلاح حمادو حرفيا:
- "قدمنا عريضة إلى هاشم الأتاسي، قال: بعد ثلاثة أيام نتكلم في الكتلة".
- "جميل مردم بك قال لنا: إذا أنا وزعت ضياع بيت مردم بك على الفلاحين يوزع عليكم ابن العظم ضياعه"
- "سعد الله الجابري قال لنا: قتلتم مصطفى بك بدكم تقتلوا ابنه ناصح".
- "حكيت لمحمد الأشمر قصتنا، قال: كم واحد عندكم؟.. قلت: 300 زلمة.. قال: أنا بعطيكم بواريد وكرانات، روحوا اقتلوا".
{محمد الأشمر شيخ شعبي من حي الميدان بدمشق. شارك في الثورة السورية لعام 1925 وكان معروفا بمواقفه الوطنية وووقوفه إلى جانب المستضعفين. والأشمر يدفع فلاحي الهبيط إلى المقاومة المسلحة والحصول على حقهم باستخدام البواريد أي البنادق والكرانات أي القنابل اليدوية.}
4
رواية الفلاح المسن محمد الحماد (حمادو) عضو وفد فلاحي الهبيط إلى دمشق عام 1937 محتجا على أعمال ناصح بك بن مصطفى بك العظم تعبّر، إضافة إلى صدقها وتواترها مع الأحداث، عن مضمون اجتماعي عميق وتعرّي المواقف الطبقية لـ" رجال الكتلة الوطنية"، وتبيّن من جهة أخرى أن موقف الشيخ محمد الأشمر هو الموقف الشعبي، المرشد إلى الطريق الأساسي للتحرر من الإقطاعية.
ورواية الفلاح حمادو تعكس مواقف رجال الكتلة الوطنية. فهاشم الأتاسي رئيس الكتلة صامت كعادته و لا تشفي أجوبته الغامضة غليل العطشان. وثعلب السياسة جميل مردم بك أفصح بوضوح عن التضامن الطبقي بين أسر الوجاهة، التي ترفض تسليم الأرض للفلاحين. وسعد الله الجابري اتهم فلاحي الهبيط بقتل مصطفى بك العظم والد ناصح في قصره بالهبيط في أعقاب ثورة هنانو .وكلام الجابري بصفته وزيرا للداخلية وابن عائلة إقطاعية مشهورة، تضمّن تهديدا لفلاحي الهبيط بعدم "التحرك" وضرورة "اللجوء إلى الهدوء والسكينة" والاستسلام لحكم الإقطاع.
وإذا كان الفلاحون قبل مجيئهم إلى دمشق لا يزالون يعتقدون بإمكانية الوصول إلى حقوقهم عن طريق "أبناء العائلات الإقطاعية"، فإنهم بعد أن سمعوا ما سمعوه من أجوبة رجال الدولة، اقتنعوا بما قاله الأشمر في أن الطريق الوحيد هو الثورة الفلاحية المسلحة... ولكن الظروف جميعها آنذاك لم تكن متوفرة للقيام بثورة مسلحة، ومع ذلك فإنهم قاموا وتحركوا، وبدلا من أن يحملوا البندقية التي لا يملكونها، حملوا المذراة والفأس وثاروا ضمن الظروف التي عاشوا فيها... وقصة فلاحي الهبيط وقومتهم عام 1937 ومن ثمّ نضالهم المستمر من تهجيرهم من القرية ثمّ عودتهم إليها عام 1956 فيما عُرف بـ"قومة الهبيط" وتحريرها ومن ثمّ حصلوا على الأرض مع صدور قوانين الإصلاح الزراعي مذكورة في كتابنا "الفلاحون وملاك الأرض في سورية القرن العشرين"...
5
تقدم قرية الهبيط نموذجا رائعا للعلاقة بين الوطني والطبقي. فالشعور الوطني المتمثل آنذاك في مقاومة الاحتلال الاستعماري الفرنسي وما نتج عنه من اصطفاف القوى الطبقية بين مناهضة للاحتلال أو مؤيدة له او متخذةً موقفا وسطا. وبالمقابل سارت (وتسير) المصالح الطبقية في خطين متعاكسين: مصالح القوى الإقطاعية الواضعة – مع استثناءات قليلة - نُصْبَ أعينها مصالحها الطبقية في توسيع ممتلكاتها واستثمار الفلاحين واضطهادهم، ومصالح الفلاحين الساعين للدفاع عن الأرض، التي يعملون عليها من اعتداءات الظالمين.
ومع أن فلاحي الهبيط لم يكن بإمكانهم إشهار السلاح في وجه المحتل، إلا أنهم كانوا في قرارة أنفسهم يتمنون نجاح الثورة الوطنية لهنانو علّها تكون الطريق للخلاص من نير الاستغلال الإقطاعي. وهذا سرُّ مساندتهم للثوار الزاحفين على قصر الإقطاعي لتحصيل ضريبة العشر، التي اعتبرها الثوار من حقهم لتمويل الثورة الوطنية.